الآن تقرأ
صفحات مجهولة من تاريخ شعب مصر ..الطاعون (1)

كثير منا لا يعلم أن مصر عانت في الماضي كثيرًا من ويلات الطاعون، فيحكي لنا المؤرخون المصريون القدامى، كالمقريزي وابن إياس والجبرتي وغيرهم، عن طواعين عديدة ضربت مصر، نذكر منها، على سبيل المثال وليس الحصر، طاعون عظيم ضرب مصر في العهد المملوكي عام 749 هـ (1348 م) في عهد السلطان المملوكي “حسن بن محمد بن قلاوون”.

يحكي لنا المقريزي في كتابه “السلوك لمعرفة دول الملوك” عن هذا الطاعون:

“كان ابتداء الوباء من أول فصل الصيف، وذلك في أثناء ربيع الآخر. فجافت الطرقات بالموتى، وامتلأت مساجد بلبيس وفنادقها وحوانيتها بالموتى، ولم يجدوا من يدفنهم، ولم يبق بها مؤذنا، وطرحت الموتى بجامعها، وصارت الكلاب فيه تأكل الموتى، ورحل كثير من أهلها إلى القاهرة وتعطلت بساتين دمياط وسواقيها، وجفت أشجارها، لكثرة موت أهلها ودوابهم، وصارت حوانيتها مفتحة والمعايش بها لا يقربها أحد، وغلقت دورها. وبقيت المراكب في البحيرة، وقد مات الصيادون فيها والشباك بأيديهم مملوءة سمكاً ميتاً، فكان يوجد في السمكة كبة (الخراج الذي يصنعه الطاعون). وهلكت الأبقار والجاموس ووجد فيها أيضاً الكبة.

وابتدأ الوباء في القاهرة ومصر بالنساء والأطفال، ثم في الباعة، حتى كثر عدد الأموات، فبلغت عدة من يموت ثلاثمائة نفر كل يوم بالطاعون موتاً وجباً في يوم أو ليلة، فما فرغ شهر رجب حتى بلغت العدة زيادة على الألف في كل يوم.

وفي شعبان: تزايد الوباء في القاهرة، وعظم في رمضان، وقد دخل فصل الشتاء. وحدث في شوال بالناس نفث الدم، فكان الإنسان يحس في بدنه بحرارة، ويجد في نفسه غثيان، فيبصق دماً ويموت بعده، ويتبعه أهل الدار واحد بعد واحد حتى يفنوا جميعاً بعد ليلة أو ليلتين.

وما انتصف شوال إلا والطرقات والأسوق قد امتلأت بالأموات، وانتدبت جماعة لمواراتهم، وانقطع جماعة للصلاة عليهم في جميع مصليات القاهرة ومصر.

وما أهل ذو القعدة: إلا القاهرة خالية مقفرة، لا يوجد في شوارعها مار، وامتلأت الأماكن بالصياح، فلا تجد بيتا إلا وفيه صيحة، ولا تمر بشارع إلا وفيه عدة أموات وصارت النعوش لكثرتها تصطدم، والأموات تختلط.

وامتلأت المقابر من باب النصر إلى قبة النصر طولا، وإلى الجبل عرضاً. وامتلأت مقابر الحسينية إلى الريدانية، ومقابر خارج باب المحروق والقرافة. وصار الناس يبيتون بموتاهم على الترب، لعجزهم عن تواريهم.”

وفي عهد السلطان المملوكي “الأشرف برسباي” وقع طاعون أشد قوة من الطاعون الذي ذكرناه سابقًا، وذلك في عام 833 هـ (1429 م)

ومما ذكره المؤرخون عن هذا الطاعون:

“في هذا العام كان الطاعون العظيم الذي لم ندرك بمثله بمصر وقراها، وكان هذا الطاعون أعظم من هذه الطواعين كلها وأفظعها، ولم يقع بالقاهرة ومصر بعد الطاعون العام الذي كان سنة 749 هـ (1348 م) نظير هذا الطاعون، وخالف هذا الطاعون الطواعين الماضية في أمور كثيرة، منها أنه وقع في الشتاء وارتفع في فصل الربيع، وكانت الطواعين تقع في فصل الربيع وترتفع في أوائل الصيف”.

