الآن تقرأ
فخ التمانينات..من منظور آخر

في الواقع هناك نقاط كثيرة تفضل السيد محمود سالم في مقاله الأخير فخ التمانينات بتجميعها وإدعاء علاقة ما لها بفكرة “فخ التمانينات” التي بني عليها مقاله، ربما لكي يعطي للفكرة زخم ولتبدو صالحة للتلقين والاستخدام ومن ثم الترويج.

ولصناعة هذه العبوة يقوم بتجاهل كثير من الأحداث والتحولات التي شكلت ملامح التمانينات.

ولكونها فكرة يغلب عليها الاصطناع -في تصوري- ربما نلاحظ اهتمامه بـ “إثبات الموضوع ده” هذه هي  العبارة التي يفتتح بها الفقرة الثانية من المقال المذكور.

الفقرة ذاتها وما يسوقه من ملامح يصنع بها “الفخ” الذي يدعيه كلها نقاط  ” مش راكبة على بعضها ” وتضاد سياق فكرته، يعني مثلاً “تلاتين سنة عمرو دياب”.. يا عزيزي كيف تتجاهل أن الجيل الذي رفع وثبت عمرو دياب في مكانه، بل وصار منهم ألتراس عمرو دياب، في سابقة لم يشهدها تاريخ الفن المسموع أو المرئي، هو الجيل الحالي، جيلنا، جيل الثورة والحلم، الذي انفتح على العالم عبر النت والذي حمل الثورة وحلم التغيير على أكتافه، وليس  الجيل الذي يصفه بأنه متصابي ويتهمه ضمنًا بالفشل والعجز والتصلب، ألا يبدو لك أن التصلب هي صفة ألزم لنا إحنا!
أو هي تلزمنا أيضًا وتلحق بنا كما تلحق بالجيل الأقدم!

جيل شاف إن هو ده مطربه المفضل ومافيش غيره، ولما طلع له حد فكَّر ينافسه على المكانة دي، تامر حسني، صار من الضروري أن يكون له ألتراس متعصبين أيضًا!
في الأجيال السابقة كان بيبقى عندك عبد الوهاب بكل أستاذيته وألمعيته، وف نفس الوقت وبقدر مقارب من النجاح فريد الأطرش بكل تميزه وتفرده، وف نفس الوقت أسماء لامعة أخرى، كل له مكانته وتقديره، كارم محمود، عبد العزيز محمود، محمد فوزي ثم عبد الحليم ومحمد قنديل وغيرهم كتير.
أليس ألتراس عمرو دياب ده في حد ذاته دليل على تصلب جيل الثورة وحلم التغيير!

الثمانينات ذاتها كان فيها ملامح بها من الإيجابية ما لا يمكن نكرانه، كان فيه نوع من الممارسة الديموقراطية، رغم أنها كانت في أُطُر محددة أتيحت ولم يتح أبعد منها لأسباب وظروف كثيرة متشابكة ومُركبة، إلا أنها مقارنةً بعشر سنين السادات بلا شك كانت نقلة نوعية، شهدت انتخابات برلمانية مرتين ما كانتش شكوك ودعاوي التزوير فيها حاضرة بقوة زي ما حصل فيما بعد، وزي ما كان فيما قبل، شهدت حضور لسلطة قضائية كان ليها احترامها وكلمتها في مواجهة السلطة التنفيذية، وهو ما كان منعدم في عشر سنين السادات، ومنعدم كذلك في الستينات.

الثمانينات شهدت وجود ملموس للخطط الخمسية اللي كانت بتشتغل في اطارها السلطة التنفيذية، وكان ممكن فهم الدولة دي بتشتغل ازاي ورايحة فين وجاية منين من خلالها، لا أتكلم عن نجاحها اللي في الحقيقة ما كانش مبهر، بل كانت عليه ملحوظات كتير، نتيجتها ببساطة هو الحال السيء -على كافة الأصعدة- اللي عايشين فيه منذ منتصف التسعينات وحتى الآن، لكن اللوم هنا يقع بالتساوي على كل القوى السياسية -حكومة ومعارضة- اللي كانت موجودة وكان حصيلة أدائها مجتمعة سلبي في المجمل، اللوم ايضًا لابد أن يوجه لقوى الرجعية من اليمين الديني اللي ابتداء من نهاية الثمانينات وهي آخذة في احتلال مكانها بجدارة كأقوى مؤثر سلبي موجود على الساحة، كونها أعطت للقبضة الأمنية فرصة غير مسبوقة للتغول وللسلطة فرصتها في الحكم بمنطق أمني وليس سياسي أو اقتصادي.
وأعطت لنظام مبارك بكل تركيبته مبرر للاستمرار بينما كان استنفذ كل ما يمكن أن يقدمه بالفعل منذ بداية التسعينات.

مش عايز استطرد في تبيين تهافت فكرة “فخ التمانينات” دي عشان مش غرضي من الرد على المقال كده بالتحديد، إنما نقدر نلمح التهافت ده في نقاط كتير في باقي المقال لو بصينا له من منظور نقدي، ومن غير حماس زائد (أتفهم دوافعه من غضب وإحباط ورغبات عارمة كلها مشروعة ومخلصة ومحل تقدير بلا شك)، لكن الفكرة متهافتة يا سيد، وإذا كان فيه فخ فهو فخنا إحنا، إحنا اللي متفخفخين!

في هذه اللحظة من عمر هذا الكلام الذي أكتبه ربما يلزم أن أعرفك بأنني من المتخرطشين المضروبين في يوم 25 يناير 2011، إذ ربما يساورك الشك أني واحد من الناقمين على الثورة وعلى جيلها اللي بانتمي إليه بشكل ما، بحكم الخرطوش على الأقل، فأنا من هنا مش من هناك.

هانتقل للفقرة اللي بيبدأها بـ “مصر بتواجه مأساه جيل كامل غير قادر أو مهيّأ للتعامل مع مأساته”، في الواقع أنا شايف المآساة الحقيقة والأبرز هي مأساة جيلنا إحنا، جيل الثورة وحلم التغيير، تشهد صينية الميدان -وأتحدى من ينكر هذا- إننا في عز تقاربنا جميعًا من بعض وعلى الرغم من تباين مواقعنا وخلافاتنا، في عز هذه الأيام الطوباوية -حقًا- لم ننجح -وركز في لم ننجح دي عشان هاتتكرر كتير- لم ننجح أبدًا في صياغة أي تنظيم قادر على الأقل على تمثيل نفسه وعلى أن يكون حجر عثرة، على الأقل برضه، أمام كل من حاول الركوب وامتطاء الثورة والميدان والشعب والرأي العام، لم ننجح على الإطلاق في أن نكون هذا الحجر، وركب كل من حاول الركوب، بلا استثناء واحد من أيام الصينية وحتى اليوم، بكل أسف.

مرت الأيام وكان يفترض أن يسعي هذا الجيل الذي ثار وحلم بالتغيير واتفشخ من أجل حلمه في الميادين والشوارع وباظت حياته، إنه يأكد وجوده وحقوقه بمشاركة قوية أو فاعلة أومؤثرة في صياغة المستقبل اللي بدأ الآخرين في صياغته والتفاوض عليه وعمل الصفقات، بكل أسف لم نكن موجودين هناك ولم نكن مؤثرين ولا فاعلين، على صعيد الاحتجاج صحيح كنا موجودين وحاضرين ومبادرين، إنما تركنا الغرف المغلقة بالكامل تقريبًا لكل من خدع أو خان أو قايض على الدماء، باستثناء محاولات محدودة إنما في النهاية لم نكن شركاء ولا فاعلين في صياغة إعلان مارس الدستوري، ولم ننجح في تعديل مساره، أكرر لم ننجح، وربما أن غيابنا إعلان مارس كان هو الخسارة الأفدح لنا والأهم، لأنه ترتب عليها غيابات أخرى وخسائر أخرى وعثرات أخرى.

