الآن تقرأ
حوار – بسمة: المجتمع في حاجة إلى صدمة تذكره ببؤس واقعه ونجحت في “تحدي” داود عبد السيد

فاجأتها صحيفة الأهرام في نهاية عام 2010 بمقال حمل عنواناً ( بسمة حفيدة الرجل اليهودي إذا بليتي فاستتري ولا تعلني عن مصيبتك ) .. كان ذلك مباشرة بعد أن قررت أن تنضم لحملة الدكتور محمد البرادعي و لمطالب التغيير و الإصلاح .

و منذ ذلك الحين و هي مصرة على قرار اتخذته بألا تتحدث للصحف. و لكنها أيضاً منذ ذلك الحين لا تنفصل عن أماكن الأحداث الساخنة، فهي من ميدان التحرير في مواجهة مبارك إلى دعوة رسمية لمواجهة المتحرشين حتى و لو بالقتل إلى ميادين الثورة في وجه نظام المرشد .
على ما يبدوا أنها قررت دوماً أن تكون في خانة الباحثين عن فن مختلف منذ أن قرر المخرج الكبير يسري نصر الله أن يختطفها من التمثيل الإذاعي لتصبح بطلة لواحد من الأعمال السينمائية التي تحمل بصمة خاصة فيلم ( المدينة ) .
استطاع  «قل » أن يخرج ( بسمة ) من حالة الخصام مع الصحافة إلى حالة من الوفاق أهلتها لتتحدث بصراحة .

175
• ابنة الصحفي أحمد حسن و حفيدة يوسف درويش مؤسس الحزب الشيوعي أحد المناضلين من اجل الحرية تقرر مقاطعة الصحافة لمدة ثلاث سنوات لأنها كشفت عن جزء لم يكن معروف عنها ؟
• بالتأكيد أحترم الحريات وأقدرها و الصحافة لكن ما حدث معي ليس له علاقة بالحرية أو بالصحافة المحترمة لكن القضية أن تاريخ عائلتي أجتزئ، ليتم استخدامه لتشويه من انضم لحملة البرادعي عام 2010 و الأزمة أن الصحيفة اكتفت بوضع جدي في تابو الرجل اليهودي و فقط . استغلالاً لحساسية المجتمع تجاه الديانة و تجاهلت الصحيفة أن جدي وجدتي مصريين حتى النخاع و كانت ديانة عائلتهم التي ولودوا عليها اليهودية والتي كان يتقبلها المصريين دون أي مشكلات في التعامل . و في أوائل الأربعينات أعلنا إسلامهما وأنجبا أمي فيما بعد مسلمة واستكملا الحياة في مصر مرحب بهم من كل من حولهم .

• ما مدى تأثرك بالبداية التي منحها لك المخرج الكبير يسري نصر الله ؟
بالطبع يجب أن تؤثر البداية مع رجل جميل مثل يسري نصر الله ، ذلك الفنان الرائع الذي يريد تقديم فن مختلف يرقى بالذوق العام و خصوصاً عندما تكون تلك البداية من خلال مغامرة تصوير في حارة بـ روض الفرج جعلتني أتخلى فكرة ارتباط حياة النجومية بالتكييف والماكياج لكن “نصر الله” علمني أن الفن مهنة تستحق التعب من أجلها لتقدمها على أكمل وجه . و أعتقد أن لكل مخرج تعاملت معه دور في بناء شخصيتي الفنية ( عمرو سلامة و محمد علي و شريف عرفة و محمد أبو سيف و علي إدريس و أحمد نادر جلال ) و توج ذلك القدير داود عبد السيد.
• من ضمن أدوارك الفارقة التي قدمتها فتاة “رسائل البحر” كيف كان يراك دواود عبد السيد؟
رسائل البحر كان من أصعب الأدوار التي قدمتها لكنه كان أيضاً من أحبها إلى قلبي فلقد كنت أنتظر العمل مع داوود عبد السيد منذ زمن وسعدت جداً بعرضه الدور علي وفاجأتني طبيعة الدور حيث لم أكن أتخيل نفسي أبداً أني يمكن أن أقدمه هكذا شخصية لكن أهم ما حدث لي مع الأستاذ داوود أنه اتخذ قراراً بتغييري لأنه لم يكن راضٍ عن أدائي لكنه غير رأيه وأعطى فريق عمل الفيلم إجازة لمدة أسبوع و خلاله أعدت تقييم علاقتي بالشخصية و قررت قبول التحدي و رحت أفتش حولي عن شخصيات تحمل ملامح الشخصية التي سألعبها .
• هل أغرتك جرأة ( رسائل البحر ) فأقدمت بعدها على تجربة “واحد صحيح” و ما تبعه من حملة انتقادات لك على جرأتك ؟
كنت أخشى ما سوف أتعرض له بعد الفيلم و ناقشت مؤلفه تامر حبيب حول الألفاظ الموجودة في المشهد الوحيد الذي أثار تلك الضجة لكنه أقنعني أن هناك دائماً مغامر يجب أن يخوض المعركة الأولى مثل السيدة فاتن حمامة التي قالت لأول مرة في السينما المصرية لفظ يا ابن الكلب والذي أثار حفيظة المشاهدين حينها رغم أنه كان لفظ معتاد بالمجتمع و لقد لاحظت أن المجتمع بحاجة لأن تردد على مسامعه في السينما ألفاظه القبيحة لتحدث له صدمة تشعره بمدى قبح واقعه وبذاءته وإن كنت قد اكتشفت بعدها أن هذا حلم وردي لا مجال لتحقيقه فالمجتمع يزداد سوءً وتزداد ألفاظه قبحاً .
تحدثتي بعد ثورة يناير عن ثورة فنية مرتقبة ترقى بالفن و الذوق و تقدم حلم الأفضل و المأمول هل كنت تقصدي ما تم إنتاجه خلال الثلاث سنوات السابقة ؟
بداية أنا أرفض الأفلام المبتذلة من نوعية ثبت الكاميرا وحرك الممثلين و عبي الشريط و أرفض كذلك الأفلام القائمة على المشاهد الجنسية بحجة الإيرادات والشباك لأننا لسنا ممثلين بورنو . ولكن هذا الابتذال لا يقع على عاتق المنتج فقط إنما هو نتاج كاتب ومخرج و منتج فالسيناريو الواحد يمكن أن يخرج بشكل راقي ويمكن أن يخرج بشكل مبتذل على حسب ما يعده معاً صناع العمل و أقرب نموذج لذلك دوري في فيلم رسائل البحر فحتى قرب نهاية الفيلم يظن المشاهد أني فتاة ليل لكن داوود عبد السيد قدم خير مثال للرقي في إيصال هذا الإيحاء .
وهذا لا يعني أني أحكم على كل ما يقدم بالسينما الآن أنه مبتذل فهناك أفلام ترفيهية جيدة الصنع . صحيح هي لا تقدم فكرة معينة وصنعت بغرض الترفيه فقط لكنها ليست سيئة و ليست مبتذلة .
• أمام أزمة صناعة السينما هل يمكن أن تملأ السينما المستقلة الفراغ ؟
الصناعة السينمائية لا بديل عن إنقاذها كواحدة من أعمدة الاقتصاد و أحد أدوات صناعة الوعي و حماية الهوية . و السينما المستقلة فيها أمل كبير لأن تكاليفها أقل و أصحابها مؤمنين بالرسالة الفنية دون حسابات السوق إضافة إلى تحررها الذي يتيح لها تبني أفكارها مجنونة ومختلفة . و ليس معنى كلامي أني أوافق على تحرر العمل أي عمل من قواعد الدولة الحاكمة حتى لا تقرر مجموعة عمل فيلم دون الرجوع للطرق القانونية ومراجعة تصاريح مؤسسات الدولة .

180
لك أكثر من تجربة في الدراما التليفزيونية كان آخرها “الداعية” الذي جعلك في مواجهة تهديدات ثم دعوات لمنع عرضه كيف قيمت هذا المناخ ؟
الدعوات أقيمت بمجرد تسريب الأخبار عن المسلسل قبل تصويره و قبل أن يشاهد أياً من صناعه حلقة منه .و لم أستغرب ما حدث بل كنت أنتظره و أسوأ في زمن الإخوان . و تحديدا عندما قدمت برنامج في شهر رمضان التالي لثورة يناير مباشرة وفي إحدى الحلقات استضفت المنتج محمد العدل و مسئول اللجنة الفنية في الإخوان سيد درويش و في تلك الحلقة تملكني الرعب على مستقبل الفن وحرية الإبداع في زمن الإخوان لأن – بلغة مرسي- كان ما قاله مسئول اللجنة الفنية للجماعة و الفن don’t mix و تحدث عن أشياء ليس لها علاقة بالفن و أعطاني تصور بحديثه عن حالنا القادم معهم لذلك لم أفاجأ بما تعرض له المسلسل ولم يرهبوني وأتممت العمل وعرض في ذروة اعتصامهم بميدان رابعة العدوية . وكانت تجربة رائعة ودور نسمة في المسلسل هو الدور الأكثر قرباً من شخصيتي قدمته بدافع ثوري لمقاومة نظام لم يقدر يوماً قيمة الفن كذلك أيضاً رأيته دفاعاً عن الفتاة التي كانت تقف بجواري في الميدان و قيل عنها كل شيء سلبي و أخطأ في حقها المخطئون بكل ما لذ لهم وطاب .
• بعيداً عن الفن أعلنت عن حالة التحرش التي تعرضت لها وتخطيتي الإعلان للإمساك بالمتحرش و ضربه مخالفة مفهوم المجتمع المصري . هو انفعال اللحظة أم كنت تقصدين ما حدث ؟
كان يجب أن أتحدث بعدما فاض بي فتلك الحادثة كانت الثالثة و أحسست بالقهر و الكسرة التي لا يداويها شيء و رأيت في حديثي تحرير لأي فتاة ضحية من الإحساس بالذنب و محاولة لاستنطاق من سكتن عن حقهن و ربما ساعد كلامي في أن تفلت ولو فتاة واحدة من التعرض لمثل ما تعرضت له . و المفاجأة كانت أن المجتمع شجعني ورحب بي وأثرت شهادتي وكلامي في الكثير من أبنائه وبناته الذين كنت فخورة بوعي شباب وبنات بلدي في تعاملهم ومحاولتهم لمواجهة الظاهرة وسعدت جداً بمجموعات مكافحة التحرش التي ظهرت والتي تحاول بأن تصل بالمجتمع المصري لأن يكون مثل المجتمع الغربي يعاقب المتحرش بأقصى العقوبات الممكنة ولا يلوم الضحية بل يساعدها على مواجهة الموقف وتخطي أزمته .

• رفعتي شعار (( جزمتي في رجلي واللي هيمد إيده هاكسرله دماغه بيها )) وأطلقتي دعوات إمتدت للموافقة على قتل المتحرش وساندك في الدعوة العديد من الفنانات – أليست هذه دعوات واضحة للعنف ليس من المفترض أن يقدمها فنان مثقف ؟
ما أعرفه عن عالم الحيوانات المفترسة أنها إما تروض وإما توضع في قفص في حديقة الحيوان وإما تعدم لكن لم ينموا لعلمي أن هناك حيوانات مفترسة يمكن لها أن تتعايش مع البشر وأنا أرى المتحرش حيوان فإما أن يُروض حتى يعود لإنسانيته وإما يُسجن فنحمي البشر من شره وإن كانت القوانين في بلادي أضعف من أن تسجنه وتأتي للفتاة بحقها فيجب عليها هي أن تتعلم كيف تحمي نفسها وتأخذ حقها الذي لن يأتيها إلا بيديها وتظل كذلك إلى أن يأتينا قانون رادع يُطبق بصورة صحيحة يصون حقها ويحمي كرامتها ويعاقب من يحاول إفتراسها .

عن الكاتب
سارة محمد علي
صحفية وباحثة ومعدة أفلام وثائقية ، خريجة كلية الخدمة الاجتماعية ، بدأت العمل بالصحافة منذ الصف الأول الثانوي ، عملت بالعديد من الجرائد والمواقع المصرية والعربية و سكرتير تحرير سابق لمجلة الفنون قبل توقف طبعها .