الآن تقرأ
الجزائر- عثمان بالي: بين الكاف والنون

الحفلة جرت بين عامي 2002 و2005 في بلجيكا، لا دليل على اليوتيوب أو الإنترنت. سنة 2005 هي السنة التي توفى فيها المطرب الجزائري عثمان بالي، عائداً بسيارته رباعية الدفع عندما باغتُه فيضان إحدى الوديان وسط الصحراء… جرفه السيْل. 2002 ربما يرتبط في ذهن الكثيرين بنهاية العُشرية السوداء، التي انطلقت – حسب المهووسين بتدوير أرقام سنوات مِحن البشرية – سنة 1992، لكن 2002 يعني بداية خروج فرق الموسيقى الترقية لأوروبا، بداية الألفينات ككل كانت فترة خروج موسيقى الصحراء للعالم، بقوّة.

قبل الفيسبوك وقبل أن يصير اليوتيوب “صندوق عجب” نجد فيه كل شيء، منذ حوالي عشر سنوات عندما كنت طالبا في الكوليج (المتوسّط) كنت أسمع راديو البهجة كل ليلة قبل النوم، القناة الوحيدة “المُمكن سماعها” على الراديو بالنسبة لولد في سني، كنت أملك ترانزيستور صيني الصنع بحجم الكف، يستقرّ كل ليلة على الوسادة جنب أذني، لم أكن مهتماً بالإنترنت ولم يكن قد دخل بيتنا، الراديو… الجريدة… التلفاز… الكُتب: كانت هي الثقوب التي كنت أرى العالم عبرها. هكذا كمواطن صغير تحيط به وسائل اعلام الدولة من كل جهة، كُنت أتقدّم في الحياة واكتشف أشياءاً سجّلتها ذاكرتي (ذاكرة الفيل التي لم تنفعني يوماً في الدراسة) المهووسة بالتفاصيل، لأبحث عنها لاحقاً عبر الانترنت، تفاصيل كنت ألتقطها من الراديو أو الجرائد ولا أجد من أسأل عنها، أو أين أبحث، حبّات حلوى كنت ألتقطها من الخراء المتدفّق كل يوم. وهكذا كُنت أسمع المذيعة سامية مولاي في حصتها الشهيرة أيامها « Alger by night » (والتي لم تكن خرائية الصراحة) تُقدّم مقاطع عثمان بالي وهي تقول: لايف من حفلته في بلجيكا… هكذا كل مرّة، حتى أنّه ترسخ في ذهني يومها أنّ عثمان هذا لم يعمل حفلات الاّ في بلجيكا هذه !

لكن رغم هذه التفصيلة الصغيرة الاّ أني لم أتوقّف كثيراً عند بالي، الذي أتى موته سنة 2005 مفاجئاً، للجميع… موتٌ في حادث سيارة، كأغلب كبار المغنيين الجزائريين، من دحمان الحراشي إلى كاتشو مروراً بكمال مسعودي وآخرين… ظلّ بالي دائماً صوتاً ترقياً من الصحراء، صوتاً تُمرّره التلفزة الحكومية لتبرز مدى “ثراء” الثقافة الجزائرية وتنوّعها وما الى ذلك من الكلام… في الجامعة أيضاً كُنت أسمعه مع صديقة عازفة عود، كان هاتفها يحتوي على أهم موسيقى الصحراء الجزائرية سواء من التوارق أو القناوة، هكذا لأعيد اكتشاف أهم أغانيه معها مثل: “دمعة”، “آمين”.

كنت في تونس، ليلة صيف حارّة وأنا جالس أحكي مع نفس الصديقة عبر فيسبوك عندما أرسلت لي أغنية بالي: “الكاف والنون”… كاف ونون مثل كُن، ومباشرة بعد سماع المقطع، بحثتُ عنه في يوتيوب مضيفاً عبارة “لايف بلجيكا” لأجده، وأندهش… يبدأ المقطع ككّل أغاني بالي هادئاً، ثم يتصاعد… يصلُ الى 15 دقيقة، الكلام المُغنّى باللّغة الترقية لا أفهمه لكن الطاقة تصِل، الحضور في تلك اللّيلة كانوا يظنون أنّهم سيحضرون حفلة لموسيقى تأتي من مكان بعيد ومُبهم كالصحراء، شيء خفيف يجربونه لليلة كما يُجرّب الانسان مُخدراً ما، فاذا بهم مع هذا المقطع يُفاجئون بالصحراء تنفجر في وجوههم… هدوء عثمان بالي، ونحن نسمعه، لا يهتّز حتى وهو يصرخُ ويتخلّى عن صمت الرجل الترقي، يصرُخ مُرافقاً صيحات الكورال النسائي الذي نفهم أن احداهن (أو كلّهن) قد دخلن في حالة دردبة كما يسميها أهل الصحراء، أو الجذب كما يسميها المتصوّفة، الايقاعات الافريقية المُتداخلة تُسيطر على عقل الانسان، وبالي هناك جالسٌ فوق الرُكح يحضُن عوده يتحكّم في العازفين باشارات من رأسه المعمّم وبصوته يسيّر الكورال المجذوب…

بحثت، وأنا أكتب هذه السطور، مرّة أخرى عن تاريخ  لتلك الحفلة، شيء ملموس وأكثر تحديداً فلم أجد، المعلومات على الانترنت شحيحة حول بالي، عرفت فقط أنّه قد أحيا حفلات بكاراكاس، فنزويلا ! البلَدُ الصديق، أيام تشافيز. وصل الى كاراكاس؟ يجرّ عوده وكوراله النسائي الذي ينفجر على الركح، أهل الصحراء رُحلٌ لأنهم لا يريدون أن يرحلوا، أو كما قال توينبي بتصرّف.

ينشر هذا المقال بالتعاون مع موقع نفحة

 

عن الكاتب
ًصلاح باديس
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق