الآن تقرأ
العدالة الاجتماعية: الطريق لاستكمال الثورة في مصر.. (3-5) القوى السياسية

بالرغم من الطابع الاجتماعي للحركة الاحتجاجية في مصر، فقد لعبت الحركة السياسية –للأسف- دورا في حصر الصراع مع السلطة في القضايا السياسية وطبيعة نظام الحكم، وبالرغم من المناداة بإجراءات تضع حدا للفساد والمشكلات الاقتصادية كالبطالة والتنمية، إلا أن النخب السياسية اكتفت بالصراع ضد شخص مبارك ورموز النظام، دون توجيه المعركة إلى قلب المنظومة الحاكمة نفسها، وبالتالي لم تعر هذه النخب أهمية تذكر لخلق ظهير شعبي لشن حرب اجتماعية لإسقاط تلك المنظومة، واكتفت بالسعي لعمل تغيير سياسي لشكل الحكم دون المساس بمضمونه الذي أنجب الفساد والديكتاتورية والاستغلال ومن ثم الإفقار والتهميش للأغلبية من المواطنين. هكذا ركزت حركة “كفاية” ومن بعدها الجمعية الوطنية للتغيير على قضايا التغيير الديمقراطي، واستمرت هذه النخب في العمل، حتى بعد الثورة ممثلة في الأحزاب والقوى السياسية المختلفة، على قضية انتقال السلطة والتغيير السياسي بالغرق في دوامة الانتخابات البرلمانية والرئاسية وصياغة الدستور والانجرار خلف أجندة المرحلة الانتقالية، بعيدا عن المطالب الجماهيرية المباشرة المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وضمان الحق في الحياة بشكل آمن عبر توفير المسكن والمأكل والعلاج والتعليم المجانيين والعمل والعيش بكرامة.

ورغم ذلك لم تخل برامج كل الأحزاب تقريبا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من الحديث عن قضايا مضمون مسألة العدالة الاجتماعية، بطرح تصورات وبرامج لمعالجة معضلات كالفقر والبطالة ومشكلة السكن، ووضع خطط للتنمية والإصلاح الاقتصادي، والنهوض بالصحة والتعليم.. الخ.

فبرنامج حزب الوفد الجديد ذو الخلفية الليبرالية الأشهر في تاريخ الأحزاب المصرية يؤكد على ضرورة “ضمان العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل وعوائد التنمية بين المواطنين جميعا، فلن نقبل أن تحصل الأقلية على النسبة الأكبر من الدخل القومي بينما تعيش الغالبية من شعب مصر تحت خط الفقر”، بل طالب بوضع حد أدنى للأجور ينظر فيه كل 3 سنوات، وإقرار نظام تأميني للبطالة.[9] وبينما يؤمن حزب المصريين الأحرار “باقتصاد السوق كقاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة”، إلا أنه يرى ضرورة “الإلغاء التدريجي لدعم المنتجات البترولية والغاز والكهرباء التي تحصل عليها شركات قطاع الأعمال العام والخاص التي تبيع إنتاجها طبقا لاقتصاديات السوق”، علاوة على “إطلاق مشروع قومي للقضاء على الفقر في مصر -خلال عشرين عاما- تشارك فيه كافة مؤسسات الدولة المدنية والقوات المسلحة وقطاع الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الدولية المانحة”.[10] ويرى حزب الدستور “إن الهدف الأساسي من التنمية الاقتصادية توفير احتياجات المواطن والمجتمع وتحسين الظروف المعيشية للكافة وتوفير إطار يسمح للمجتمع بالتقدم والازدهار، بعيدا عن العوز والحاجة وفي حرية من الاستغلال. ومن هنا ضرورة قيام الدولة بصياغة الحياة الاقتصادية وتوجيه مسارها، من خلال دورها الأصيل في وضع السياسات والتشريعات، وفي قيادة عملية التنمية الاقتصادية بحيث توجه آليات السوق في الاتجاه الذي يرغبه المجتمع ككل وتحقق العدالة الاجتماعية والتقدم الاقتصادي معا”. ويؤكد أنه “لا يمكن الحديث بجدية عن مشروع للتنمية الاقتصادية بدون توفير الاحتياجات الأساسية للمواطن المصري من مأكل وملبس ومسكن ورعاية صحية وتعليم. فالعدالة الاجتماعية المبنية على تكافؤ الفرص وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لجميع المصريين هي ضرورة أساسية للتنمية الشاملة والعادلة”.[11] ويهدف حزب مصر الحرية ” إلى بناء مجتمع العدالة الاجتماعية عبر ضمان توزيع افضل للدخل، والالتزام بحد أدنى للأجور طبقا لمعايير موضوعية، وبناء شبكات متكاملة للرعاية الصحية وللأمن الاجتماعي وللمعاشات وإعانات البطالة والعجز وغيرها”. ويرى أنه ينبغي أن يستند تقرير مستوى الحد الأدنى للأجور “على الربط بينه وبين مستوى الإنتاجية وتكلفة المعيشة والاحتياجات الغذائية وفقا للمعايير والمقاييس الدولية. كذلك، يجب أن يكون الحد الأدنى للأجور مرنا وغير ثابت، وهذا اعتمادا على التغيرات التي تطرأ على الظروف الاقتصادية مع الاستجابة لتضخم الأسعار والبطالة وتكلفة المعيشة في المناطق المختلفة من مصر”.[12]

وبالنسبة للأحزاب اليسارية فيرى حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي ضرورة الحفاظ على الحقوق المكتسبة للعمال والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والنقابية، وضمان حد أدنى للأجور يكفى الاحتياجات الأساسية لمعيشة إنسانية، وتحقيق التوازن بين الأسعار والأجور بما يمنع تدهور مستوى معيشة العمال، وتطبيق إصلاح ضريبي شامل يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية لصالح الفئات المحدودة الدخل، وإعادة النظر في قانون الضرائب الجديد الذي ينحاز إلى كبار الرأسماليين والأثرياء بتصفية ما ابتدعته الحكومة من ضرائب غير مباشرة ورسوم يقع عبئها الأساسي على الفقراء ومتوسطي الحال وخفض سعر ضريبة المبيعات، وزيادة الضرائب على الأرباح الصناعية والتجارية، وتشديد العقوبات على المتهربين من الضرائب.[13] بينما يرى الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعيأن “مفهوم المواطنة في الفكر الديمقراطي الاجتماعي يؤكد على ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، والتي تضمن لهم جميعا حق التمتع بمستوى اقتصادي لائق وحياة كريمة وآمنة من العوز، والحق في الحصول على فرصة عمل مناسبة، والعدالة في توزيع الدخول وتكافؤ الفرص. ويستدعى هذا المفهوم تدخل الدولة كضامن لهذه الحقوق في حالة عدم قدرة قوى السوق على الوفاء بها، بجانب دورها السياسي في تنظيم الاقتصاد ومنع الممارسات الاحتكارية وضبط إيقاع الأسواق. ويرى الحزب أن النظام الاقتصادي الأمثل هو ما يحقق الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية في الوقت ذاته”.[14] ويناضل حزب التحالف الشعبي الاشتراكي من أجل بناء نموذج بديل للتنمية قائم على الاستثمار في البشر وتطوير قدراتهم الإبداعية وكفالة العدالة الاجتماعية عن طريق اجراءات فعالة لتوزيع الثروة والدخول لصالح المنتجين الحقيقيين. ويعمل الحزب على تطوير الاقتصاد الوطني، تتولى فيه الدولة صياغة خطة تنمية شاملة تحدد بمقتضاها الاستثمارات في القطاعات الحيوية والاستراتيجية وتصفية الاحتكارات وتفعيل قوانين منع الاحتكار في مختلف المجالات.[15] ويسعى حزب الكرامة العربية لبناء مجتمع الضمان الاجتماعي الشامل وتلبية الحقوق والحاجات الأساسية للإنسان، والتأكيد على حقوق التعليم والعمل والعلاج والسكن والتأمين والمعاش والبيئة النظيفة لكل مواطن بصفتها حقوقا طبيعية ودستورية ملزمة، وهذه الحقوق –مع عدالة توزيع الثروة- عناصر جوهرية للتنمية البشرية التي هي عنوان رقى وتقدم الأمم”.[16]

أما عن الأحزاب الإسلامية فيرى حزب الحرية والعدالة أن “تحقيق العدالة الاجتماعية والتأكد من توزيع عوائد النشاط الاقتصادي بشكل يحقق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص من أهم واجبات الدولة. وانطلاقا من هذه المسئولية فإن مواجهة الغلاء والقضاء على الفقر والبطالة، وتقديم الخدمات العامة الأساسية كالمرافق والتعليم والرعاية الصحية والنقل والمواصلات، وتحسين الظروف المعيشية للعمال والفلاحين، وإيجاد حلول عملية لمشكلات اجتماعية كالعنوسة وأطفال الشوارع وذوي الاحتياجات الخاصة ورفع مستوى معيشة الأسر المعيلة وزيادة دخول أصحاب المعاشات، هو هدف برنامجنا”.[17] بينما يرى برنامج حزب مصر القوية أن العدالة الاجتماعية حتى تحقيق حد أعلى من الكفاية للمواطنين دون تمييز هي إحدى المرتكزات الرئيسة لهذا البرنامج، وهي الهدف الجامع في رؤيتنا للاقتصاد، وحتى الأمن القومي. ونرى أن المسئولية الاجتماعية حق الشعب على الدولة، وذلك من خلال تقديم برامج عمل، وقرارات تضع الإنسان نصب عينيها؛ فهو هدف عملها، وغاية جهدها.. تصون كرامته، وتحسن معاملته”.[18] ويرى حزب النور أن تحقيق العدالة الاجتماعية “في توزيع الدخل وتوزيع الثروات بين أبناء المجتمع المصري بما يحقق التكافل الاجتماعي، ويشيع روح المحبة التآلف والتعاون والاستقرار والاطمئنان نحو المستقبل، بما ينعكس من آثار إيجابية على نهضة المجتمع وعلى نموه الاقتصادي”.[19]

