الآن تقرأ
حد الردة .. بين التدليس والتلبيس

يطل علينا هذه الأيام بعض المشايخ “الأزاهرة للأسف” في محاولة لتبرئة ساحة المرجع الأول للجماعات الإرهابية “ابن تيمية” من الفتاوى المتطرفة، فينشرون عن “ابن تيمية”، على سبيل المثال، فيما يتعلق بحد الردة، أنه قد افتى أن يستتاب المرتد طوال حياته في محاولة غريبة ومثيرة لكثير من الشكوك لإضفاء صورة الإمام المعتدل على “ابن تيمية” في الوقت الذي يتم فيه تنفيذ تعاليمه حرفيًا على أرض الواقع بواسطة الجماعات المتطرفة من أمثال “داعش” و”الشباب” و”بوكو حرام” ومن على شاكلتهم، فما السبب الذي يدعو هؤلاء المشايخ لمحاولة تجميل صورة “ابن تيمية” في هذا الوقت بالتحديد؟ سؤال نطرحه ونبحث له عن إجابة.

ونستعرض هنا فتاوى “ابن تيمية” بخصوص المرتد لنعرف إنه لم يقل أبدًا أن المرتد يستتاب طوال حياته بل أكد على أن المرتد يقتل بأي حال حتى ولو كان غير مقاتل:

في كتاب الفتاوى الكبرى، الجزء 3، صفحة 550، باب الجهاد، يقول:

“وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ عُقُوبَةَ الْمُرْتَدِّ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: مِنْهَا: أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يُضْرَبُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ، وَلَا تُعْقَدُ لَهُ ذِمَّةٌ بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْقِتَالِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَة، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ”.

كما يرى في موضع آخر أنه يجب قتل المرتد حتى لا يغري أحدًا غيره بالخروج من الدين، وكأن ما يمنع الناس من الخروج من الدين هو السيف وليس إيمانهم، كما يرى أن المرتد لا نفع منه لأنه ليس عليه جزية ولا يجوز استرقاقه فقتله إذن أفضل من إبقاؤه (وهنا نتذكر الدكتور مصطفى محمود ونتخيل أي عالِم كنا سنخسر إذا قتلناه في بداية حياته ولم نتركه في طريق بحثه ليصل إلى ما وصل إليه):

جاء في مجموع الفتاوى: الجزء 20، صفحة 120، (التعليقات بين الأقواس هي للتوضيح):

“وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَالْمُبِيحُ عِنْدَه (أي ما يبيح قتله) هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَهُوَ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْ الْكُفْرِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ ذَلِكَ لَكَانَ الدَّاخِلُ فِي الدِّينِ يَخْرُجُ مِنْهُ فَقَتْلُهُ حِفْظٌ لِأَهْلِ الدِّينِ وَلِلدِّينِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ النَّقْصِ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ (جعل الدين كمصيدة الفئران)؛ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ كِتَابِيًّا أَوْ مُشْبِهًا لَهُ فَقَدْ وُجِدَ إحْدَى غَايَتَيْ الْقِتَالِ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا: فَإِنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ فَفِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِ نِزَاعٌ فَمَتَى جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ كَانَ ذَلِكَ كَأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُ وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْ اسْتِرْقَاقُهُ وَلَا أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بَقِيَ كَافِرًا لَا مَنْفَعَةَ فِي حَيَاتِهِ لِنَفْسِهِ – لِأَنَّهُ يَزْدَادُ إثْمًا – وَلَا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَيَكُونُ قَتْلُهُ خَيْرًا مِنْ إبْقَائِهِ”

 

وفرق “ابن تيمية” بين نوعين من الردة: ردة مجردة وهي تعني الكفر أو الشرك بالله وإنكار الأديان دون الإساءة إلى النبي، وردة مغلظة وهي جمع ما سبق بالإضافة إلى الإساءة إلى النبي، فيقول في كتابه ” الصارم المسلول على شاتم الرسول” صفحة 214: ” الردة نوعان : ردة مجردة وردة مغلظة، والتوبة إنما هي مشروعة في الردة اﻟﻤﺠردة فقط دون الردة المغلظة”.

