الآن تقرأ
“بودي جاردات” صالة التحرير

اطمئن، لن أكتب عنك فأنت أقل من ذلك، لكن المهنية تستحق، والصحافة تستحق، وكل من علمني حرفا في هذا الحقل يستحق، فبعد سنوات من التطلع إلى صاحبة الجلالة تجاوزت الـ 12 عاما منذ أول عمل صحفي ينشر لي في العام 2002 (برجاء تسهيل المهمة الصحفية لحامل هذه البطاقة) وحتى الآن لم تشغل بالي ظاهرة أكثر من “المديرين”، من أول المحتالين الذين طبعوا الآلاف من ورق الصحافة وهم لا يعرفون عنها شيئا، بل بالكاد هم مسوقو إعلانات وجدوا في ظل صاحبة الجلالة مرتعا لممارسة هوايتهم والجمع بين المال والجاه، وإلى غاية الموهوبين الذين أخذوا منك العمل مقابل العلم، وانتفعوا بعملهم وبعلمك.
لا حيادية في الصحافة، لا في الأخبار ولا في اختيار المديرين، هذه القاعدة يعرفها جميع الصحفيين في مصر والعالم، ولا علاقة لها بفساد إداري في الدولة بقدر ما هي “عادة” احترفها مؤسسو الصحف، فالصحيفة يجب أن تتبنى سياسة تحريرية، ويجب أن يكون لها توجه، ويجب أن يقوم على تطبيق هذا التوجه مجموعة متفقة ولو نسبيا معه، لكن هيئة التحرير يجب أن تكون “متطابقة” في التوجه، ويجب أن تكون متفقة مع رأس المال الداعم للإصدار الصحفي، سواء قومي أو مستقل، ومن هنا يبدأ الاستسهال والتسلق.

“الواد.. خلي بالك منه”
يقول العراف الذي يجلس أمام مكتب رجل الأعمال الشهير إن فلانا “ابننا”، فيفهم رجل الأعمال أن فلانا هذا يستطيع أن يفعل أي شيء يطلبه “أبوه” وإلا يعتبر ابنا عاقا مطرودh من رحمة الله، كذلك أخذ رجل الأعمال بنصيحة العراف، وكذلك ورث الابن عن أبوه، وأخذ يبحث بين مرؤوسيه عن “أبناء” يعتبرون طاعته من طاعة الله ومخالفته “عقوقا” والعياذ بالله.
لا يمكن أن يمر عليك مشهد “الأبوة” في الصحافة مرور الكرام، الأمر يعترف به الصغير قبل الكبير، لم يعد عيبا أو عارا بل “أسلوب حياة”، يبحث الأبناء عن آباء والآباء عن أبناء، وكلٌ يرضى بما قسمه الله له، لم يُقدم أب على احتواء أحد من غير أبنائه إلا إذا كان لهم آباء آخرون “واصلين”، فتبدأ لعبة “هات وخد”، أما لو لم يكن لهم آباء فتبدأ لعبة “هات وبس”، ولو جال في خاطرك أن تأخذ امتيازات على اجتهادك فلن ترى سوى بعض “الخوازيق” مختلفة الأحجام ومتعددة الأغراض حتى لا تتجاوز “عرف” المهنة مرة أخرى.
“اللي مالوش كبير بيتصرف”
في الجهة المقابلة من هذا “العرف” تجد الأبناء، الذين يسعون جاهدين للاستحواذ على مكانة لائقة في “العيلة”، فهناك الابن “المستشار” والابن “الفوريجي” والابن “الشماشرجي” وهناك من لم يرق بعد بذكائه لمكانة أكبر من الابن “البودي جارد” الذي يمكنه أن “ينهش” من يجرؤ ويقترب من “العيلة”، ولا رد مسموحا له سوى “حاضر”، هذا ليس انتقاصا منه بل هذا دوره، فقد وهبه الله مقومات أخرى غير الصحافة أهلته لشغل هذا المنصب باقتدار، ويطمئن الأب بوجوده دائما، فهو يعلم علم اليقين أنه لن “يفكر” في مخالفة الأوامر، لأنه لا “يفكر” من الأساس.
ينطلق الأبناء في السباق بمجرد ظهور “الأب”، فمنهم من يصل ومنهم من يتصل ومنهم من يحدث المزيد من الجلبة حتى يلتفت له الأب ويرى فيه مقومات أي مكانة مما سبق فيضعه فيها حتى يستفيد منه أقصى استفادة، في الغالب لا تكون القرابين “مهنية” بل “بشرية” لأنها أسهل وأرخص، فيشي ببعض زملائه ثم يدعي أنه يستطيع “تحجيم فلان” ثم يقترح بعض العقوبات المناسبة التي ينبهر بها الآباء، يكفي الأب هنا أن يقول “فلان مش عاجبني يا أبو فلان”، ودون نقاش تتبدل المعاملة ويدخل هذا الـ”فلان” في قائمة “مطلوب أخطاء له حية أو ميتة”، أو يقول “فلان ده داخل مزاجي” حتى تخرج قائمة “العشرة المبشرون بالتعيين”، ويدرج فيها اسم فلان الأخير ويتم تجهيزه للانضمام إلى “العيلة”.
أما هؤلاء الذين لا أب لهم سوى عملهم وعلمهم فعليهم أن “يتصرفوا”، والأمر ليس سهلا، لأن “العيلة” تعرف جيدا أنك متميز في عملك لكنك غير سهل الانقياد على الإطلاق، فتبدأ المفاوضات ثم الخصومات ثم المناوشات ثم الشائعات ثم الحرق بالجاز، لقد سئمناك وسئمنا صداعك المستمر، ولا كبير لك نرجع له ونقول “ربي عيالك”.

“كل اللي يجيبه ربنا كويس”
كل ما سبق لا يمت لعلوم الإدارة من قريب أو من بعيد، ولا حتى للقيادة بالفطرة أو بالغريزة، وهذا يعد من سقطات “التنمية البشرية” التي قدمت نماذج مثالية في القيادة تشبه أفلام الكارتون، بمجرد أن تتجاوز مرحلة الطفولة تشاهدها وتبتسم فقط، لكن الإدارة الحقيقية لا تصل إلى هذه الأماكن “الكبيرة”، الإدارة التي تبحث عن الكفاءات، وتضع الثواب والعقاب معا وليس الثواب المطلق للبعض و”الحرق بجاز” للباقين، الإدارة التي تبحث عن مبدعين إلى جانب الموظفين وليس عن موظفين ينفذون جميعا الأوامر، وأخشى ما أخشاه أن تتطور هذه النوعية من الإدارة الصحفية من مرحلة “الآباء” إلى مرحة “الأمهات”.

عن الكاتب
حسن معروف