مرت الأيام تاني –كعادتها طبعًا- ودخلنا على الانتخابات البرلمانية وقبلها على قانون الانتخابات البرلمانية، ولم ننجح –برضه- في أن نكون فاعلين أو مؤثرين لا في صياغة قانون يرضي ويؤسس لوضع حلم التغيير موضع التنفيذ ولا في تسويق أنفسنا كمرشحين مقنعين للناخب اللي في وقت من الأوقات كان طاير فرحًا بـ “الورد اللي فتح في شوارع مصر” وكان المثل الساير هو سؤال الناس لبعضيها “هااا… الفيسبوك بيقول إيه النهاردة؟”، “الشباب بيقولوا إيه” وعشان تدرك عزيزي القاريء قيمة ومعنى هذا السؤال اسأل نفسك من كام سنة سمعت حد بيقول للتاني حاجة زي كده “الجرايد بتقول إيه النهاردة” أو “التلفزيون بيقول إيه النهاردة”، بكل أسف “لم ننجح” في استغلال هذه المصداقية وهذا القبول، فرطنا في فرص اقتنصناها بالدم وبالميادين والشوارع، فرطنا في تصديق الناس لينا.

هاتقول لي ما هو فيه أسباب لكده والمسألة مش بالبساطة دي، هاقول لك صحيح، مش هاختصر اختصار مخل، صحيح إن فيه عوامل كتير وأطراف كتير كانت بتلعب على مصالحها ومن الصعب مواجهتها وده موضوع طويل مش هانقدر نخوض فيه في عجالة، إنما خلينا موضوعيين، كل ده في النهاية تقييمه إننا “لم ننجح”!

لم ننجح وحل محلنا من استطاع أن ينظم نفسه وأن يكون له متحدثين يخاطبون الناس ويصلون إليهم، ولهذا نجح وأخد الفرصة اللي كانت متشعلقة في الجو منتظرة من يقتنصها، وكنا أحق بها باعتبار أننا من دفع الثمن الأفدح.

الفاضل محمود سالم نفسه دليل على هذا، كونه كان مرشح ولم يُوَفّق في الاستحواذ على اصوات تؤهله لدخول المجلس، ممكن نقولها بعبارة أخرى أنه لم ينجح في تقدير فرصه على الأرض وقدراته وبالتالي تَرَشح بشكل لم يؤمن له أصوات، وآخرين جرى لهم نفس ما جرى له.

ومرت الأيام -كعادتها برضه- وحصلت مظالم وتجاوزات، واتخلقت لنا -نحن جيل الثورة والحلم- فرص جديدة للتدخل ولصناعة شكل منظم للتحرك والضغط والمطالبة بأن نشارك في صياغة أفكار ومطالب الثورة ووضعها موضع التنفيذ بحسب تصورنا، مش عايز أقعد أعد لك الفرص لأنها كانت كثيرة ومتتالية، ولأنك بحسك السياسي تستطيع أن تدرك أن كل سقطة لخصمك يمكن اعتبارها فرصة لك، ما أكثر الخصوم وما أكثر السقطات، وبخلاف سقطات خصومنا كانت هناك تحولات مرحلية كان لابد أن نتواجد في قلبها، لكن تكرر تخلينا عنها وتكرر غيابنا عن دور الفاعل واكتفينا دائمًا بدور المفعول به، اللهم إلا في الميادين والشوارع، ده في حد ذاته صنع فكرة سلبية تمامًا وتصور جديد سلبي تمامًا في أذهان الناس وتم استغلاله من قِبَل كل من يريد أن يخون أو يبيع، نعم يا عزيزي نحن ساعدنا من يريد أن يبيع على البيع، وهم كثر كما تعلم، نحن وفرنا له “براند نيم” اسمه “الاستقرار” ومنحناه دعاية مجانية مستطيلة ومستعرضة لم يكن يستطيع ذهنه الخامل أن يخترعها.

فيه نقاط في المقال لا يملك أحد أن يختلف معها، ربما فقط بشكل نسبي أو جزئي، فمثلاً صحيح إلى حد ما إن مصر بينظر لها البعض كأنها مشروع معاش على حساب مستقبل الجيل اللي بعديه، صحيح بلا شك إن الفكرة دي موجودة، إنما فيه فرص كتير خلقها ناس مش من جيل المعاش ده، طول الوقت كان فيه مجال لكفاءات قاتلت واستحملت الجوع –بمعنى الكلمة- عشان تنجح ونجحت، وفي عز ضلمة مبارك، مش هادخل في تفصيلات أو أمثلة عشان برضه ده موضوع تاني وهاتفضل تقديراته نسبية، إنما قطعًا زي ما قدرنا نفرض واقع الثورة وفكرة التغيير على الجميع… لو أردنا واشتغلنا على فرض أي واقع آخر هانقدر شرط الأداء والبذل، مشروع المعاش للآخرين مش هايقدر يقف قدامنا والدليل…………. واقع الثورة نفسه، أقصد طبعًا المراحل اللي كنا موفقين فيها وجرت الأقدار بما نشتهي، لا المراحل اللي –أدعي- إننا قصرنا فيها.

هم عارفين كويس إن هم “كل ما هايتزنقوا هايقولوا ما عندناش بديل” وإن آخرهم يعملوا لجنة شباب، فين جهودنا إحنا عشان نعمل بديل عشان نكبسهم ونقطع لهم عرق التعريض –على حد تعبيرك- ونسيح دمه ونقول لهم أهو.. البديل هو يا عواجيز يا متصلبين؟

كام واحد اصلاً مننا مقتنع بفكرة إننا لازم نتقدم احنا وننظم صفوفنا ونعمل بديل؟

للأسف قليلين، والقليلين دول اشتغلوا وخاصة في الشهور الأولى من الثورة وكان منهم اللي عمل مبادرات واللي عمل حملات، زي لا للمحاكمات العسكرية وزي مبادرة إصلاح الداخلية وشوية حاجات تانية طال عمرها أو قصر، كان لها فعالية معقولة أو أقل مما يجب.. إنما عشرات الآلاف فين من ده؟

الإجابة الصادمة عشرات أو مئات الآلاف مننا متصلبين عند فكرهم، متصلبين عن قدرات حناجرهم!
أيوة، إحنا اللي متصلبين عند أداء الميادين والهتاف والزعيق والشتم وخسارة كل قضية ورا قضية.. وخسارة كل فرصة تتاح للظهور في المشهد بشكل جيد ومقنع ويمكن أن يلقى دعم على نطاق واسع ومؤثر.

متصلبين يا عزيزي ونكتفي بلوم وتقريع كل من يخالف فكرة الثورة الفشيخة التي تجتاح الميادين وتنتشر في الشوارع وتدافع عن الدم وعن المباديء الثورية العظيمة.. إنما أي خطوة في اتجاه إننا نحط رجلنا حيث يجب أن تكون لتطبيق كل هذا الكلام والمطالب ووضعها موضع التنفيذ.. مافيش.. لم ننجح.

فخ التمانينات يا عزيزي إحنا اللي واقعين فيه، إحنا اللي متصلبين وخيالنا مش واسع كما ينبغي لمن يحمل على كتفيه هم ثورة تغير من حياة شعوب بكاملها، إحنا اللي مش قادرين نقيم أدائنا ونقرر بشجاعة إننا أخطئنا في كذا وكذا.. مش قادرين نقرأ الواقع بشكل يخلينا نختار أداء يقطع الطريق على البياعين والخونة، ويخلينا نفرض وجودنا وإيقاعنا، إحنا واقع نقدر نكون قوي ومؤثر، بس للأسف مش بنشتغل في الاتجاه ده.

المؤلم أكتر إن أغلبنا مش قادر أساسًا يقبل فكرة إننا محتاجين نراجع مواقفنا ونعيد تقييم مواقعنا وأدائنا، لعلك تعلم يقيناً بحكم دراستك أو بحكم خبراتك في الحياة إن مسألة إعادة التقييم والتقدير دي مسألة لا يستغنى عنها كائن حي، فما بالك بجيل يعلم –يقينا برضهإنه شايل على كتافه حلم كبير لبلد بحالها ومستقبل يصنعه لنفسه، مش لحد تاني!

عن الكاتب
محمود عبده
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق