الآن تقرأ
مسلسل تشيللو ..يغرد خارج السرب

 

الفكرة

تشيللو هو مسلسل للمخرج السوري سامر البرقاوي عن سيناريو للسيناريست السوري المُميز نجيب نصير عن الفيلم الأمريكي “Indecent Proposal 1993” من بطولة ديمي مور وروبرت ريدفورد ومن بطولة تيم حسن، نادين نسيب نجيم ويوسف الخال وهو العمل التالي لمخرجه بعد مسلسل لو والمًقتبس أيضاً عن فيلم  “Unfaithful 2002” ويبدو أنه تحد شخصي للمخرج وهو إخراج أعمالاً تلفزيونية عن أعمال تحمل مواضيعها كثيراً من الجرأة خاصة علي مجتماعتنا العربية فمن الممكن أن نُشاهد تلك الأعمال بل ونقدرها فنياً ونتعاطف مع أبطالها إنسانياً كوننا مُدركين تمام الإدراك انتمائها للبيئة التي قُدمت فيها والتي تحتمل تقديم مواضيعاً نصفُها نحن بالجريئة.

المعالجة

أول عوامل جذب مسلسل تشيللو هو التحدي الذي كان على نجيب نصير كاتب السيناريو الموهوب أن يخوضه ألا وهو تقديم معالجة درامية تتناسب وتتلائم مع الواقع المجتمعي الذي تدور فيه أحداث القصة وهو مجتمع شرقي عربي، فتخصيص مكان وزمان الأحداث أضاف ذلك البُعد للقصة، للمضمون وللمحتوي الدرامي أيضاً. فيما جاءت معالجة الأحداث ومحاولة تعريبها في البداية ليست بالجديدة فقد لجأ نجيب نصير إلي أحد أسهل الحلول وهي تصدي بطلي العمل لمشروع عملاق بميزانية ضخمة تضطرهما لأخذ قرض نصف مليون دولار من البنك بضمانة المشروع وهو مسرح يقدم من خلاله ياسمين عازفة التشيللو وآدم عازف البيانو موسيقاهم وفنهم الراقي والمُرهف للجمهور، وبمجرد ظهور الضائقة المالية يتمهد للمُشاهد حتمية تدخل العامل المادي لحل أو لإنهاء تلك الأزمة.

يكمُن التجديد في معالجة نجيب نصير للقصة الأصلية من خلال بعض التفاصيل التي حققت للعمل عامل الجذب أولها وأهمها التمرد علي بعض الوسائل السهلة والمستساغة درامياً لإكساب بطلي العمل ياسمين وآدم أكبر قدر من التعاطف والذي من السهل أن يبرر لهم فيما بعد قرارهم تجاه العرض الغير لائق كونهم تعرضوا للظلم والقهر ولتضافر كل الظروف المُحيطة بهم والقوي التي يعلموها والتي لا يعلموها كي تُجهض قصة حبهما ومشروعها للأبد، فيُحَمل نصير ياسمين بطلة العمل سبب ضياع هذا الحلم وإجهاض مشروع العمر بسبب إهمالها وتساهلها حيث تسببت رغبتها في شرب القهوة داخل المسرح في حريق المسرح وتفحمه ومن ثم كل التبعات التي واجهوها من مديونيتهم للبنك ثم فقدانهم المسرح ورهنه.

استخدم نصير تلك التفصيلة أيضاً في بناء بعض أهم مقومات القصة درامياً والتي من شأنها تحريك الأحداث كاحساس ياسمين بالذنب ومن ثم احساسها بمسؤليتها الحتمية في اصلاح ما أفسدته ومساعدة آدم في الخروج من المأزق التي تسببت له فيه، ففي بادئ الأمر تقوم ياسمين بعرض التشيللو الأثري الذي أهداهم اياه رفيق والدهم الروحي كي يساعدهم في أزماتهم الحيايتة المُستعصية بثمن بخس لا يعبر عن القيمة الحقيقية للتشيللو الأثري، ثم تقوم هي بنفسها باقناع آدم زوجها بقبول العرض الغير لائق الذي عرضه عليهم تيمور تاج الدين باعطائهم مليون دولار في مقابل أن تقضي ياسمين 24 ساعة كاملين مع تيمور تكون فيهم تحت تصرفه.

السيناريو

توافق السيناريو مع ما تحمله المعالجة من التجديد أحياناً ومن محاولة التجديد أحياناً أخرى، فقلص نصير شخصيات العمل للحد الذي وضعه في موضع التحدي، فمع قلة الشخصيات يتوجب عليه صُنع دراما شيقة ذات خيوط مُتشابكة تربط كل أو معظم شخصيات العمل ببعض، في علاقات تخدم من قريب أو حتي من بعيد مُعضلة العرض الغير لائق، فنجد تيمور تاج الدين يستعين بعاليا خوري تلك المرأة الثرية التي كانت علي علاقة غرامية بآدم قبل معرفته بياسمين ثم الاستعانة ببلال المحامي صديق آدم لمعرفة مزيد من التفاصيل عن حياة ياسمين وآدم، حتي بعد ظهور شخصية هند مخرجة الفلام الوثائقية مصرية الجنسية وشخصية الإعلامي سعيد فنري وجودهم قد أضاف أبعاداً أخري لشخصية تيمور تاج الدين لم يكن السيناريو قد أوضحها من قبل مثل أنه بالفعل شخص رومانسي يعشق ياسمين بعد أن كنا لا نرى منه سوى جانب رجل الأعمال الذي يتعامل مع من حوله من مبدأ حب التملك، وبهذا فلم يلجأ نصير لتفريعات درامية زائدة عن حاجة الفكرة في الأساس ثم المعالجة، فلم يضطر لحشو مشاهد ليس لها علاقة بالموضوع وبشخصياته مما ساعد علي تدفق الأحداث بمعدل يتناسب مع طبيعة الفكرة وأسلوب سردها الهاديء تارة والمُتسارع تارة أخرى.

لجأ نجيب نصير إلى حيلة ذكية من حيل حرفية كتابة السيناريو كعامل لجذب المُشاهد وهي في انهاء كل حلقة مع حدث هام جداً يجعل المشاهد ينتظر الحلقة القادمة بشدة كي يعرف ما سيحدث، وفي أغلب الحلقات منذ الحلقة الأول وحتى الحلقة الثانية عشرة يُنهي نصير الحلقة بأزمة تستوجب الحل أو سؤالاً يستوجب الرد.

واحدة من الملاحظات شديدة الأهمية في تقييم مدى تمكُن كاتب السيناريو ومدى وضوح رؤيته أثناء كتابة عمله هو طريقة كتابته بل رسمه للشخصيات الثانوية، فكثيراً ما نجد مشهداً هاماً في سياق أحد الأعمال الدرامية يضم بطل العمل مثلاً وأحد ممثلي الأدوار الثانوية، فلا يتقبل المُشاهد المشهد ذهنياً بسبب عدم اتساق ما يقوله الممثل الثانوي مع طبيعة شخصيته أو طبيعة شخصية بطل العمل أو طبيعة المشهد، أما نصير فلديه دقة وحرفية  في كتابة الشخصيات الثانوية من خلال تفاصيل كل شخصية بأسلوب لافت للنظر  فهي إن لم تكن تضيف لدراما العمل ككل فإنها علي الأقل لا تُضعف منها كشخصية بلال المحامي وصديق ياسمين وآدم حتى شخصيات صفاء وفواز موظفي تيمور تاج الدين ومساعديه.

الإخراج

أثبت المخرج سامر البرقاوي من خلال تجربته مع مسلسل تشيللو أنه مخرج متمكن من أدواته الفنية مُستخدماً أبسطه لتوصيل فكرة دراما كل مشهد ومن ثم دراما العمل بشكل عام بداية من التكوينات ودلالاتها خاصة في الحلقات من الأولى وحتى الرابعة وهي الحلقات التي تعرفنا من خلالها على معظم شخصيات المسلسل وعلاقاتهم ببعضهم البعض، ففي معظم تلك التكوينات دلالات درامية قوية تصب في صالح توضيح إما علاقة كل من بالمشهد ببعضهم أو توضيح منحى مشاعرهم، ثم الميزانسين وحركة الممثلين داخل الكادر وما تعبر عنه كما في أحد مشاهد الحلقة الرابعة وهو مشهد الحفل الذي يقيمه تيمور تاج الدين بمنزله ويدعو إليه آدم وياسمين في حضور عاليا صديقة آدم القديمة في أولي محاولاته لاكتشاف طبيعة علاقة آدم بياسمين والتعبير عن مشاعره لياسمين، فاستخدم البرقاوي تيم حسن طوال المشهد كحد فاصل مُفرق بين آدم وياسمين سواء بجسده أو مُستخدماً يديه أو حتى من خلال اتجاه نظراته.

استخدام البرقاوي بعض العناصر التقنية مثل التصوير عن طريق الحركة البطيئة Slow motion وإنهاء كل حلقة بعد التوقف ببعض الومضات السريعة عند آخر تساؤل أو مأزق تطرحه الحلقة كنوع من تكثيف المشاعر تجاه ذلك المأزق أو التساؤل وهو ما جعله بمثابة منهج له أبعاد وتأثيرات درامية بعينها يريدها المخرج وليست من قبيل الاستعراض.

الأداء التمثيلي

أتاح نص نجيب نصير بما يحمله من تناقضات أغلبها داخلية وما يحمله من مشاعر مُرهفة للممثلين أن يتباروا في أداء أدوارهم وخاصة تحت قيادة مخرج يعي جيداً ما يريده من كل مشهد ومن كل ممثل موجود بالمشهد. تيم حسن خرج عن نطاق المألوف في تقديمه شخصية رجل الأعمال فاحش الثراء منعدم الإحساس والضمير وما يحمله أداء تلك الشخصية من العديد من الكليشيهات كرفعة الحواجب، تغليظ الصوت، تدخين السيجار (عمال علي بطال)، الانفعالات المفتعلة في الكثير من المواقف وهو عكس ما فعله تيم حسن، فهو يتمتع بموهبة خاصة دائماً ما يتوجها باجتهاد ملحوظ، فأدى تيم الشخصية بفهم عميق لمراحل تطورها من بداية علاقته بياسمين منذ النظرة الأول عندما وقع نظره عليها في البنك وحتى مشهد النهاية التي تبدو شخصية تيمور تاج الدين وكأنها ليست هي الشخصية ذاتها التي عايشناها علي مدار حلقات المسلسل الثلاثين. اعتمد حسن علي أداؤه لتلك الشخصية على الهدوء الشديد وطعمه بنظرات قامت بمهمة التعبير عوضاً عن الانفعال الذي كان ما يظهره غالباً في حركات الأيدي والجسد، فكان الإحساس والفهم العميق للشخصية وتطورها الشعوري هو مفتاح أدائها من وجهة نظر حسن.

في حين أثبتت نادين نجيم أنها ليست فقط بالوجه والجسد الجميلين بل أنها تتمتع بموهبة فقط تنتظر أن تعبر عن نفسها من خلال الفرص المناسبة لها، جاء أداء يوسف الخال في كثير من المواقف باهتاً مُكرراً نفس التعبيرات والنهج التمثيلي بنفس نبرة الصوت بنفس الإحساس البارد حتى في مواقف تتطلب التفاعل ولكن وبالرغم من هذا فمع مزيد من التمرس والخبرة والمجهود أعتقد أن موهبة الخال سوف تتبلور فهو فقط ينقصه كيفية تحكمه وإدارته لأدواته كممثل.

علي هامش المسلسل:

أثارني تصريح السيناريست نجيب نصير بأنه قد قام بكتابة مسلسل تشيللو فقط كي لا يشعر بالبطالة، فقد خرج المسلسل بشكل متميز ومختلف عن أغلب أعمال شهر رمضان المنصرم، فلم يقم على جريمة قتل أو قضية كشف فساد أو لغز يظل المشاهدون يبحثون عن حله ثلاثين حلقة كاملين، جاء رومانسياً ناعماً غنياً بتفاصيل غاية في الرهافة والحساسية وهو ما افتقدناه كثيراً في الدراما العربية منذ سنوات.

فيما صرح نجيب نصير أيضاً قائلاً أن “الفن ليس دائماً مشروع الكاتب، بل هو مشروع الشركة المنتجة والمخرج أيضاً” مُشيراً إلى أن فكرة مسلسل تشيللو واقتباسها عن الفيلم الأجنبي “Indecent Proposal 1993” هي فكرة الشركة المنتجة للعمل والتي قامت بعرضها على الكاتب والمخرج وهو نهج جيدا على الدراما التلفزيونية العربية، فربما يكون هذا النهج مُتبعاً في الشأن السينمائي العربي كما في هوليود مثلاً والتي تمتد سطوة ومسؤولية الجهة المنتجة للعمل على كل تفاصيله ومراحله منذ الفكرة مروراً بالتنفيذ وحتى التوزيع وهو ما عاد ايجابيا على تجربة تشيللو من خلال الثراء، ثراء تعاون المخرج السوري والممثل السوري في مسلسل إنتاج لبناني مع أبطال لبنانيين يتم تصويره في سوريا ولبنان، وأيضاً الثراء الإنتاجي الواضح والذي كان له أبلغ الأثر على دراما المسلسل خاصة في كل التفاصيل التي تتعلق بشخصية تيمور بدءاً من أزرار القميص وحتى ديكور المنزل والمكتب المُطعمين بحرف T.

عن الكاتب
رشا حسني
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق