الآن تقرأ
الطقوس والمعتقدات الدينية عند قبائل الفايكنج

فيونا ويلكنسون – مقال منشور بموقع  CLIO History Journal

برغم تحولهم إلى المسيحية ظلت الوثنية تهمة لصيقة بقبائل الفايكنج. وقد صدرت لنا الحوليات الأنجلو ساكسونية بما فيها من وصف وصور لهم رأيا  متحاملا فيما يتعلق بمعتقداتهم الدينية. غير أن القصائد والقصص والمكتشفات الأثرية عن معتقداتهم وطقوسهم تبين أنهم لم يكونوا بتلك الصورة التي رسمتها كتب التاريخ المعروفة.

ملاحم قليلة تروي حياة وعادات الشماليين، مثل ملحمة “إيدا النثرية” لسنوري سترلسون، وهو شاعر ومؤرخ أيسلندي عاش في القرن العاشر. وبرغم أن هذه الملاحم ليست مصادر مباشرة، إلا أنها غنية بتفاصيل عن الثقافة الاسكندنافية والتي لولاها ستكون تلك الثقافة مجهولة. وتروي لنا هذه الملاحم رؤية الفايكنج لنشأة العالم والإنسان والآلهة. يكتب سترلسون في (أيدا) قائلا:

في أحد الأيام.. بينما كان ابناء (بور) Bor يتمشون على الشاطيء وجدوا جذعي خشب شكلا منهما رجلا وامرأة. بث الرب الأول (أودين) فيهما الروح والحياة، ومنحهما الإله الثاني (فيليى) العقل وقوة الحركة، والثالث (في) أعطاهما النطق والملامح والسمع والبصر. واطلقوا على الرجل أسك والمرأة ايمبلا. ومنهما جاء الجنس البشرى وسكن في ( ميدجارد).

كما وجد علماء الآثار دليلا على مظاهر عبادات الفايكنج في أشكال شواهد المقابر وصفائح ذهبية صغيرة، وجثث مطمورة. وتحوي أفنية الكنائس صخورا منقوش عليها مشاهد من الأساطير الشمالية. ويعتقد عالم الآثار (رونالد جيساب) أن تلك الصخور هي أجزاء من توابيت حجرية. كما وجدت أيضا صفائح ذهبية صغيرة لا تتعدى حجمها سنتيمترا واحدا، ويظهر على كثير منها صورة رجل وامراة متعانقين. ويوضح ويليم شورت أن تلك الرقائق كانت تُدفن عندما يحتفل الملك أو زعيم القبيلة بزواجه. ويردف شورت قائلا “الأشكال على هذه الرقائق الذهبية تمثل فراي وزوجته العملاقة جيرو”. فى الديانة الشمالية يحتل هذا الزواج درجة كبيرة من الأهمية لأنه يجمع بين الآلهة والعمالقة.

اعتقد الفايكنج أن الآلهة تنقسم إلى مجموعتين: الآسر والفانير. يعتبر الفانير، طبقا لـ(آماندا أونيل)، هم أقدم الآلهة، وهم فراي (معناها سيد) إله الخصوبة، وأخته (فرييا) (معناها سيدة) إلهة الخصوبة والحب والحرب والجمال ( ويقول سترلسون أنها قائدة الفالكيري) و(نيورد) إله البحر والذي يقال أنه والد فراي وفرييا. ويبدو أن الفانير مرتبطين بشكل أساسى بالزراعة والخصوبة. على عكس جماعة الآسر المرتبطين بالحرب والسلطة. اما آلهة الأسر هم : (أودين) إله الحكمة والحرب، و(فيلي) و(في) اشقاء أودين، و(ثور) إله الرعد والقتال، و(لوكى) الإله المخادع، و(تير) إله العدالة والقانون الذي ضحى بإحدى يديه، و(هيمدال) حارس ورقيب الآلهة، و(بالدر) إله الضوء والأحياء وأحد ابناء أودين، و(هود) إله الظلام الأعمى وابن اودين، و(هونير) الإله المتردد، و(ميلي) اله الترحال وابن اودين أيضا، و(فورسيتى) إله السلام والحقيقة وابن بالدور، و(فيدار) إله التسلل والانتقام وهو ابنا آخر لاودين، و(اول) اله الصيد (والذي طبقا للمؤرخ الدانمركي الذي عاش في القرن الثانى عشر ساكسو جراماتيكوس، قتله الشماليون بعدما استولى على منصب أودين أثناء منفاه) و(براجى) إله الشعر، و(ايدون) آلهة الشباب، و(سكادي) العملاقة آلهة الثلج والشتاء وزوجة نيورد الثانية، و(هيرمودر) رسول أودين.

ويقال أنه وقعت حرب بين الأسير والفانير اُخذ فيها فراي وفرييا ونيورد رهائن، وأصبحوا جزءا من جماعة الأسير. ومن الواضح أنه اختلفت طرق عبادة آلهة الشمال. فالبعض كانوا يقنعون بقرابين الطعام البسيطة، بينما يطلب الآخرين القرابين البشرية ليمنحوا أتباعهم البركة. كانت القرابين تقدم للإله فراي فى احتفالات الزفاف، حتى يبارك الزوجين بالسعادة والخصوبة. وفي هذا الطقس يُقتل خنزير ويصب دمائه في طبق يوضع على (هوجر högr) وهو نوع من أنواع المذابح، ثم يُغمس خمسة غصون في الطبق وتلوح على شكل مطرقة. المشاركين فى هذه الاضحية يُلطخون بالدماء وهكذا تتم مباركتهم.

برغم أن القرابين البشرية ترتبط بالإله أودين، إلا أن الإله فراي قُدمت له القرابين البشرية. فطبقا لكتاب جراماتيكوس Gesta Danorum :

من أجل ارضاء الآلهة يقوم الرجل بتقديم أضحية مقدسة من ضحايا ذوي بشرة داكنة للإله فراي. ويكرر هذا الطقس الاسترضائي فى احتفال سنوى ويتوارثه ابنائه واحفاده. ويطلق عليه السويديون (فربولت) Frøblot.

فى ملحمة هرفنكلز Hrafnkels (مجهولة المؤلف) تقول القصة أن البطل قتل رجلا بعدما امتطى حصانا كان قد أهداه إلى الإله فراي. ويعتبر الإله فرييا من الالهات المبجلات, وفى ملحمة دروبلوجارسونا Droplaugarsona تمثال فرييا موضوع على عرش أعلى من تماثيل ثور وفراي، وهو مُغطى بالحلى الفضية والذهبية.

كما تلقى الإله ثور القرابين لكنها لم تكن بشرية بل حيوانية وكانت من الماعز، وكان الفايكنج يقدمونها له عندما يتهددهم خطر المجاعات والأمراض. وارتدى الكثير منهم تمائم على شكل مطرقة لأنها ترمز لثور ومطرقته.

تروي عدة مصادر أن الإله أودين هو صاحب النصيب الأوفر من القرابين وخاصة القرابين البشرية، فكانت تُقدم له الأضحيات والقرابين عند النصر. ويصف المؤرخ الألماني الذي عاش في القرون الوسطى (آدم من بيرين) إحدى هذه الطقوس:

جرت العادة بعقد احتفال عام لكل أقاليم السويد في مدينة أوبسالا كل تسع سنوات. يقوم الملوك والناس بارسال الهدايا إليها،  وإذا أراد المسيحيون عدم الذهاب فعليهم ابتياع استثناءات. وتكون الأضحية كالتالي: يختاروا تسعة كائنات حية وباراقة دماءهم يسترضون الآلهة، وتُعلق الاجساد في بستان قريب من المعبد، وهذا البستان مقدس لدى الوثنيين. كما تُعلق معهم الكلاب والأحصنة. وقد أخبرني أحد المسيحيين أنه رأى اثنين وسبعون جثة معلقة هناك، والتعاويذ التي تُقال في هذه الأضحيات عديدة ومشينة ومن الأفضل عدم ذكرها.

ويبدو أنه ينبغى على الجميع المشاركة في هذه الاحتفالات. وكانت هذه الأضحيات تتم في بداية كل صيف لجلب النصر في الفصل القادم.

كما اتخذت عبادة أودين شكلا آخر هو “نسر الدم” أو “النسر الدامي”، طبقا للمؤرخ (ميشيل وود) عندما هاجم الفايكنج مملكة نورثمبريا عام 867 أسروا الملك (ايلا) Aelle وقاموا بأداء طقس نسر الدم. يتضمن هذا الطقس قطع الضلوع والرئتين من الرجل وهو حي ووضعهم بجوار جثته على شكل أجنحة النسر. في عام 869 قُتل إدموند ملك قبيلة الأنجل بهذه الطريقة أيضا. وقد خطط الفايكنج لاستخدام هذه الطريقة مع الملك الفريد العظيم إذا هزموه.

برغم أن المصادر التاريخية تصور الفايكنج بأنهم قوم حمقى متعطشين للدماء، إلا أن هذا التعطش هو جزء من تقاليدهم الدينية. عبر قراءة القصص والقصائد ومن خلال الاكتشافات الأثرية يمكننا أن نفهم بطريقة أفضل ثقافتهم وسلوكياتهم.

fray

الإله فراي كما صوره الفنان جاك ريتش (1852-1923) 

11391716_1622506977988768_2271685855138768509_n (1)

 

تمثال فرييا في مدينة ستوكهولم للفنان رولف ادلرسبار     

عن الكاتب
رفيدة الشريف
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق