الآن تقرأ
قصة قصيرة- xvideos

كان عمري سبعة عشر عاماً حينما اشتريت هذه التابلوهات الصغيرة .. أتذكر جيداً شتاء ذلك اليوم الذي ذهبت فيه إلى معرض السلع المعمرة بعد تفاوض طويل مع أمي حول ضرورة تزيين حائط الصالة الواسع .. لم تكن لديها مشكلة في أن يبقى خالياً، مكتفياً بنقوشه الحمراء المملة، التي كنت أراها مجرد لطشات مستهترة، لا تعطي انطباعاً سوى بالخيال البائس لمن اختاروها .. من بين عشرات التابلوهات اخترت الثلاث التي كنت أعرف أنني سأتسلل خارج البيت دون أن يشعر بي أحد كلما نظرت إليها.

التابلوه الأول كان لبنت جميلة تجلس حافية على مقعد دائري بلا مسند فوق مساحة عشبية ضئيلة، وترسم على اللوحة البيضاء لعلبة الرسم المفتوحة فوق فخذيها تكويناً يبدو غير محسوم .. لكن بوجود ولد صغير يقف حافياً هو الآخر وراءها ليشاهد ما ترسمه دون أن تشعر كنت أعرف أنها ترسمه هو .. كان الولد والبنت يبدوان كأنهما من أبناء الغجر، لذا كان باستطاعتي أن أرى كل المشاهد التي لم تظهر في اللوحة .. أم البنت خارج المساحة العشبية تقرأ الودع للعابرين .. أبو الولد يجلس فوق عتبة كوخ متهالك، يعزف على الجيتار ويغني أغنية قديمة، سيختنق بالدموع عند كلمات معينة منها .. كان بمقدوري أن أرى الولد وهو يُطعم حصانه ويربت على ظهره قبل أن ينتبه إلى البنت التي ترسم ليترك الحصان ويتسلل من ورائها كي ينظر إلى لوحتها دون أن تدرك وجوده.

التابلوه الثاني كان لفتاة شقراء ذات عينين زرقاوين، ترتدي جاكت قصير من الفرو منسوج من تلاحم مساحات طائشة من الأحمر والأزرق والأصفر كأنها رُقع مغوية، غير متطابقة، تناسب التوهج الناري لبنطلونها الجينز الأحمر الضيق، والعُقد الطويل الذي يتدلى من رقبتها وتحمل لآلئه نفس ألوان الجاكت .. كانت الفتاة تمرر العقد بين إصبعين مرفوعين بالقرب من شفتيها اللتين تعطيان قبلة في الهواء .. رأيت هذه القبلة كامتداد منطقي للوضع الماكر المثبت لخطوتها .. كان الليل خلفها يؤكد ظلامه بفضل الأضواء الساطعة الجانبية التي كُتبت بها لافتة (luna park) .. لافتة كبيرة، معلقة وسط تشكيل منتظم أفقياً من المصابيح البرّاقة تعلوه دوائر متداخلة من اللمبات الباذخة بالنور الأبيض حيث تتمركز لمبة واحدة في قلب هذا التداخل فبدت الدوائر كأنها ترابط ناصع لفصوص جوهرة من الماس الأبيض فوق نسيج المساء الحالك  .. لكن ما جعل الصورة درامية حقاً هو السيارة (فيات 132) الحمراء التي تسير وراء البنت دون أن تُظهر زاوية المشهد أي ملامح لسائقها .. هذه السيارة بغموض انعزالها في ذلك المكان وهي تتحرك داخل الليل الذي يطغى سواده على الخلفية دون رفقة من عربات أخرى .. بانعكاس الأضواء اللامعة فوق حضورها المبهم، المتناغم مع خبث الظلام، والمغلق على قائد خفي .. برهبة اللون الأحمر لسطحها المصقول، المريب بتربصه الضبابي، الذي أضاءت نصفه الأمامي أنوار اللافتة فيما لايزال نصفه الخلفي داخل عتمة خفيفة كأنها الحواف الضعيفة للظلام .. هذه العلامات جعلتني أرى الصورة تتجاوز حواجز التفسير البديهية المتوقعة، التي تبقيها كمجرد تمثيل لفتاة جميلة، لعوب، تتسكع بمفردها، أو في طريقها لدخول (الملاهي)، أو أن معجباً ما يتتبعها بسيارته الـ (فيات 132) الحمراء .. رأيت حكاية بوليسية على وشك الحدوث .. مغامرة تستحق أن توجد استجابة لحضور هذه الإشارات .. كأنه سيتبين أن سائق السيارة هو (آلان ديلون) أو (جان بول بلمندو)، وأن هذا الوقت سيتحول إلى ليل فرنسي يسكر بالمعاطف الثقيلة والقبعات وكبائن التليفون الزجاجية والتلصص من وراء الصحف المفتوحة والنظارات ذات الأضلاع السميكة وغرف الفنادق والمطاردات وإطلاق الرصاص والقبلات التي تتدفق الموسيقى من رعشاتها .. كان خيالي يحرص تماماً على ألا يتعرض أحد لأذى داخل تلك الحكاية.

التابلوه الثالث كان لطفلين يظهران كأبناء مزارعين من الريف الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر .. الطفلة تجلس فوق كرسي كبير مرتدية فستان أبيض كعروس صغيرة، والطفل يقف وراءها رافعاً قبعته بيده اليسرى بينما باقة ورد متعددة الألوان تستقر في يده اليمنى .. بدا الطفلان كأنهما يقضيان كل نهار في اللعب داخل الحقول التي رسمها (فان جوخ)، وأن هذه اللوحة كانت تجهيزاً لمشهد قادم سيحدث بعد سنوات .. لم أعرف حتى الآن هل سيكون هذا المشهد سبباً في سعادة الحقول، أم أنه سيكون مصدراً لتعاستها حتى لو حصلت على أطفال جدد سيلعبون في نهاراتها.

بعد موت أخي وجدتي وأمي وأبي وأخي الآخر ـ بالترتيب ـ انتبهت إلى وجود هذه التابلوهات على الحائط .. شعرت أن هناك خطأً في بقائهم هناك وأن هذا الاكتشاف جاء متأخراً ..  وضعتهم داخل صندوق كارتوني فوق دولاب أبي الذي لا يزال مغلقاً على بعض ملابسه القديمة وصوره بالمايوه على البحر بالابيض والاسود حينما كان شاباً .. تزوجت منذ عشر سنوات أي منذ اقترابي من الخمسين، ثم عاد زوجي فوراً إلى زوجته الأولى وأبنائه في مدينة أخرى ليعيش معهم، بعد أن سرق كل ما ادخرته من مال وحلى ذهبية، ولم أره طيلة هذه الأعوام سوى مرات نادرة .. لو أنني أحكي هذه التفاصيل منذ سنتين أو ثلاثة كان الأمر سيبدو كما لو أنني أتقيأ طوفانً متناثراً من الغيوم الميتة، لكنني ـ كما ترى ـ أتحدث كامرأة توصلت لتفاهم ما مع صوت دقات الساعة داخل السكون .. امرأة أصبحت تؤمن أنها لم يكن بوسعها الحصول على ذاكرة بديلة لو عاشت حياة مختلفة .. لدي على الأقل وقت طويل ربما لا تمتلكه واحدة أخرى لنشر الاقتباسات من الكتب على صفحتي بـ (فيسبوك) .. عندي مكتبة كبيرة تساعدني دائماً في الحصول على (لايكات) وتعليقات إعجاب كثيرة .. إنني لو حركت الكاميرا قليلاً إلى اليسار ـ هكذا ـ ستجد فوق الطاولة الصغيرة التي ورائي: (كليلة ودمنة)، و(الأغاني للأصفهاني)، و(أجمل ما كتب أمير الشعراء أحمد شوقي)، و(رباعيات صلاح جاهين)، و(مجمع الأمثال للميداني)، و(أحلى عشرين قصيدة حب من الشعر العربي لفاروق شوشة)، و(رباعيات الخيام) .. هذه مجرد عينة من ذخيرة لم أعد أستطيع الاستغناء عنها مطلقاً؛ فبالرغم من أنني اشتريت تلك الكتب منذ سنوات طويلة إلا أنني لم أبدأ في قراءتها إلا هذه الأيام بعدما أدركت مدى أهميتها .. إنها وسيلة مضمونة للربح .. في كل مرة أنشر اقتباساً أشعر بأن لوجودي ضرورة ما في حياة الآخرين .. أنهم يحبونني حتى ولو عند حد معين، ولديهم دائماً الرغبة في التعبير عن رضاهم عني لأن هناك شيئاً أفعله يشغل حيزاً من التأثير اليومي في دنياهم مهما كانت درجة خفوته .. إنني في الواقع أدين بهذه السعادة لـ (مكتبة الأسرة) لأنها أتاحت تلك الكنوز للجميع بأسعار زهيدة جداً .. أخي الصغير هو من ذكرني بالتابلوهات .. كان يحتاجها للرواية التي يكتبها عن طفولته .. نعم .. أخي كاتب أصدر مجموعات قصصية وروايات ويكتب مقالات نقدية في (أخبار الأدب) .. أنا فخورة به كثيراً .. لا يمكنني أن أنسى القصة الجميلة التي كتبها في بداياته .. كانت عن بنت تأخرت في الزواج، وتبكي كلما أقيم حفل زفاف بالقرب من بيتها، لكنها كانت دائماً مع دقات الطبول وتراقص الأضواء تمرر سواد الصبغة فوق شعيراتها البيضاء وتنظر إلى ملامحها في المرآة من جديد وتبتسم .. أنت لست في حاجة بالطبع لأن أخبرك بأن هذه البنت كانت أنا.

صعد أخي الصغير فوق الدولاب وأخذ التابلوهات من الصندوق الكارتوني، وقبل أن يخرج بها ألقيت نظرة عليها .. نظرة لم تسترجع أي ماضٍ، ولم تشعر بشيء على الإطلاق .. كان البرود لحظتها يعد عاطفة متقدة مقارنة بإحساسي تجاه التابلوهات .. كأنني اكتشفت عالماً أبعد من اللامبالاة لم يجعلني فقط غير مهتمة بتنظيفها من الغبار قبل وضعها في كيس كبير، بل خلق أيضاً بداخلي أمنية ـ لم أكشف عنها بالطبع ـ أن يترك أخي الصغير الغبار عالقاً بها حتى بعد رجوعه إلى بيته.

شعر صدرك يعجبني كثيراً .. بالمناسبة .. أنا أثق بك، وأعرف أن ما تراه وتسمعه الآن سيظل سراً بيننا.

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
ممدوح رزق
ممدوح رزق
التعليقات

أضف ردك