وتوضح الفقرة السابقة كثرة وقوع الطواعين في مصر كما هو مبين في عبارة “وكانت الطواعين تقع في فصل الربيع وترتفع في أوائل الصيف”.

أما العهد الأموي، فكثر فيه أيضًا وقوع الطواعين، نذكر منها على سبيل المثال بعض ما ذكره قدماء المؤرخين:

في سنة خمس وخمسين هـ (674 م) وقع بمصر وباء شديد، فكان يخرج منها في كل يوم ألف جنازة.

وفي سنة ستة وستين هـ (685 م) كان الطاعون بمصر ومات فيه خلائق عظيمة.

وفي سنة سبعين هـ (689 م) وقع طاعون جارف في مصر.

وفي سنة تسعين هـ (708 م) نزل بالبلاد وباء عظيم وصار الموتى كل يوم لا يعرف عددهم من كثرتهم

وفي سنة 105 هـ (723 م) وقع بمصر وباء شديد.

طواعين في العهد العثماني:

عام 1148 هـ (1735 م) وقع الطاعون المسمى بطاعون كو ومات به كثير من الأعيان وغيرهم، وصارت الناس تدفن الموتى بالليل في المشاعل.

عام 1171 هـ (1757 م) وقع الطاعون المسمى بقارب شيحة ومات به الكثير من الناس المعروفين وغيرهم ما لا يحصى.

عام 1199 هـ (1784 م) قتل الطاعون سدس سكان مصر.

وقع طاعون لم يعهد ولم يسمع بمثله وقد انتشر هذا البلاء في جميع البلاد شرقاً وغرباً وشاهدنا منه العجائب في أطواره وأحواله وذلك أنه أباد معظم أهل البلاد وكان أكثره في الرجال سيما الشبان وأغلقت الأسواق وعزت الأكفان وكان يتعطل الميت في بيته من أجل تجهيزه فلا يوجد النعش ولا المغسل ولا من يحمل الميت إلا بعد المشقة الشديدة وأن أكبر كبير إذا مات لا يكاد يمشي معه ما زاد على عشرة أنفار، وكان مبدأ هذا الأمر من شعبان وأخذ في الزيادة في شهر ذي القعدة والحجة حتى بلغ النهاية القصوى فكان يموت كل يوم من أسيوط خاصة زيادة على الستمائة وصار الإنسان إذا خرج من بيته لا يرى إلا جنازة أو مريضاً أو مشتغلاً بتجهيز ميت ولا يسمع إلا نائحة أو باكية وتعطلت المساجد من الأذان والإمامة لموت أرباب الوظائف واشتغال من بقي منهم بالمشي أمام الجنائز وتعطل الزرع من الحصاد ونشف على وجه الأرض وأبادته الرياح لعدم وجود من يحصده.

عام 1205 هـ (1791 م)، في شهر رجب زاد أمر الطاعون وقوي عمله بطول شهر رجب وشعبان وخروج عن حد الكثرة ومات به ما لا يحصى من الأطفال والشبان والجواري والعبيد والمماليك حتى كانوا يحفرون الحفر ويلقونهم فيها، وازدحم الناس على الحوانيت في طلب العدد والمغسلين والحمالين ويقف الناس في انتظار المغسل أو المغسلة ويتضاربون على ذلك، ولم يبق للناس شغل إلا الموت وأسبابه فلا تجد إلا مريضاً أو ميتاً أو عائداً أو معزياً أو مشيعاً أو راجعاً من صلاة جنازة أو دفن أو مشغولاً في تجهيز ميت أو باكياً على نفسه موهوماً ولا تبطل صلاة الجنائز من المساجد والمصليات ولا يصلي إلا على أربعة أو خمسة أو ثلاثة وندر جداً من يشتكي ولا يموت، فيكون الإنسان جالساً فيرتعش من البرد فيدثر فلا يفيق أو يموت من نهاره أو ثاني يوم وربما زاد أو نقص أو كان بخلاف ذلك.

المصادر:

“النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة” ليوسف بن تغري بردي

“حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة” لجلال الدين السيوطي

“فتوح مصر والمغرب” لابن عبد الحكم الكندي

“السلوك لمعرفة دول الملوك” و”المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” لتقي الدين المقريزي

“عجائب الآثار في التراجم والأخبار” عبد الرحمن الجبرتي

وللحديث بقية…

 

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق