الآن تقرأ
لا قومية تعلو على القومية التركية..العنف ضد الأكراد

قدم أتاتورك لتركيا حركة ثورية  لتغيير ملامح الهوية التركية مستقلة وبعيدة كل البعد عن الهوية العثمانية، أسس على هذه الأبعاد دولة حديثة علمانية ديموقرطية أشبه بالنماذج الأوروبية في نشأة الدول الحدودية المعرفة بهوية قومية، ولكن الإرث العثماني من تعدد هويات وقوميات في تركيا لم يكن بسؤال ذي أهمية لأتاتورك وآثرت الدولة آنذاك تهميش سؤال أحقية الاعتراف بالأكراد ولغتهم وثقافتهم وحقهم المكفول دوليا بحفظ ملامح هذه الهوية.

أثار تصاعد العنف المتبادل بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني والذي تصدر عنوانين الصحف العالمية خلال الأسابيع الماضية كثير من التساؤلات الخاصة بنوازع العنف لدى جهة غير حكومية في حدود الدولة التركية، تؤكد الحكومة التركية في جميع التصريحات خطورة ومدى انعدام شرعية مطالب الحزب وأهدافه.

ولكن هذا العنف ليس بجديد على الطرفين، إنما متأصل بسلسلة من السياسيات القمعية من الحكومة التركية تجاه عناصرها الكردية، فلهذا الصراع أبعاد عدة تشكلت على  فترات تاريخية فارقة في صعود ونشأة الدولة التركية الحالية،  فهذا الصراع يعود إلى قرارات تحديد المصير التي شهدها الشرق الأوسط بعد انقشاع القوى الاستعمارية عن المنطقة، بجانب تاريخ الحركة الكردية نفسها، تشتعل هذه التحركات بتزايد شعور الأقليات القومية بأنهم مواطنون من “درجة ثانية”، عندها تنظر الأقليات أنها في محنة اعترافية وأن هويتهم وأصولهم معرضة للخطر، لذلك يباشر قادة الحركات القومية في تشكيل وإعادة تجميع الملامح الخاصة بالهوية الكردية في محاولة إلى تأصيل شتى الأعراف المتداولة في ثقافتهم الأصلية.

معاهدة لوزان

الحركة الكردية ليست بحركة حديثة كما يصورها الخطاب السياسي لتركيا، فالقومية الكردية نشأت في ظل توسع القوى الاستعمارية وانهيار الدولة العثمانية، وفي معاهدة سيفر لعام 1920 تفاوض قادة الحركة الكردية للاستقلال بحدود تركيا الشرقية لتوطين الأكراد مستقلين بذلك عن هيمنة الأتراك والعرب، ولكن بائت نصوص هذه المعاهدة بالفشل مع إعلان القوى الاستعمارية استقلال تركيا وحكم أتاتورك الجمهوري في معاهدة لوزان عام 1923، وتجاهلت نصوص معاهدة لوزان هوية الأكراد في تركيا وحفظت حقوق بعض الأقليات الأخرى في تعريف الأقليات “غير المسلمة” وتم تقديم الإسلام كهوية مشتركة بين الأتراك والأكراد كمبرر للتغاضي عن اختلاف الثقافات المتعلقة باللغة والأعراف ولقمع المشروع السابق في 1920 الخاص بإقامة دولة كردية، ومع هيمنة الخطاب السياسي القومي لجمهورية أتاتورك الجديدة تم قمع الهوية الكردية ولكنها لم تختفى على الساحة السياسية.

صورة هذا الصراع المعتمد على قوة وأهمية هوية كل طرف أشبه بحروب التحرير من الدول والهويات الاستعمارية في الشرق الأوسط ولكن ما يميز تركيا عن باقي الدول أنها نالت استقلالها من الهوية العثمانية ولم تبادر بتمثيل التعددية فيها بل قمعتها مقابل ما أسسه أتاتورك من هوية تركية لا يضاهيها أي هوية أخرى.

في صناعة القوميات: دور القادة واللغة

تنسب الهوية الكردية كما نعرفها حاليا للشاعر الحاجي قادر كويي، في منطلق القرن التاسع عشر مزج الحاجي قادر بعض عناصر التراث الإسلامي مع الثقافة الكردية، وفي أوائل العشرينيات من القرن الماضي، اعتمدت قيادة الحركة في توسيع نطاق تداول اللغة الكردية، عن طريق صحيفة “كردستان” لتعليم وتعزيز اللغة الكردية في صفوفهم، وترتبط اللغة ارتباطا وثيقا بحركات النضال الشعبي، حيث أن اللغة كمبدأ مجرد للتواصل بين أفراد المجتمع الواحد تعطيهم قوة الإحساس بالانتماء لقضية أجل وماضٍ أعرق من اللغات المنافسة (التركية).

تطورت اللغة كوسيلة سياسية للتهميش والقمع من جانب تركيا وكأداة لضمان تناسق وإلتحام الأكراد من جانبهم.

مراحل العنف المتبادل

أول مراحل العنف الممارس في قمع الحركة الكردية نبتث بعد معاهدة سعد أباد 1937 التي شاركت تركيا وبعض الدول الأخرى في تشكيل حلف لمنع الحركة الكردية الانفصالية من تحقق طموحها للاستقلال بدولتها.

إثر هذا المعاهدة تم تشريع استخدام العنف لقمع الحركة الكردية وقطع تواصلها الثقافي، ومع انتظام تهميش الأكراد، اتجهت الحركة إلى تنظيم مسلح مع موجة ازدهار التيار اليساري في تركيا، فاعتمدت القيادات الكردية  تصوير الأكراد كضحايا قمع الدولة والهوية التركية لتبرير استخدام العنف والسلاح لتحرير الهوية الكردية من سلاسل الهيمنة التركية، وحيث أن العنف وحده لا يجدي نفعا، توجهت الدولة التركية إلى تصدير ما يطالب به الأكراد بأنه من نسج الخيال، فالحكومة لا تعترف بالأكراد أنهم “أكرادا”، أصحاب هوية أصلية ولغة مستقلة وأعراف وثقافة خاصة، بل تدرجهم تحت مسمى “أتراك الجبال” لتبرز لغويا وسياسيا تفوق القومية والهوية التركية عن دونها، ولا تعترف تركيا باللغة الكردية إنما توصفها بأنها مزيج بين العربية والتركية والفارسية في دلالة على أصالة هذه اللغات ودنوية الكردية، في حين أنها قبل هذا التعريف اعتادت تركيا في تسجيل اللغة الكردية كـ”أصوات غير معلومة”، ولكن في أحد المحاكمات الأخيرة للناشطين الأكراد سجلت محادثة المتهمين باللغة الكردية.

مثل هذه الممارسات تضيق على الأكراد حقهم في استخدام ثقافتهم في الساحة العامة، وتجعلهم كفئة أدنى من الأتراك، وكأفراد يمكنهم أن يكونوا أتراكاً بموجب محل إقامتهم ولكنهم في نظر الحكومة والأتراك عامة مضللين غير مقدرين لهيبة الدولة من قومية سامية مثل التركية.

فإلى متى تظل تركيا تصدر للعالم المشكلة الكردية على أنها مشكلة جماعة مارقة خارجة على قانون الدولة، ويظل عنف الدولة المسلحة يقابله عنف المستضعفين الذين يجاهدون من أجل تأصيل هوية حقيقية كفلها القانون الدولي؟

عن الكاتب
ناردين النمر