وعلى مستوى الحركات الشبابية الأبرز ترى حركة شباب 6 أبريل وجوب تطبيق “حد أدنى للأجور لكل الفئات والوظائف وربط الأجور بالأسعار كما يحدث في جميع الدول التي تعانى من الغلاء. وإجراءات حقيقية لوقف ارتفاع الأسعار ومنع الاحتكار ومنع فوضى السوق”.[20] وتؤمن حركة شباب من أجل العدالة والحرية بـ”ضرورة النضال من أجل الحرية والديمقراطية، جنبا إلى جنب الايمان بضرورة الانخراط في الحركة المطالبة بالعدالة الاجتماعية، والوقوف خلف الفئات الكادحة المطالبة بحياة إنسانية كريمة.. وأن التغيير لن يتحقق إلا اذا تحركت الجماهير لنيل حقوقها، وأن دورها يتمثل في محاولة الربط بين المطالب الاجتماعية والسياسية ومقاومة الميل العام إلى الفصل بينها”.[21] بينما رأى ائتلاف شباب الثورة ضرورة لـ”إقرار حد أدنى وحد أقصي للأجور (بنسبة 15:1)، مع ربطهما بنسب التضخم الحقيقية وبالزيادة في الأسعار، وإسقاط قانون العمل 12 لسنة 2003، الذي أباح الفصل والتشريد، وجعل العمال عبيد لدى صاحب العمل، والعمل على توفير عمل لكل العاطلين، ولحين توفير العمل إصدار قانون بمنح إعانة بطالة تعادل نصف الحد الأدنى للأجور لحين توفير عمل لكل طالب عمل، وإيقاف كل مشروعات الخصخصة للمؤسسات الصحية وجعل العلاج حق لكل مواطن، واسقاط كل ديون الفلاحين لدى بنك التنمية والائتمان الزراعي وإلغاء كل الأحكام القضائية التي صدرت ضدهم بالحبس بسبب عدم استطاعتهم تسديد هذه الديون، وإعادة تشغيل كل الشركات التي أغلقها أصحابها لخلق فرص عمل جديدة، ووقف برنامج الخصخصة الفاسد والتحقيق في كل الصفقات الفاسدة في بيع القطاع العام ومحاسبة الفاسدين فيها، واسترداد هذه الشركات وتشغيلها وتشغيل العمال بها”[22].

ترى إذن معظم الأحزاب والحركات السابقة أن وضع أولوية للإنفاق العام في قطاعي الصحة والتعليم، وحد أدنى للأجور، ومنع الاحتكار وإيصال الدعم إلى مستحقيه، واعتماد نظام ضريبي تصاعدي، وتطوير المناطق العشوائية ومدها بالخدمات والمرافق وإيجاد سكن مناسب، وحق المواطن في العمل والمعاملة الآدمية، أهدافا تسعى لتحقيقها! فما الفرق إذن بينها ولماذا وجدت متفرقة إذا كانت برامجها -بلغة أو بأخرى- تصل لنفس الأهداف وهي تطوير الاقتصاد والتنمية المستدامة والارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين؟! الإجابة لن نجدها في البرامج بل في الممارسات السياسية والانحيازات الاجتماعية على أرض الواقع. عندما تجد رجال أعمال من مؤسسي هذه الأحزاب يتهربون من سداد الضرائب.. البند الرئيسي للنهوض بالمشروعات الخدمية، أو عندما يفصلون عمال شركاتهم بأية حجة، أو يمتنعون ويعرقلون عن عمد تنفيذ الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص، أو عندما يتولون حقائب وزارية فيصدرون قرارات من شأنها تعريض حياة المواطنين للخطر كما في مسالة استخدام الفحم بديلا للغاز في تدوير المصانع، أو التخلي عن قضايا العمال والعمل وفق خطط الدولة ومصالح رجال الأعمال، بالرغم من كونهم كانوا في مقدمة صفوف المحتجين دوما. يمكننا أيضا معرفة جدوى هذه البرامج وكونها حبرا على ورق أو موضوعات للكفاح من أجل تطبيقها من ممارسات هذه الأحزاب في السياسة، للأسف يتضح لنا أنه من فرط مناداتها بالحريات وحق تداول السلطة أصبحت ملكية أكثر من الملك ذاته فقط عندما وضعت في أول اختبار لها بمشاركتها أو بانفرادها في السلطة، ولنا في تجربة الإخوان المسلمين في حقبة مرسي وبعض الأحزاب المدنية في حكومة 3 يوليو 2013 الانتقالية مثالا يوضح أن البرامج شيء والممارسة شيئا آخر تماما.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق