الآن تقرأ
فساء كاتب تراجع الناشر عن طباعة روايته يوم افتتاح القناة

والملفت أن الناشر تراجع ليس فقط بعد توقيع العقد وإنما أيضاً بعد تصميم الغلاف. كان أطلع الكاتب على الغلاف فعلاً، على أساس أن الكتاب سيصدر خلال أيام. وهنا يجب الإشارة إلى أن الغلاف مثله مثل كل أغلفة ذلك الناشر كان غاية في القبح والغباء. ومع ذلك فالناشر وكما يفعل دائماً رفض أي اقتراحات لتغييره من جانب الكاتب، وكأنه يطلعه عليه فقط من باب الرخامة. الحقيقة طبعاً أن صدور الرواية ما كان ليعود على الكاتب بثمن خرطوشة سجائر، هذا إن تم توزيع الطبعة كاملة، وهو ما لن يحدث لأن الناشر غير مستعد للمغامرة بمصاريف النقل فضلاً عن أن الكتب الأدبية أصلاً لا تباع.

إن ما يهوّن على الكاتب عدم رواج رواياته هو كونه مثل غيره من كتاب الروايات. الاستثناءات نادرة ومربوطة على ولاءات سياسية وأموال بترول ومجاملات متبادلة يسمونها التوجيب: شخص يعمل الواجب مع شخص ثانٍ فيعود الثاني هذا يعمل الواجب معه.

وهي ليست استثناءات حقيقة إذا ما نظر الواحد إليها في سياقها لأنها كتب غير أدبية وإن سماها كتابها روايات. أما القاعدة فهي أن نجاح رواية لا يعني أكثر من أن يقرأها سبعة من غير المشغولين بالعبادة والتلفزيون عن قراءة الروايات. وحيث أن هؤلاء القراء السبعة موجودون وعلى أتم استعداد لقراءة المخطوطة بل إن أربعة منهم قرأوها بالفعل، وحيث أن الجوائز الأدبية محجوزة لكتاب يجيدون اللحس والنيتووركنج، وحيث أن حفلات توقيع كتبه تصيب الكاتب بالغثيان، يعني لا فلوس ولا احتفاء… فمن ناحية يمكن القطع بأن الكاتب لم يخسر أي شيء حين تراجع الناشر عما نص عليه العقد الذي صاغه هو وما كان ليقبل أي تعديل في بنوده. بل قد يذهب الواحد أبعد فيقول إن قرار الناشر يعد مكسباً للكاتب. فالآن لن يكون لكتابه ذلك الغلاف المقرف ولا هذا المصير البائس، ولن يعود هو يتعامل مع أشكال وسخة مثل ناشر بخيل لا غضاضة لديه في التراجع عن النشر بعد تصميم الغلاف. لكن ومن ناحية أخرى يجب الاعتراف بأن هناك إحساساً بخيبة الرجاء حاق بالكاتب وحزّ في نفسيته، حتى أنه فكر في موافاة الناشر برسالة إلكترونية مفخخة بفيروس يأتي على ما في حاسوبه من مخطوطات وأغلفة فيوقف أعماله بالكامل.

مقاضاة الناشر لن تفيد الكاتب شيئاً لأن العقد يؤمّنه والمحاكم لا تهتم بحقوق المؤلفين. أما التشهير به في الصحافة فهو سلوك كان رأى كتابًا آخرين يمارسونه حيال ناشريهم واحتقره منهم، واسترخصه، لأنه في فحواه لا يختلف في شيء عن الولاءات والمجاملات والجوائز. وهو بحثٌ عن مجد أدبي في مقالب زبالة غير أدبية، أي أنه عملياً شرمطة. وكون الكاتب يفضل أن لا يتشرمط لأن الشرمطة تتعبه نفسياً ولا يعرف من أين يحصل على فيروس مناسب أو كيف يقوم بإرساله دون أن يؤذي حاسوبه هو، فقد قرر أن لا يفعل شيئاً. وانتظر. صحيح أنه قال لنفسه إنه يجب أن يترفع على الانتقام الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانتقام مثل الثأر والحرب الأهلية. لكن صحيح أيضاً أنه، وللمرة المليون أمام واقع أردأ مما توقع رغم رداءة توقعاته، أُسقط في يده. ومثل كل مرة يحصل معه ذلك كان الانتظار هو ما انتهى إليه. الانتظار دائماً هو ما ينتهي إليه الكاتب طالما لا يكتب، بدلاً من أي فعل من شأنه أن يغيّر وضعه في الحياة، كأن يختار لنفسه عملاً آخر مثلاً ويكف نهائياً عن الكتابة، أو أن يفعل مثلما فعل كتاب آخرون وبلا أي استعداد لتوزيع الكتب أو حتى مراجعتها قبل الطباعة، يفتح دار نشر صغيرة يسميها “ضفاف” أو “أمواج” أو حتى “رمال”، ينفق عليها من مساهمات الكتاب المالية فيكسب قليلاً من ورائهم ويحصل على منح من الجهات المانحة ودعوات من المؤسسات العالمية بينما ينشر أعماله هو عند ناشر كبير مثل هذا الناشر، وهكذا يغنّي على الحياة الأدبية المزعومة ويدعها تغني عليه… لا، ظل الانتظار هو رد فعله الأوحد وظل مقترناً سواء بعد النشر أو بدونه بخيبة الرجاء. وكان هذا يحمي الكاتب مما يعتقد يقيناً أنه شرمطة، كما كان يحافظ على إنتاجيته وفاءً لقرائه السبعة. الانتظار بمعنى ما مرادف للعفة، إلا أن التهتك هنا وعلى عكس البروتوكولات الأخلاقية المنتشرة يتلخص في الإيحاء كذباً بأن الصلة قائمة بين الكتابة التي تتمحور حولها حياته وبين حياته نفسها، أو بمعنى أوسع يتلخص في القول إن الأدب شخص ذو حيثية يعيش مكرماً وسط الناس. في بداية الربيع العربي كان رأي الكاتب أن الأدب شخص مهم فعلاً لكنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، أو لعله مات ولم يعلَن عن جنازته.

كان يرى الكتابة في المجتمع تُستبدل بمنتجات سمعية بصرية وكان يراها تتحول إلى مبارزات بذيئة على شبكات الإنترنت ومداخلات على الهواء. كان يرى المنتجات والمداخلات تأخذ مكان الأدب دون أن يكون فيها ولا رائحته. وحتى لدى نظرائه من الكتاب الناجحين بالذات، لاحظ أن الكتابة كثيراً ما تتحول إلى استظراف ووعظ وتقليب خراء أشبه بالصحافة حين تكون صفراء ومملة في خلوها من أي معلومة مدققة. لكن الذين ينتجون تلك الصحافة هم وحدهم من كانوا يشتهرون وتباع كتبهم فيتم الترويج لها دون غيرها ليباع منها أكثر بينما هم جالسون على موائد الأكابر بوصفهم شخصيات ومواقف، أو بتعبير أحد أصدقائه: أوضاع ومناظر. كانوا أشبه بأبطال وموضوعات الأفلام والمسلسلات الساقطة التي يكتبون سيناريوهاتها أيضاً أو تُكتب عن أعمالهم. وكان نجاحهم يسافر بسلاسة إلى خارج البلاد حيث يستمر في الحياة والنمو مترجماً، الأمر الذي أكد للكاتب شكه في احتضار الأدب كظاهرة عالمية مثل الاحتباس الحراري. لكنه وبعد صعود الإخوان المسلمين للحكم ثم نزولهم منه نزلة الندامة عاد فتذكر أن الكثير من نظرائه مازالوا مثله يكتبون أشياء فيها متعة ومعرفة، وتذكر أن قسماً من هذه الكتابات جامد فعلاً مع أن لا أحد يوجّب معه وهو نادراً ما يسافر إلى الخارج. ساعتها عاوده الأمل في أن الأدب مازال حياً، لكنه لم يفرح طويلاً لأنه ومع عودة الزعيم العسكري للحكم سنة ٢٠١٤ أدرك أيضاً أن الأدب وإن كان حياً فهو شخص بلا حيثية على الإطلاق. لعله يعيش وسط الناس بالفعل لكنه ابن قحبة جربوع، لا مكان له على موائد الأكابر. ولسبب ما ذكّره هذا الشيء بأولئك البنات المحجبات اللاتي يستبدلن صورهن على فيسبوك وتويتر بوجوه أجنبيات شعرهن مكشوف وهن أكثر فرحاً بالحياة. قال لنفسه إن ما يدفع الواحدة من هؤلاء على تبديل وجهها الإلكتروني والعيش على الإنترنت كما لا تعيش في الواقع كونها تحلم بأن تكون إنسانة هي غير قادرة أن تكونها. وخطر له أن لا شيء في الدنيا يمكن أن يضع على صدر الواحد حزناً مثل الذي تضعه رؤية هؤلاء البنات. بالتدريج أدرك الكاتب أنه لن ينتقم ليس لأنه يترفع على الانتقام ولا لأنه لا يعرف كيف ولكن فقط لأنه حزين.

غضبه من الناشر مجرد عرض من أعراض الحزن. لقد عاش لحظة فهم خلالها ربما للمرة الأولى أنه يفضّل الانتظار على تغيير وضعه ليس لأنه كسول أو خواف ولا حتى يائس. يعني هو طبعاً يائس وربما أيضاً كسول وخواف، لكن السبب وراء انتظاره هو أن خيبة الرجاء التي يحسها هي بالضبط ذلك الحزن الذي يسقط على رأس الإنسان حين يرى الأشياء العزيزة عليه وهي بلا معنى في العالم. لعل الشرمطة مجرد كذبة بيضاء تجعل للكتابة معنى وسط عالم لا معنى لها فيه، لكنها تتحول إلى كذبة سوداء حين تكون النتيجة أن تفقد الكتابة نفسها كل معرفة ومتعة يمكن أن تحتويها فلا تعود كتابة. وماذا يمكن أن يفيد الانتقام من ناشر بين الأبيض والأسود الآن؟

الحوارات تتكتل في الأوقات الصعبة. كان مكتوب الناشر الذي يخبر فيه الكاتب بالتراجع عن نشر الكتاب وصل في الصباح الباكر في لحظة يقظة نظر فيها نحو هاتفه الذكي فوجدها. وقد حاول أن يواصل النوم لكنه لم يستطع من الحرقة وخيبة الرجاء، بالذات وأن التكييف عطل فجأة والدنيا حر بغباء. كان هذا يوم ٦ أغسطس تاريخ افتتاح قناة السويس الجديدة، الأمر الذي كان الكاتب نسيه تماماً. وهنا يجب الإشارة إلى أن القناة الجديدة هذه في الواقع مجرد تفريعة حُفر مثلها ثلاثة في العقود السابقة ومستبعد أن يكون لها تأثير على الدخل القومي أو أن تؤتي أُكُلها من الأساس. ومع ذلك فقد حولها الإعلام إلى انتصار حربي وفتح للزعيم، مردداً أرقاماً لا يفهمها الناس حول المكاسب التي ستأتي من ورائها. وأصبحت قناة السويس الجديدة إنجازاً تاريخياً تتكلم الجهات السيادية عنه كما لو كان الجيش المصري طار لحد أمريكا وبعد أن احتلها وثبّت البينتاجون في عشر دقائق جلب البيت الأبيض معه وهو راجع. والإعلام يكرر كلام الجهات السيادية هذا والناس تكرر كلام الإعلام. ولافتات رسمية وأعلام غير رسمية وبالونات عملاقة على شكل شخوص مفروض أن تكون كيوت لكنها مرعبة، وزحام غير طبيعي مع أن الطبيعي في حد ذاته فوق الاحتمال. إن افتتاح التفريعة هو انتصار خرافي ليس على الإخوان المسلمين فقط ولكن أيضاً على الدنيا كلها. وقناة السويس الجديدة هذه هدية للدنيا من أم الدنيا التي ستصبح بحجم الدنيا كما يقول الزعيم. وكل ما ينافي كلامه طبعاً جحود أو خيانة وتأييد للإرهاب. والزعيم يأخذ بوزات بالزي العسكري مع أنه رئيس مدني الآن. يبدو مثل بطل فيلم ساقط يمكن أن يكتب قصته واحد من الكتاب الذين تباع رواياتهم أيضاً الذين لا يشكون لحظة في ضرورة الإيمان والزعامة والمشروعات القومية الضخمة في وجه المؤامرات. الكاتب تذكر أن شيئاً مماثلاً حدث أيام الزعيم العسكري الأول قبل أن يولد هو حين بُني السد العالي، حيث كان هناك أكثر من رأي في جدوى المشروع ولكن طبعاً لم يعلُ صوت على صوت المعركة. وفكر الكاتب إن السد العالي بتدمير خصوبة الأرض الزراعية وخلق خطر استراتيجي وتوليد كهرباء أقل بكثير من المنتظر فعلاً أثبت لاجدواه ولا أحد يتكلم في ذلك. لكن على الأقل في ستينيات القرن الماضي وقبل سقوط الاتحاد السوفييتي حين كان الكلام عن التحرر الوطني مقنعاً والزعيم طويل القامة والمشروع نفسه ضخماً ربما كانت هناك وجاهة في دعاية شمولية من هذا النوع. أما تلك الترعة كما يقول عنها الإخوان فبالتأكيد لا تستحق كل شلالات القيء هذه على الصبح. كان الكاتب يشمئز من الزعيم منذ البداية لكنه كان يكره الإسلام السياسي. وكان يحس أن القادم كارثي لو تُركت المسائل للإسلاميين وبواقي اليسار المتحالفة معهم وعيال المظاهرات، ويرى أن عودة الحكم العسكري وفّرت على البلد السقوط في الفوضى والحرب الطائفية وماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته نوعاً ما.

خلال النصف الثاني من ٢٠١١ كان قرف من عيال المظاهرات لدرجة أنه وبحلول ٢٠١٢ لو كان أمن الدولة انتدبه من عمله في وزارة الري ليضع الخوازيق في طيازهم بيده لقبل بممنونية. لكن مع الوقت أصبحت الأوضاع والمناظر لا تُحتمل والناس تخلع هدومها وترقص. ليس كل الناس طبعاً ولكن غالبية الناس من غير المخابيل الذين يسمونهم إسلاميين تخلع هدومها وترقص وتختار أوسخ وأجهل الشخصيات العامة لتعمل منها أبطالاً أو حاشية للزعيم. والكاتب قال لروحه إن الناس التي تخلع هذه هي نفسها المشغولة عن قراءة الروايات بالتلفزيون والعبادة. لذلك عندما صحا على مكتوب الناشر ليجد البلد كلها فرحانة أحس أنها فرحانة فيه شخصياً.

كان لابد أن يفعل شيئاً قبل أن يبدأ انتظاره الطويل أو يعود يكتب درءً للانتظار، وفي كلتا الحالتين سيؤلمه التفكير في ناشر آخر يطبع عنده الرواية واحتمال ربيع عربي آخر بلا خبل يؤدي إلى زعيم وأمل في عالم آخر يكون الأدب فيه شخصاً محترماً. فلكي يرفع معنوياته بعد أن اتصل بفني التكييف وأغلق التلفزيون وفصل الإنترنت قرر أن يأكل فولاً ويدخن كما يحلو له بلا خوف من اضطراب الأمعاء. مع السجائر الكثيرة الفول بالذات يسبب للكاتب غازات في بطنه فلا يأكله أبداً، لكنه له أيام نفسه فيه. وهكذا كلّم المطعم وطلب كمية ضخمة من سندوتشات الفول والطعمية بالبيض أكلها وشرب معها مياهاً غازية ودخن بحرية تامة قبلها وبعدها لحد ما جاء الفني وصلّح التكييف أخيراً فقعد يشرب الشاي في الهواء الصناعي لحد ما كبس عليه النوم فنام. وفي غضون ذلك كانت معنوياته ارتفعت فعلاً. استطاع أن يذكر نفسه بمتعة ومعرفة الكتابة وأنهما تظلان هناك وإن لم يلتفت للكتابة نفسها أحد سواء نُشرت أو لا، كما تذكر أن هناك أناساً لا يخلعون ملابسهم ويرقصون للزعيم ليس لأنهم مخابيل طائفية ولا لأنهم يرددون ما يريد أن يسمعه شخص يدفع لهم ولكن لأنهم يفضلون أن لا يتشرمطوا فعلاً أو يفضلون حياة ليست عبارة عن فيلم ساقط يخرجه ويمثله أناس بلا موهبة حتى النهاية. حلم الكاتب ببلد شبه البلد ولكن ليس فيها زعامة ولا مخابيل إسلام وبناتها حين يضعن صوراً على فيسبوك وتويتر تكون صورهن بالفعل ويكون شعرهن فيها مكشوفاً ويمكن لأي واحدة منهن أن تشعل سيجارة في الشارع بشكل طبيعي ولا ينظر أو يتعرض لها أحد. ثم حلم بالناس الذين يقرأون القرآن في المترو وهم يقرأون كتباً أدبية بدلاً من القرآن، ورآهم منغمسين في المعرفة والمتعة التي في أيديهم بطريقة مبهجة جداً… حتى أنه حين صحا على الغازات في بطنه لم ينزعج أو يتكدر. فقط رفع رجليه في الهواء وضرط ضرطة طويلة أراحته بما يكفي ليقوم يعد لنفسه النعناع ويتناول أقراص الفحم. كان الليل دخل والدنيا هادئة. جلس الكاتب يشرب النعناع ويفكر في أحداث اليوم وهو يفسو. وكلما تذكر غضبه من الناشر الذي تراجع عن طباعة روايته استسلم لنوبة ضحك من القلب وفسا. فسا وفسا وهو فرحان بروايته التي لن تنشر وغير مكترث إطلاقاً بافتتاح القناة.

ينشر هذا النص بالتعاون مع مدونة ختم السلطان ليوسف رخا

عن الكاتب
يوسف رخا
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق