الآن تقرأ
الحوار فى لغة يوسف إدريس ( جزء أول )

ترجمة رأفت رحيم

لم يكد يوسف إدريس أن ينشر أولى مجموعاته القصصية ” أرخص ليالي”  عام 1954 حتى انهالت المقالات والتعليقات تثنى على موهبته القصصية وعلى ظرافة مواضعيه وحيوية شخصياته. ولكن موضوعا واحدا  اختلف فيه النقاد، وكان مثارا للتشكك والحيرة، بدل التقدير، وذلك موضوع اللغة المستخدمة فى تلك المجموعة، فقد لامه بعض النقاد على خلطه العامية والفصحى وابتعاده عن أساليب النثر العالية.

كتب عنه  د. زغلول سلام   … ومما يعيب أسلوب يوسف إدريس عاميته المختلطة بالفصحى أو فصحاه المختلطة بالعامية. وأنت بينهما فى حيرة من أمر الرجل، فهو رغم ما يملك من قدرة فنية وخيال، وسعة تصور، يكونان لبنة طيبة لقاص ناجح، فإن هذا الأسلوب يضيّع عليك أحياناً نعمة المتعة بجمال القصة، بل قد يزهدك فيها ويحطّ بك من علياء الفن إلى أرض العامية، لا أقصد اللغة بل والعبارة والفكرة…

وكتب الدكتور طه حسين قائلاً فى المقدمة التى أرفقها بمجموعة ” جمهورية فرحات” ليوسف إدريس (1957) ناصحاً إياه:

… أن يرفق باللغة العربية الفصحى ويبسط سلطانها شيئاً ما على أشخاصه حين يقص كما يبسط سلطانها على نفسه، فهو مفصح إذا تحدث، فإذا أنطق أشخاصه أنطقهم بالعامية كما يتحدث بعضهم إلى بعض فى واقع الأمر حين يلتقون ويديرون بينهم ألوان الحوار.
وما أكثر ما يخطئ الشباب من أدبائنا حين يظنون أن تصوير الواقع فى ا لحياة يفرض عليهم أن ينطقوا الناس فى الكتب بما تجري به ألسنتهم فى أحاديث الشوارع والأندية. فأخص ما يتماز به الفن الرفيع هو أنه يرقى بالواقع من الحياة درجات دون أن يقصر فى أدائه وتصويره…

وربما لو كان الكاتب غير يوسف إدريس لردعه مثل هذا النقد فارتدع. ولكن إدريس كان على ما يبدو صاحب مبدأ فى قضية القصة الواقعية المعاصرة، وهو النوع القصصى الذى مارسه طوال خمسينات القرن العشرين وأغلب ستيناته. فالحوار عنده يجرى دائماً بالعامية أما لغة السرد فهى بالفصحى أصلاً، ورغم أن الفصحى عنده تستوعب عناصر غير قليلة من لغة الكلام اليومى.

التهجين لا يعنى بأي حال من الأحوال، تفضيل واحد من هذين المكونين (الفصحى والعامية) على الآخر، وإنما تنبع هذه الظاهرة من شعور الكاتب بأن جمالية اللغة فى أقاصيصه، لا بد أن تنبنى على أساليب التهجين. فإذا سادت الصحى المعيارية، فستضعف فى النص جماليات النبض الواقعى للحياة/ أما إذا سادت العامية فسيكون النص خارجا عن  أساليب الأدب عامة حيث الفصحى هى دعامة الكتابة الأدبية بأنواعها المختلفة.

من الواضح أن يوسف إدريس ليس الكاتب العربى الوحيد الذي يستخدم اللغة المهجنة فى كتاباته ، فالنثر العربى المعاصر، والنثر القصصى بشكل خاص، يُكتب عادة بالفصحى ولكنها غالباً ما تكون مهجّنه. وذلك للقسريات الجمالية التى يفرضها الفن القصصى الحديث، ومنها الاقتراب من نفسية الأبطال أحياناً والابتعاد عنها أحياناً أخرى. وقلما نجد قاصّا عربياً معاصراً يماشي أساليب القصص الحديثة ممن لم يمسه منطق التهجين. فالتجاور بين الفصحى والعامية فى عصرنا يخلق العزير من المبانى اللغوية الجديدة.

 

المصدر: ملامح أسلوبيه جديدة فى الأدب العربى الحديث –  ساسون سوميخ –جامعة تل أبيب – باحث إسرائيلى عراقى الأصل وُلد فى بغداد

عن الكاتب
رأفت رحيم
1التعليقات

أضف ردك