ويقول في مجموع الفتاوى، الجزء 20، صفحة 130:

“وَيُفَرَّقُ فِي الْمُرْتَدِّ بَيْنَ الرِّدَّةِ الْمُجَرَّدَةِ فَيُقْتَلُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ وَبَيْنَ الرِّدَّةِ الْمُغَلَّظَةِ فَيُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ”

أي أن من يرتد ردة مجرة يستتاب (ثلاثة أيام) وإلا قتل، أما من يرتد ردة مغلظة فلا توبة له، ويُقتل حتى وإن تاب!!!

فماذا نقول إذن في آيات القرآن التي تؤكد على أن التائب من الشرك يبدل الله سيئاته حسنات؟؟ كما جاء في سورة الفرقان: “وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًاءَ آخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَ‌ۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٲلِكَ يَلۡقَ أَثَامً۬ا (68) يُضَـٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وعَمِلَ عَمَلاً۬ صَـٰلِحً۬ا فَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَـٰتٍ۬‌ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورً۬ا رَّحِيمً۬ا (70)”

وكان كثير من المشركين يسيئون إلى النبي قبل إسلامهم، وعندما أسلموا غفر لهم النبي، لأن الإسلام يجُب ما قبله، بل أن بعضهم قد سامحهم النبي حتى قبل إسلامهم، ومنهم “سهيل بن عمرو” الذي كان دائم التعريض بالنبي، وعندما وقع أسيرًا في أيدي المسلمين في غزوة بدر، قال “عمر بن الخطاب”: “يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو (أسنانه الأمامية) حتى لا يقوم عليك خطيبا بعد اليوم”، فأجابه النبي: “لا أمثل بأحد، فيمثل الله بي، وإن كنت نبيا”، ثم اقترب من “عمر” وقال له: “يا عمر لعل سهيلاً يقف غدًا موقفًا يسرك”، وجاء ذلك اليوم عندما عزم أقوام من مكة عن الرجوع عن الإسلام بعد وفاة النبي، فوقف فيهم “سهيل” خطيبًا فثبتهم، وكان مما قاله لهم: “يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، والله إن هذا الدين ليمتد امتداد الشمس والقمر من طلوعهما إلى غروبهما في ظلام طويل”. وكان قد أسلم يوم فتح مكة، ويقول عنه “سعيد بن مسلم”: “لم يكن أحد من كبراء قريش الذين تأخر إسلامهم فأسلموا يوم الفتح، أكثر صلاة ولا صومًا ولا صدقة، ولا أقبل على ما يعينه من أمر الآخرة، من سهيل بن عمرو”.

ويقول تعالى في سورة “الحِجر”: “فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيۡنَـٰكَ ٱلۡمُسۡتَہۡزِءِينَ (٩٥) ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ‌ۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ (٩٨) وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ (٩٩)” وفيها وصاية من الله حول طريقة التعامل مع المستهزئين بالنبي، ليس من ضمنها أبدًا قتلهم، بل جاء النص واضحًا تمامًا في قوله “إِنَّا كَفَيۡنَـٰكَ ٱلۡمُسۡتَہۡزِءِينَ” بأن أمرهم إلى الله وحده.

وهكذا نلاحظ أننا لن نجد في القرآن شيئًا عن الردة المجردة والمغلظة أو أي تقسيم من نوع آخر، أم أن فتاوى “ابن تيمية” تنسخ القرآن؟؟

أما الفتوى القائلة بأن المرتد يستتاب طوال حياته فهي فتوى حديثة صادرة من الأزهر ولا علاقة لابن تيمية بها، وقد أيدها الدكتور المحترم “عبد المعطي بيومي” وهي محل جدل لأنها تخالف ما ذهب إليه جمهور العلماء.

ويمكن مراجعتها على الرابط التالي:

http://archive.aawsat.com/details.asp?article=124584&issueno=8691#.VdGy7_kXVy4

وهذا بيان للناس يوضح أن “ابن تيمية” قد ألغى التوبة، وجعل الدين بالإكراه، وأنه المرجع الأساسي لكل جماعات الدم الحالية، فنرجو أن يكف الداعون له ولمنهجه عن التدليس وتجميل صورته، أم أن أنهار الدماء المتدفقة لا تكفيهم؟

 

(Visited 399 times, 2 visits today)
عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق