الآن تقرأ
نصر أبو زيد وقصيدة النثر.. ظلال بعيدة متشابكة

من بين أكثر الأفكار تطورا في قناعاتي إثر التحول عن الإسلام السياسي إلى علمانية واضحة المعالم وشخصية جدا – وعبر مراحل وسيطة متعددة – كان التعامل مع مفردة “الله” بكل تنويعاتها المختلفة في النصوص الأدبية، والشعري منها على وجه الخصوص.

الفكرة ببساطة كانت المجاز، واعتبار أن كل شاعر لا يقصد بكتابته تجرّؤا على الذات الإلهية أو ممارسة عنترية زائفة، قدر ما ينبغي حمل أفكاره على معنى آخر. كان تصورا تلفيقيا مني اقتضته فترة خلخلة فكرية ما بين الخروج من دوامات الطرح الإخواني بكل سذاجته الأخلاقية والبحث عن طرق بديلة. لكنها، الطرق البديلة ذاتها، كانت تنضوي أيضا – هذا ما لا فكاك منه في فترة التحول – تحت التصورات الإسلامية الواسعة والبعيدة عن معنى التحزّب.

هذا كان قبل قراءة نصر حامد أبو زيد.

في الفترة التي تلت قراءة أطروحاته المهمة حول النص واللغة والتأويل، انزاحت قناعاتي قليلا إلى جانب أكثر راديكالية من التعامل مع مفردات الذات الإلهية.

بات التأويل يشبه مجازًا كبيرًا تصنعه اللغة، اللغة بوصفها مجازاً أصلا تفعل هذا، أو نفعله نحن بها في الاستخدام اليومي ودون وعي حتى: “رِجل” الترابيزه، مثلا.

وإذا كان “ربنا عرفوه بالعقل” ويزيد البعض “بالقلب”، فإنه يمكنني القول إن “ربنا عرفوه باللغة” أيضًا.

صحيح أنّ الله مفارق ومطلق – كما يقول المسيري – لكنه عرّف نفسه لنا، وعرفناه نحن بدورنا، من خلال اللغة: النصّ القرآني. وهذا الكتاب، كونه لغة، تسري على مفرداته وتكويناته القواعد ذاتها التي تمارس على اللغة في عمومها، فلو كانت لغة القرآن مفارقة كذات الإله لما أمكننا فهمها أو تأويلها.

هكذا أمكنني أن أفهم (هل أقول أشعر بـ”لذاذة”) ما كتبه “أمل دنقل” ذات يوم: “خصومة قلبي مع الله ليس سواه”. وتوارت للأبد مقولات بدائية – كنت بدأت فترة تحوّلي الفكري بنقضها – من قبيل: إنه ينبغي أن نلتمس العذر للشاعر؛ ففضلاً عن منطوق الجملة الإسلاموي الأخلاقي، والذي يفترض وجود ذنب ينبغي الاستتابة بشأنه، إلاّ أنها أيضًا تلفيقية وبعيدة عن الشعر قدر قربها إلى الفقه والأحكام الشرعية.

يبدو لي – هذا ما أكتشفه للتو – أنّ قصيدة النثر في التسعينات ليست بعيدة الصلة عن طرح “أبو زيد”. القصيدة التي ارتفعت بلغة الشارع في بعدها الفردي إلى الشعر أظنّها جوهر ما طرحه “أبو زيد” حين تعامل مع اللغة بوصفها شيئاً غير مقدّس، حتى لو كانت لغة النص القرآني.

في هذا السياق، يخطر لي أيضا أن “عبد المعطي حجازي” وثيق الصلة بالشيخ “ياسر برهامي”، فرغم ما يدّعيه الأول في كتاباته من قيم علمانية وحداثية، وما يطرحه الثاني من أفكار وهّابية وطائفية، إلاّ أنهما – وفي لحظة مفارقة في سخريتها ومأساويتها – يصلان إلى نفس النقطة في التعامل مع اللغة بوصفها كائنًا مقدّسًا. القداسة أوصلت “حجازي” إلى رفض قصيدة النثر، الأمر الذي حداه إلى إصدار كتاب يحوي مجموعة من قصائد النثر كملحق لمجلة إبداع لا لشيء إلا ليسخّر أحد كتبته للنيل منها والتنديد بكتّابها.

كما أنها وصلت بـ “برهامي” إلى هذا الطرح الموغل في تطرّفه، كأنّه خلال ألفية ونصف من تاريخ الإسلام لم نتمكّن إلاّ من الانزلاق نحو أحطّ منحدراته. و” كل الحاجات الحلوة التي طلّعها الإسلام – الشِعر، المعمار، الخط، المنمنمات، التجويد، الذكر، التصوف، الفلسفة والعلوم، آل البيت وأولياء الله، القصص، العشق، آداب النكاح، الواجب الاجتماعي، مكارم الأخلاق – كل هذه الحاجات، الناس تتجاهلها تماماً. وإذا ذكرها أحد يذكرها بس ليذمها أو يحرمها ” *

هذا في ظنّي أقسى ما يمكن أن نعيشه.

رحم الله نصر حامد أبو زيد.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من “كتاب الطغرى”- رواية- يوسف رخا- دار الشروق- 2011.

** لمهووسي القداسة والبلاغة المحنّطة: “الله”، لفظ الجلالة منزّه عن الإعراب، فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.

عن الكاتب
محمود عاطف
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق