الآن تقرأ
 نحو ديموقراطية أكثر جذرية

بلغ عدد سكان جمهورية مصر العربية بعد الثورة في أقصى التقديرات 90 مليون نسمة، أما عن ممثلي شعب الجمهورية فطبقاً لتعديل مرسوم مجلسي الشعب و الشورى الصادر يوم 27 سبتمبر 2011 فإن مجلس الشعب تألف من 498 عضواً. أي أن كل عضو في البرلمان يمثل ما يقرب من 180000 مواطنًا مصريًا. ما الذي يعنيه هذا؟.

بالتأكيد لا يستطيع عضو واحد بمفرده تمثيل كل هذا العدد ولا حتى نصفه، وما يعنيه هذا أن نسبة من يمثلون الشعب لا يكافئ ولا يتناسب مطلقًا مع عدد الممثلين، فضلاً عن الحديث عن الفساد الساري في العمليات الإنتخابية وفشل النظام الحزبي والمشكلات الناتجة عن تقسيم الدوائر الإنتخابية بشكل خاطئ ومتحيز.

إذا تحدثت مع أي فرد في حال السياسة والسياسيين، فمن المتوقع أنه سيشكو لك طويلاً من فسادها وانعدام ثقته فيهم ثم يختم حديثه بأن جميعهم يسعون خلف مقاعد الحكم. والواقع أنه محق، فلا أحد يستطيع أن يدعي أنه من السهل تطبيق الديموقراطية. تكاسلنا عن تطبيقها بصورة صحيحة، جعلنا نقبل بعبد الفتاح السيسي كمستبد جديد ونبدأ بحفر قبورنا، لكن إذا أردنا مجتمعًا يصلح للعيش، علينا أن نقبل بمشاركة أعظم في عملية صنع القرار أكثر من مجرد تصويت على بطاقة كل أربع سنوات.

وهذا ما يدعونا للبحث عن ديموقراطية أكثر جذرية بدلاً عن هذا النظام الزائف. والمعنى المقصود للديموقراطية هنا هو “حرية أي جماعة إنسانية في إدارة شئونها وتقرير ما تفعله وما لا تفعله، أي “حرية جماعية”. ولعل أفضل تعريف للديموقراطية ما قاله ابراهام لينكولن أنها “حكم الشعب للشعب بالشعب”. لكن في العلوم السياسية الحديثة يستخدم مصطلح الديموقراطية للإشارة إلى توزيع معين للسلطة السياسية داخل المجتمع، فهي تهتم بمن بيده السلطة، أما الليبرالية تستخدم لدلالة على مدى هذه السلطة. والفرق بينهما هو الفرق بين القاعدة المثالية والمعيار الواقعي في النظرية السياسية.

ومن منظور مثالي، الديموقراطية هي تحقق السلطة الجماعية الكاملة التي يصبح بها الأفراد أحرارًا، حيث تصبح لحظة التصويت والإنتخاب هي لحظة انعتاق الفرد في مجتمعه، مثلما كتب الفيلسوف الفرنسى روسو ذات مرة: “فى الديمقراطية، يكون الناس أحرارًا فقط فى لحظة تصويتهم. باقى الوقت هم عبيد الحكومة “. لكن تلك العبودية تحدث في النظم التمثيلية، التي جعلت الشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي يقول عنها ساخرًا: “الفرق بين الديموقراطية والديكتاتورية أن في الديموقراطية تصوت أولاً ثم تتلقى الأوامر، أما في الديكتاتورية لا تضيع وقتك في التصويت”. ويكمن السبب الوحيد في رفض إقامة الديموقراطية المباشرة من وجهة نظر أكثر الفلاسفة السياسيين أن الناس لا يمكنهم الإجتماع للحكم طوال الوقت، ومن أجل ذلك يجب تفويض السلطة، لكن بمجرد أن تفوض السلطة، فليس هناك أي ديموقراطية بعد ذلك. لذلك يجب استدامة اللحظة الديموقراطية -التي تعبر عن الإرادة العامة وفقًا لروسو- والحد من إطالة مدة تفويض السلطة على الدوام.

لذلك تكمن أعظم مميزات الديموقراطية المباشرة أن الفرد يستطيع مراعاة مصلحته السياسية من خلال التصويت المباشر دون الحاجة إلى وسيط أو ممثل ينوب عنه في اتخاذ القرار، لأنه قادر على تمييز رغباته وتطلعاته المستقبلية، ولو بصورةٍ نسبية. أما في الديموقراطية النيابية يضطر الفرد أن يعتمد على من ينوب عنه في إدارة مصالحه السياسية، مما يفتح مجالاً أكبر لتعدد المصالح المطلوب تحقيقها كلما ازداد عدد الناخبين واختلفت انتماءاتهم الإجتماعية حتى تصبح عملية التمثيل قائمة بلا أساس حقيقي.

وبينما ينشغل السياسيون من كل الأطياف بتسلق هرم السلطة المركزية العظيم والتسابق في الوصول إلى قمته، تفقد الديموقراطية معناها الحقيقي تدريجيًا، فلم يعد ما نشهده الآن ديموقراطية تمثيلية بالمعنى المتعارف عليه، بل أصبحت شكلية جوفاء تتدعي أنها تمثل الشعب وتعلن كذبًا أن “الأمة مصدر السلطات”. إن قبول هذا الشكل من الديموقراطية الخادعة يعني أننا نفوض بإرادتنا الحرة أقلية من السياسيين المحترفين وأصحاب رؤوس الأموال أن تستبد بالغالبية العظمى من الجماهير، أي أن نقبل بديكتاتورية مستترة.

علينا السعي إلى تفتيت هذا الهرم وإعادة توزيع السلطة على الجميع بصورة متساوية، أي أن تصدر السياسة منهم وتعود إليهم دون تمييز. أن تجذر الديموقراطية المباشرة في كل موقع يمكن أن تقوم فيه سواء كان حقلاً أو مصنعًا أو مدرسة أو مؤسسة خدمية / إجتماعية هو ما يعينه شعار “كل السلطة للشعب”، يجب تطبيق الممارسة الديموقراطية في كل مؤسساتنا القائمة، لأن الديموقراطية لا تبنى إلا من أسفل القاعدة الإجتماعية، في مجالس الأحياء والمحافظات، والنقابات المهنية والعمالية، والمؤسسات الأخرى المختلفة.

(Visited 77 times, 1 visits today)
عن الكاتب
حسين الحاج
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق