الآن تقرأ
ريفيو- اللص والكلاب لنجيب محفوظ

 

بطل الرواية سعيد مهران

“ما حياته إلا امتداد لأفكار هذ الرجل..”

وهذا الرجل هو رءوف علوان

“الحقيقة العارية، جثة عفنة لا يواريها تراب، أما الآخر فقد مضى كأمس أو كأول يوم في التاريخ أو كحُب نبوية أو كولاء عليش. أنت لا تنخدع بالمظاهر فالكلام الطيِّب مَكر والابتسامة شفة تتقلص والجود حركة دفاع من أنامل اليد ولولا الحياء ما أذن لك بتجاوز العتبة. تخلقني ثم ترتد، تغير بكل بساطة فكرك بعد أن تجسد في شخصي، كي أجد نفسي ضائعًا بلا أصل وبلا قيمة وبلا أمل، خيانة لئيمة لو اندك المقطم عليها دكًا ما شُفِيَت نفسي..”

رءوف علوان هو الخدعة والخيانة في حياة سعيد مهران، سعيد الذي هرب واختبئ من أجل الانتقام، لكنه للآسف فشل، فشل في الانتقام من مثله الأعلى، مِن مَن دفعه دفعًا إلى الجريمة والإنتقام ثم تنصل منه، من قال له “المسدس أهم من الرغيف يا سعيد، المسدس أهم من حلقة الذِكر التي تجري إليها..” ليتحول سعيد -فجأة- على مدار أحداث الرواية إلى شخص مطارد، يعترف في منتصف الأحداث “أنا الشيطان نفسه“.

 

أحداث الرواية تُحكي من طرفان منسجمان تمامًا (الراوي العليم، وبطل الرواية سعيد مهران).. الراوي العليم يسرد لنا حركة وسير الأحداث وطبيعة الحاضر، ثم يتخلل السرد -ودون انزار مُسبق-كل مونولوجات سعيد الداخلية ورؤيته للأحداث المحيطة به وكلماته الانتقامية التي كان من الجيد أن اسمعها من سعيد بنفسه لا من راوي الأحداث. ستتحول عزيز القاري بمرور الوقت  -مثلي تمامًا- إلى جزء من حياة سعيد، جزء خفي منه يعرف عنه كل شيء ويُشاركه في كل صراعاته، عندما يجلس في بيت نور وحيدًا ستكون أنت شاهدًا على حياته هذه وطرف صامت في المشهد، طرف عاجز تمامًا على فعل أي شيء له، مثلي أيضًا.

باقي شخصيات الرواية (بخلاف سعيد ورءوف):

(الشيخ علي الجنيدي، نور، عليش، نبوية، سناء، المعلم طرزان.. وبعض الشخصيات الثانوية مثل صبي المعلم طرزان، أبو سعيد وأمه، والشخصان اللذان قتلهما خطأ).

 

الرموز في الشخصيات جليِّة جدًا وسهلة الإستنباط.. الدين، الشهوة، الخيانة، رفض المجتمع، العبث، السلطة، التصوّف.. كلها معانِ تجسدت في هؤلاء الشخوص وجميعهم كانوا مُسخرين من أجل حياة سعيد وكل ما يحدث له من أحداث ومصائر.. منهم من يمثل ماضي سعيد مهران، ومنهم حاضره، ومنهم قدره وحظه العاثر..

الحوار الحقيقي في الرواية هو ما كان يدور بين (سعيد والشيخ علي)، وبين (سعيد ونفسه).. لم أجد حواراته مع نور مُجدية أو بها جديد. كانت نور -عشيقته- هي أمله الوحيد في البقاء والاستمرار فيما يخطط له، كانت سند في رحلة الهروب وحائط يتكئ عليه بعد كُل عثرة، لكنه لم يكن يُطلعها على كل مونولوجاته ومخاوفه وما يخطط له، حتى مشاعره تجاهها كان بخيل فيها -إلا من بعض الكلمات القليلة المُسكِنة- ورغم ذلك لم أتعجب من اختفائها غير المفهوم في نهاية الأحداث عندما تركته وحيدًا، وما يميل عقلي لتصديقه أن “نور” لم تكن شخصية حقيقية بالفعل، ربما شخصية متخيّلة، نتاج خفيِّ لخوف وإرتباك ووحدة سعيد مهران.

 

مشكلة سعيد مهران أنه مضطرب أمام الأخلاقيات، بمعنى أنه لا يجد حرج من كونه لص، ومن كونه يمارس الزنى دون حرج، وتفكيره في القتل والانتقام بلا مباله..إلخ. حقيقته لا تصدمه ولا تُنغص عليه، لكن أفعال الآخرين تجاهه هي الشيء الحقيقي المُربك له.. الخيانة قتلته، ذبحته حقًا فاستباح بعدها فعل أي شيء، أليست الخيانة حقًا فعل قبيح ولا يقل قُبحًا وشرًا عن القتل والسرقة؟! حتى أنه عندما قتل شخصان عن طريق الخطأ لم يأسف لهما، لكنه أسف على حاله، على كونه أخطأ ولم يُصيب الهدف.. لكننا رغم ذلك ننتقل معه إلى لاوعيه، إلى أحلامه ليلاً، عندما يغط في النوم يحلم بأنه يجلد نفسه في السجن. شعوره بالذنب على كل ما فعل لا يظهر بشكل صريح، لكنه يعافر، يرفض هذا الشعور بشدة، لا يُجاهرنا به، لكنه يتجلى في اللاوعي كما يظهر بشكل خبيث ومبتور بين السطور.. “قلبك المحترق يحن إلى الظل ولكن يمعن في السير تحت قذائف الشمس” هكذا قال له الشيخ علي.

عندما شعر سعيد مهران أن نور بدأت تلاوعه في الكلام وتكذب عليه أخبرها “لا تكذبي، إن من يعاني الظلمة والوحدة والانتظار لا يطيق الكذب”..

وعندما استرجع ذكرياته مع رءوف علوان “غلبته المرارة بعد اليأس فلم يعد يُبالي شيئًا… ثم قال فيما يُشبه التحدي: ما أجمل أن ينصحنا الأغنياء بالفقر..”

وعندما نكرته ابنته ونفرت منه وابتعدت عنه شعر بالغربة الحقيقية، رأى بعينه رفض المجتمع والعالم كله له في حركتها العصبية وهي بين يديه.

**

هاجس الموت كان له عامل مؤثر في خط سير سعيد، سعيد في نهاية الأحداث -ورغم مقاومته طول فترة هروبه- استسلم للشرطة بعد أن حاصرته وانتهى به الحال إلى الهزيمة واللامبالاة.. في فترة الاختفاء كان يسكن مع نور في منزلها بالقرافة، كان يرى الموت في كل لحظة، الموت ساكن خامد ويحيط به في هدوء.. الموت يأتي صباحًا في نعش جديد وفي كل جثة جديدة ستُدفن.. كل هذا انعكس سلبي عليه، شعر بالوحدة والانقباض، ((هل حياته هذه أصلاً حياة أم أنها موت بطيء؟)) كان على أثر ذلك يهرب من المنزل -رغم خطورة الهروب- ويعود ليواجه الوحدة والموت وصور قتلاه مرة أُخرى.. “لكي يكون للحياة معنى وللموت معنى يجب أن أقتلك.. لتكن أخر غضبة أطلقها على شر هذا العالم، وكل راقد في القرافة تحت النافذة يؤذيني، ولأترك تفسير اللغز للشيخ علي الجنيدي” هكذا قالها بصراحة وثقة.

أشرت في السابق إلى الرمزية  التي استعملها محفوظ مع أبطال الرواية، وتفسير الاقتباس الأخير يُبرهن لنا إلام يقصد محفوظ بشخصية (الشيخ علي الجنيدي).. الشيخ علي الذي لم يُعنف سعيد في النهاية بعد أن ارتكب جرائمه، بل أخذ يُردد على سمعه بثبات واتزان الآية القرآنية “إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ”.

أبطال روايات نجيب محفوظ دائمًا مميزين ولا يُشبهوا أحد إلا ذواتهم، حتى الرجل العادي منهم تجد له سماته المميزة.. بطلنا هُنا مُجرم، لا يبدو على شخصيته الاضطراب أو الخلل أو عدم العقل، إنه يُشبه الظواهر الكونية التي لا تجد لها تفسير، يُثير البلبلة والاضطراب، لكنه في النهاية لا يرى أن الجريمة ستفيده في شيء.. أصبح مع الوقت لعبة في أيدي الخدع ويمضي كأشباح القبور في الظلام.. إلى اللانهاية.

معلومات:

* نجيب محفوظ استلهم شخصية “سعيد مهران” وأحداث الرواية من قصة حقيقية للسفاح المصري “محمود أمين سليمان” الذي أثار ضجّة كبيرة في أوائل الستينات حيث ارتكب العديد من الجرائم  والتي فعلها بدافع الإنتقام من خيانة زوجته، وهرب من الشرطة واختبأ في مغارة وقد عثرت الشرطة عليه عن طريق “ملابسه” التي عثروا عليها وتعرفت عليها كلاب الشرطة، فحاصرته الشرطة في المخبأ وتبادلوا إطلاق النار إلى أن قرر محمود الإستسلام وإنهاء مصيره وألقى الرصاص على نفسه.

* الرواية تحولت إلى فيلم سينمائي (إنتاج 1962) بنفس الاسم إخراج كمال الشيخ، بطولة شكري سرحان وشادية، سيناريو صبري عزت. يُمكنكم مشاهدته على الرابط التالي:

 

(Visited 539 times, 1 visits today)
عن الكاتب
آية عزت
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق