الآن تقرأ
أحلى من الشوكولاتة (الحلقة الخامسة)

لقراءة الحلقات السابقة من القصة الطويلة: أحلى من الشوكلاتة، اضغط: هنا

 

جالسة فوق المرحاض تقضي حاجتها، راحت سوسنة تتأمل الرسمة الموجودة على جدار الحمام. كانت لفتاة يافعة تمسك بجرة ماء وتسكب منها في جرار أصغر حجماً. حملقت في الرسمة قليلاً وتمنت لو كانت هذه الفتاة. إلا أنها ستسقي العالم من ماؤها هي فتطفأ نيران الذكورية التي التهمت كل شيء. والتي ترى أنها التهمت بولس الرسول نفسه وهو يكتب رسالته الأولى إلى تيموثاوس. الأمر الذي يدفعها دائماً لتتساءل؛ لماذا يحتوي الكتاب المقدس أصلاً على نصوص كُتبت لتكون مجرد رسائل. هناك أيضاً أِياء أخرى غير الذكورية تكرهها بل تحاربها أحياناً سوسنة كالزواج مثلاً. فحينما كانت طفلة قضت ليال لا تعد تحت لحافها مرتعدة تبلل الدموع وجنتيها بسبب مشاجرات والديها. وبنفس قدر احتياجهما للشجار كانا يحتاجان للجنس.

فحين أتتها الدورة الشهرية للمرة الأولى منذ تسع سنوات أخبرتها زميلة لها بالفصل بأنها ستتوقف للأبد إذا تزوجت. ومن وقتها دأبت على مراقبة والديها من ثقب الباب وهما يمارسان الحب. وكانت في كل مرة تراقبهما فيها ترى أبيها يلج أمها وهو مغمض العينين. ولأنها كانت واحدة من هؤلاء القلائل الذين يحظون بهبتي الذكاء والإحساس معاً، علمت وقتها أنه يفعل ما يفعله مع أمها، مع نساء أخريات لا تعرف عنهن شيئاً. لذلك فهي عازمة على ألا تتزوج حتى لا تلتقي  بشخص كأبيها، وحتى لا تنجب أطفالاً سيتألمون يوماً ما كما تألمت هي. وإذا حدث وتزوجت لن تقبل إلا بشخص يكون خاضعاً لسلطتها. شخص أبعد ما يكون عن الذكوريين الديكتاتوريين.

يتبقى أمر أخير يشكل مشكلة بالنسبة لسوسنة.. علاقتها بالله؛ فهي تراها علاقة فاشلة ينقصها دوماً طرف ما. والذي تحاول معرفته هل هذا الطرف هو هي أم هو. فهي تظن أنه لو كان خلق البشر من شيء أفضل من التراب لتنازل ونزل ليعيش معهم بدلاً من عزلته هذه. لكن كيف يتجاهل حي كل هذا العدد الهائل من البشر؟ وكيف في يوم الدينونة سيتذكر اسم وأعمال كل منهم؟ ولماذا هو ذكر وليس أنثى؟. دائماً ما تشغل مثل هذه الأسئلة ذهنها إلا أنها لا تبوح بها لأحد.

بعد أن انتهت من قضاء حاجتها اتجهت نحو حوض الاستحمام. هناك كانت موضوعة شفرة الحلاقة خاصتها وزجاجة ماء الورد. أمسكت بمقبض الصنبور وأدارته تاركة إياه يهدر. بذلك لن يسألها أحد عما تفعله بالداخل.

سوسنة نعيم فتاة لا تحب العرف والتقاليد. وهي على دراية بأمور كثيرة لم يعتاد الرجال في مجتمعنا أن يجدوا فتاة ملمة بها. لذلك أخافت الشباب الأكبر منها الذي عرفوها جيداً، فاتخذوا من صديقاتها خطيبات سيتلخص يوماً وجودهن في الطهي والجنس والإنجاب. ولعل هذا هو السبب الوحيد الذي جعلهن قادرات على وأد غيرتهن حينما وجدن صديقتهن مختلفة وجذابة.. فهي تعشق الكتب وفي الليالي التي كانت صديقاتها يستحضرن إلى أحضانهن عمر الشريف أو بول ووكر كانت هي تتخيل نفسها عارية أمام بارتيك ذوسكند وهو ينهي فصلاً من روايته الجديدة التي يكتبها عنها، والتي لن تقل روعة وشهرة عن “العطر”. وبعد أن تعمق في كتابتها فاقداً إحساسه بالوقت والمكان، وبعد أن صارت أنفاسه لها نفس إيقاع أنفاس شخصياته، تسمح له بأن يهتدي إلى نفسه مرة أخرى، ولكن هذه المرة في داخلها.. وهي تحب الموسيقى، خاصة أعمال تشيكوفسكي وإنيو موريكوني. ولديها قناعة بأن إيديث بياف عندما غنت أغنيتها “لا تتركني” كانت تتحدث بلسانها هي حينما قالت “لا أريد أن أبكي بعد الآن” فسوسنة لا تحب البكاء، أو بمعنى أدق حينما تشعر برغبة في ذلك تبتعد أولاً عن أعين الناس ثم تفعلها. لأن البكاء في نظرها ضعف وهي لا تحب أن تبدو في هذا المنظر وسط أهل لا يفهمون مشاعرها ومجتمع يترجمها بشكل خاطئ ورجال أنانيتهم تمنعهم من ملاحظتها من الأساس.

ولأنها ترى أنه ليس الرجال فقط هم من مسموح لهم باستخدام شفرة الحلاقة، فقد استخدمتها للتو في إزالة شعيرات عانتها. وهي تعلم جيداً أن أمها إذا علمت بذلك ستغضب بشدة، بل إنه قد يتطور الأمر إلى محادثة كاهن الكنيسة ليعيدها إلى صوابها.

بعد أن انتهت دهنت عانتها بماء الورد لتطرية جلدها، ثم أخذت حماماً دافئاً وبعده ذهبت إلى غرفتها وأغلقت كعادتها بابها عليها.

على  سريرها تهاوت راغبة في النوم. فمغادرة المنزل مبكراً ترهقها ومع ذلك فهي تستمتع برؤية الشوارع الخالية صباحاً واحتساء القهوة بمقهى البن البرازيلي.

قبل أن يغلبها النوم اجتاحتها رغبة عارمة في أن تمتع نفسها قليلاً. ولأنها تؤمن وبقوة بأن تلك المناطق المثيرة في جسدها وُجدت لمتعتها أولاً قبل أن تكون للإنجاب، فهي لا تشعر بالحرج أو الاشمئزاز تجاه ما تفعله بها.

حينما صنعت شركة ماك لمستحضرات التجميل البافر براش من شعر الماعز المتناهي في النعومة، كان غرضها من ذلك العناية ببشرة حواء، ولم يخطر على ذهن أحد أنه قد تستخدمها إحداهن للاستمتاع. أخرجت الفرشاة من أسفل وسادتها ومدت يديها الاثنتين تحت سروالها التحتي بينما تباعد قليلاً بين فخذيها. بأصابع يدها اليسرى باعدت بين شفرتيها الورديتين ثم راحت تداعب بشعر الفرشاة حبة الفول الموجودة بينهما بتؤدة. أخذت تأن بصوت خافت. ارتفع صوت أنفاسها. راحت تغمض وتفتح عينيها ببطء.. فجأة توقفت متذكرة شيئاً أحلى بكثير من تلذذها بجسدها، سيتم القضاء عليه إذا حضرت ماما ووجدته. فتحت عينيه مبرقة بصرها وانتفضت واقفة. غادرت غرفتها ذاهبة إلى المطبخ وهناك وجدت ما تنشده؛ برطمان شوكولاتة نوتيلا. أخذته وعادت به إلى غرفتها وفوق سريرها راحت تغمس سبابتها فيه ثم تقحمه في فمها كأنها ستلتهمه.. أثناء فعلها ذلك اكتسبت ملامح ملائكية، ولم يشوه المنظر سوى وجهها الأبيض الذي لطخته بالشوكولاتة.

هل تأكل الملائكة الشوكولاتة بهذا الشكل؟.

عن الكاتب
مارك أمجد
مارك أمجد مؤلف وصحفي مصري مواليد الإسكندرية ١٩٩٤ يدرس بكلية الإعلام-جامعة القاهرة. حصل على عدة جوائز أدبية آخرها المركز الثالث على مستوى الجمهورية بمسابقة وزارة الثقافة عن قصته "شي غابي". من أعماله " أنت تكرهني لأننا واحد" الحائزة على منحة مؤسسة KFW الألمانية، و"أحلى من الشوكولاتة" و"كأن الإله عصفور".