الآن تقرأ
صفحات مجهولة من تاريخ شعب مصر (2) ..المجاعات

تروي لنا صفحات التاريخ القديمة عن الكثير من المجاعات التي وقعت بأرض مصر وعانى منها شعب مصر أشد معاناة، وقد أرجع المؤرخون سبب هذه المجاعات إلى فساد الحكام وسوء إدارتهم والسياسات الاقتصادية الفاسدة التي اتبعوها، ففي عام 87 هـ (706 م) وقع في مصر غلاء شديدا نتيجة لفساد الحاكم آنذاك “عبد الله بن عبد الملك بن مروان”، فقد كان ظالمًا مرتشيًا يأخذ الأموال من الخراج وغيره، وغلت الأسعار بمصر إلى الغاية، حتى قيل: إن أهل مصر لم يروا في عمرهم مثل تلك الأيام، وقاسى أهل مصر شدائد بسبب هذا الغلاء.

وفي سنة 96 هـ (715 م) تولى خراج مصر أسامة بن زيد التنوخي وكتب إليه الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك “احلب الدر حتى ينقطع ثم احلب الدم حتى ينصرم” (كانت مصر يتم تشبيها بالبقرة الحلوب في هذه الأزمنة)، فأصابت أهل مصر شدة عظيمة وحدث غلاء عظيم مات بسببه خلقا كثيرا أكثر مما يموت في الوباء.

وفي سنة 108 هـ (726 م) في ولاية حفص بن الوليد على مصر من قبل هشام بن عبد الملك حدث بمصر قحط شديد.

ثم وقع الغلاء في الدولة الإخشيدية أيضًا، ففي سنة 327 هـ (938 م) هجم على مصر جراد لا توصف كثرته حتى منع شعاع الشمس أن يقع على الأرض فأتى على الكروم والفواكه والنخل حتى خربت البساتين والحقول، فعمت المجاعة وخرج الناس في طلبه ليأكلوه حتى أفنوه.

وفي سنة 347 هـ (958) شهدت مصر جرادًا طبق الدنيا فأتى على جميع الغلات والأشجار ونفقت الماشية وعمت مجاعة أشد وطئًا من الأولى وما أفاد الناس ما أكلوه منه إذ عم الموت في كل مكان فأكل الناس حيوانات الشوارع ثم أكلوا جيف الماشية.

ثم حدث اجتياح الفئران لمصر، يقول المقريزي:

وقع سنة 341 هـ (952 م) وباء الفأر وأهلك الغلات والكروم وحدثت مجاعة شديدة فاضطر الناس لأكل الكلاب والقطط ثم عمدوا إلى الفئران.

ثم وقع غلاء عظيم عام 352 هـ (963 م) واستمر تسع سنين متتابعة، فعظم البلاء وانتقضت الأعمال لكثرة الفتن، ونهبت الضياع والغلات وماج الناس في مصر بسبب السعر، واضطربت أحوال البلاد اضطرابا شديدا فكثرت الفتن والحروب بين الجند والأمراء وراح ضحيتها خلق كثير وانتهبت الأسواق وأشعلت الحرائق وتضاعف السعر حتى بيع إردب القمح بستة دنانير وأفرط الغلاء حتى أطلق عليه الغلاء العظيم وأكل الناس الجيف والكلاب، وكانوا يسقطون موتى من الجوع واقترن بذلك وباء عظيم فكثر الموت ولم يلحق دفن الموتى فكان يحفر لهم حفرا ويرمى فيها عددا كثيرا ويردم عليهم التراب من غير صلاة ولا غسل ولا كفن.

صفحات مجهولة من تاريخ شعب مصر ..الطاعون (1)

 

الشدة المستنصرية:

وقعت في أيام المستنصر الفاطمي مجاعة عظيمة في مصر، امتدت لسبع سنين، وسببها ضعف السلطنة واختلال أحوال المملكة، وكانت بدايتها في عام 457 هـ (1064 م).

وقد عرفت هذه المجاعة في التاريخ باسم “الشدة المستنصرية”، وفيها هلك في مصر خلق كثير لما حصل من الجوع الذي لم يعهد مثله في الدنيا، وتزايد الجوع حتى أكل الناس القطط والكلاب، ثم أكلوا بعضهم بعضًا، فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه.

أما المستنصر فقد باع كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره.

ومن الحوادث التي وقعت في هذه الأثناء، أن وزير المستنصر نزل على باب القصر عن بغلته وليس معه إلا غلام واحد، فجاء ثلاثة وأخذوا البغلة من الغلام، ولم يقدر على منعهم لضعفه من الجوع فذبحوها وأكلوها، فقبض عليهم الحاكم وصلبهم، وعند الصباح وجدهم وقد أصبحوا هياكل عظمية، فقد أكل الناس لحومهم أثناء الليل!!!

ومن الحوادث أيضًا أن رجلاً باع داراً بالقاهرة بعشرين رطل دقيق وكان قد اشتراها قبل ذلك بتسعمائة دينار!!!

وكانت نساء القصور تخرجن ناشرات شعورهن تصحن “الجوع الجوع” فتسقطن عند المصلى وتمتن جوعًا.

وفي عهد الدولة الأيوبية وسلطنة العادل الأيوبي، ساءت الأحوال الاقتصادية بشدة، ووقعت في مصر مجاعة هائلة، هلك فيها معظم أهل مصر، حتى كادوا أن يفنوا، وكانت بدايتها في سنة 597 هـ (1200 م).

وقد دخلت هذه السنة مفترسة أسباب الحياة، فارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد واشتد الجوع بالناس ووقع فيهم الموت، وخرج من مصر خلق كثير بعائلاتهم وأولادهم إلى الشام، فماتوا في الطرقات جوعاً، وشنع الموت في الأغنياء والفقراء، فبلغ عدد الأموات – في مدة يسيرة – نحو مائتي وعشرين ألف إنسان!!

واشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيف والكلاب والأرواث، ثم تعدوا إلى ذلك أن أكلوا صغار بني آدم، وكثر هذا في الناس جدًا حتى صار لا يُنكر بينهم، وكان بعضهم يدخل بيت جاره فيجد القدر على النار، فينتظرها حتى تنزل ليأكل منها، فإذا فيها لحم الأطفال، وأكثر ما كان يوجد ذلك في بيوت أكابر البيوت، بينما كان رجال الفقراء ونساؤهم يتصيدون الصغار في الشوارع ويأكلوهم، فأمر صاحب الشرطة بإحراق من يفعل ذلك، فأحرقت في أقل من شهرين ثلاثون امرأة وجد معهن لحوم أطفال!!

ولما فرغت الأطفال والميتات غلب القوي الضعيف فذبحه وأكله.

وكان الرجل يحتال على الفقير فيأتي به ليطعمه أو ليعطيه شيئا، ثم يذبحه ويأكله.

وكان أحدهم يذبح امرأته ويأكلها وشاع هذا بينهم بلا إنكار ولا شكوى، بل يعذر بعضهم بعضًا، ووجد عند بعضهم أربعمائة رأس، وهلك كثير من الأطباء الذين يستدعون إلى المرضى، فكانوا يذبحون ويؤكلون، فكان الرجل يستدعي الطبيب ثم يذبحه ويأكله.

ومن الحوادث التي يرويها المؤرخون، أن شخصاً استدعى طبيبًا، فخافه الطبيب وسار معه على تخوف، حتى وصلا إلى الدار، فإذا هي خربة، فارتاب الطبيب مما رأى، وبينما هو يريد الدخول إليها إذ خرج رجل من الخربة، وقال للشخص الذي أحضر الطبيب: “مع هذا البطء جئت لنا بصيد واحدة”، فارتاع الطبيب، وفر على وجهه هاربًا، فلولا عناية الله به، وسرعة عدوه، لقبض عليه!!

وخلت مدينة القاهرة ومصر من أكثر أهلها، وصار من يموت لا يجد من يواريه، فيصير عدة أشهر حتى يؤكل أو يبلى.

وفي هذه الأثناء، كان الرحالة العراقي “عبد اللطيف البغدادي” يزور مصر، فروى لنا الأهوال مما رآه في هذه المأساة، وكان مما رواه: “رأيت امرأة يسحبها الرعاع وقد وجدوا معها صغيرا مشويا تأكل منه، ثم فشا في الناس أكل بعضهم بعضًا حتى فنى أكثرهم، وظهر من هؤلاء الخبثاء من يصيد الناس بأصناف الحيل والخداع، فكان عند جامع ابن طولون قوما يخطفون الناس، بينما آوت جماعة من الفقراء إلى الجيزة واختبئوا في بيوت من طين يتصيدون فيها الناس.

وهذه البلية التي شرحناها وجدت في جميع بلاد مصر، ليس فيها بلد إلا وتم أكل الناس فيها أكلاً ذريعًا، من أسوان وقوص والفيوم والمحلة والإسكندرية ودمياط وسائر النواحي.

ومما شاع أيضًا نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم، وأما القتل والفتك ففشي في كل مكان، وكان الموتى ليس لهم عددًا ويرمون ولا يوارون، وأما الضواحي والقرى فقد هلك أهلها قاطبة إلا ما شاء الله، وقد دخلنا مدينة (الكلام لعبد اللطيف البغدادي) فلم نجد فيها حيوانًا في الأرض ولا طائرًا في السماء فتخللنا البيوت، فوجدنا أهلها كما قال الله عز وجل “جعلناهم حصيدًا خامدين”، فتجد ساكني كل دار موتى فيها الرجل وزوجته وأولاده، ثم انتقلنا إلى بلد آخر فوجدناه كالذي قبله من الخراب، ووجدنا القرى التي كانت تشتمل على زهاء عشرة آلاف نسمة وقد صارت خرابًا.

وأما بيع الحرائر فشاع وذاع، حتى كانت الحرة تبيع نفسها مقابل دراهم معدودة، وسألتني امرأة أن اشتري ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم فقلت لها أن هذا حرام، فقالت خذها هدية!!!

ومن الله سبحانه يُرجى الفرج وهو المتيح للخير بمنه وجوده.”

مصادر:

المقريزي – إغاثة الأمة بكشف الغمة

يوسف بن تغري – النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة

ابن كثير – البداية والنهاية

المقريزي – السلوك لمعرفة دول الملوك

موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (رحالة عراقي) – كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر

عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق