الآن تقرأ
سينما في كل مكان.. اعرض كمان وكمان

المخرج الشاب الذي يشارك فيلمه بمهرجان ما بالخارج، يكون في غاية السعادة حينما يشاهد إبداعه رجل بسيط جالس على المقهى.

هذا ما توصل إليه وجيه اللقاني الشاب الذي يعمل موظفاً حكومياً فقط ليجد ما ينفق به على نفسه. لكنه في المساء يتحول إلى جورج ميليس؛ يجول بعدته يعرض أفلام أوروبا في حارات الإسكندرية.

IMG_2407

امتهن اللقاني التمثيل منذ عدة أعوام وكانت ضربة حظه حينما شارك بفيلم “حاوي” لإبراهيم البطوط فحصل على جائزة أفضل ممثل مساعد من مهرجان جمعية الفيلم. لكن فرحته لم تتم لأنه كلما دخل السينما ليشاهد العمل الذي بُذل فيه جهدا، ينظر إلى يمينه ليجد المخرج وعلى يساره مدير التصوير. وبقية المقاعد خالية. يغادر  مستاءاً حاملاً الفشار بينما يشاهد الجمهور يتهافت “على فيلم أمريكي رخيص”، على حد تعبيره.

ظلت حيرته تتراكم ممتزجة بغضب ويأس، ألا يمل هذا الجمهور سينما الشباك؟. حتى وقع الحادث الذي قلب حياته رأساً على عقب و”جعلني متحمسا لأجلس أمام مائدتي في الخامسة صباحاً لأكتب هذا الموضوع”.

الفيلم الوثائقي  “في الليل يرقصن” وهو من تنفيذ فريق كندي جاء لمصر ليسبر أغوار راقصات شارع محمد علي. يذهب وجيه ليشاهده بأحد معاقل المثقفين فلا يجد منهم سوى ثلاثة حاضرين. يخرج منفعلاً بصحبة صديقه المخرج. كيف لا يصل فيلما  بهذه العظمة إلى المشاهد العادي؟!. فهو حتماً ممتع لأي شخص سيراه.

أي شخص!.

من هنا أتته الفكرة. لماذا أجلس في مكاني لا أحرك ساكناً منتظراً الجمهور كي يقتحم تلك الصالات؟ لماذا لا أذهب أنا إليهم وأعرض لهم ما أتمنى أن يشاهدوه. وكانت هذه الأفكار المتواردة هي التي ستعرف فيما بعد باسم مبادرة “سينما في كل مكان”.

1-5

الحركة، وكما خطط لها اللقاني، تهدف إلى عرض الأفلام التي تخص المهرجانات والسينما المستقلة. أي الأفلام التي لا نرى ملصقاتها على جدران السينمات ولا تلتقط صورة لشاب وخطيبته أمامها. “لن آخذ معي أصدقائي، أريده جمهوراً عادياً مئة بالمئة” هكذا قال لنفسه. ذهب إلى حارات نخشى دخولها إلا لو كان لنا قريبا أو صاحبا هناك. مراكز الصم والبكم. هؤلاء الذين لطالما اكتفوا بأن يعيشوا الحالة وما يتخيله ذهنهم نيابة عنهم، صارت لهم أخيراً سينما خاصة ومترجم يقف إلى جانب الشاشة. أضف إلى النوادي النوبية. ومراكز الخدمات المجتمعية بالقرى الفقيرة. ومقاهي العمال.

5-5

 

في كل مرة ومهما اختلفت نوعية الجمهور يقف اللقاني بجسده الضخم وسطهم ويسألهم عن رد فعلهم وإن كان الفيلم نال إعجابهم أم لا. وفي الحقيقة وعلى عكس المتوقع يتفاعل الناس مع المادة المعروضة بشكل مُلهم فيبدون أرائهم بتلقائية ودون تخوف من شيء أو إجراء حسابات في ذهنهم للمخرج الذي لم يروا وجهه أو يلاحظوا حتى اسمه في التتر. وأحياناً يعلقون على مشهد ما بموقف مشابه من حياتهم الواقعية. وهنا تأتي أهمية اختيار فيلم من البداية يكون مناسباً لجمهور اليوم فلا يستفزهم أو يوصل إليهم فكرة ما غير مقصودة.

2-2

في البداية كان  يتم الاعتماد على معدات بسيطة؛ هاتف وكابل يُوصل بشاشة المكان التي غالباً ما تكون متواضعة. لكن الوضع تحسن كثيراً و”الرب سمع لصلاة اللقاني “حيث حصل على منحة المركز الثقافي البريطاني، الأمر الذي يسر له شراء شاشة كبيرة كالتي نراها بالإعلانات وسماعات ماركة “كرييتف” طويلة كالتي يشتريها صانعي الأفلام بمنازلهم. وهو الآن يطمح للخروج من الإسكندرية؛ ستذهب “سينما في كل مكان” إلى دمنهور، الصعيد، أسوان، النوبة، سيوة، حلايب وشلاتين. ذلك بصحبة فريقه الذي يتكون من مترجمين وموثقي عروض. يمكنك بسهولة إقتفاء أثارهم عبر موقعهم الإلكتروني وصفحتهم على الفيس بوك.

 

 

عن الكاتب
مارك أمجد
مارك أمجد مؤلف وصحفي مصري مواليد الإسكندرية ١٩٩٤ يدرس بكلية الإعلام-جامعة القاهرة. حصل على عدة جوائز أدبية آخرها المركز الثالث على مستوى الجمهورية بمسابقة وزارة الثقافة عن قصته "شي غابي". من أعماله " أنت تكرهني لأننا واحد" الحائزة على منحة مؤسسة KFW الألمانية، و"أحلى من الشوكولاتة" و"كأن الإله عصفور".