الآن تقرأ
انتكاسة “دايت”

يصارع ذلك الفتى صغير السن للخروج من عنق هذا البرطمان المكدس بـ”النوتيلا” ،يصارع للتخلص من إحساس ما ربما يذكرك بمشهد يومي لك أمام المرآة ،وأنت تقاتل لارتداء بنطلون ما كان هو قياسك المثالي قبل أشهر قليلة ، أو قميص توقفت “زرايره” عن الالتقاء بعرواتها المقابلة، أو ميلك للألوان السوداء والكحلية التى يصوّر لك خيالك أنها تًبدي كرشك و أردافك اكثر “رُفعا”.

هذا الفتى هو بطل غلاف كتاب محمود زكي الأول ” برطمان نوتيلا” ..العنوان الذي اختاره بكفاءة ملخصا تصوراتنا الجمعية حول الطعام رائع المذاق، بشع العواقب.

هذا البرطمان الذي تقبع في أعماقه كل مسببات السعادة والنشوة،وهو ذات البرطمان الذي يحولك مع الوقت من شخص “لابس” هدوم لشخص “محشور جوه الهدوم”..تدخل في دائرة مفرغة من الاكتئاب وأنت في مواجهة ثلاثي الرعب ” المرآة والميزان والكاميرا”.

أوردر ماكدونالدز !

تأخذ القرار مساء كل يوم ،بعد أن تكون قد تأكدت من أنك تناوبت على كل ما في الثلاجة، وعملت “أوردر” ماكدونالدز المدجج بالدهون ،تأخذ القرار الأشهر صاحب المركز الأول في الفشل بلا منازع “بكره هبدأ دايت” وتتبعه بكثير من الطاقة لاقناع نفسك “خلاص كفاية كده أوى” ، يأتي النهار محمولا على جناحي توست سن وجبنة قريش..تستمع بعدها لـ”زقزقة عصافير” تتقافز داخل بطنك في منتصف النهار ..لا تتعامل معها بكفاءة ..تراودك نفسك فتتنتصر في البداية..و تنهار غالبا في اليوم الثالث وتنتكس.

يصحبك محمود إلى طريقه الصعب، يحفز عقلك الباطن قبل الحاضر ” فكك من طرق الريجيم اللى بتلمها من صحابك اللى عايزين يخسوا زيك ونظم الأكل المختومة بأسماء أشهر دكاترة الريجيم ومحطوطة في باك جراوند background صورة لطبق فاكهة وست ماسكة بنطلون واسع عليها”.

تستمع إليه وغالبا أنك في الوقت الحاضر قد حشدت في جعبتك أوراق برامج ريجيم الدكتور فلان الفلانى الذى نجحت صاحبتك الفلانية في انقاص 10 كيلو من وزنها معه، علاوة على اشتراكك في حوالى 6 “جروبات” لـ”الخسسان” على الفيس بوك..وتحميلك لاكثر من “أبليكيشن” لحساب السعرات على الموبايل!.

 

علبة الجبنة القريش 

ربما أكون من المحظوظات اللاتي تعرفن على المؤلف محمود زكي عن قرب في العمل ..قبل أن يصدر كتابه –الأعلى مبيعا” برطمان نوتيلا”- كان يلفت نظري ذلك الشاب القابع أمام جهاز الكومبيوتر في جدية وهدوء.. يدون ويكتب ويقرأ ..وفي الوقت الذي تدق فيه ساعة فطار الفول والطعمية والمسقعة “الغرقانين زيت وصلصة” كان محمود يفتح في سكينة علبة صغيرة من الجبن القريش المكسوة بقطع الخيار الصغيرة جدا..يتناول وجبته “الكبيرة” بالملعقة أو بكسرات زهيدة من الخبز السن، يشارك زملاءه المكدسين حول وليمة الفطار “اللى تفتح النفس”، يشاركهم بابتسامته الصافية وبقلب ودود لا يحقد على تلك اللمة الدسمة !

ولأنني وقتها كنت لا أعرفه عن قرب كنت أستمع عن نجاحه في خسارة الكثير من وزنه ،وتوقعت وقتها أن الأمر مسألة “ريجيم” والسلام، باعتباره طقس يمارسه أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية كل يوم،حتى تبدد وهمي عندما علمت بصدور كتابه الأول ” برطمان نوتيلا” –عن دار كنوز للنشر والتوزيع- وفوجئت بأن هذا الشاب الذى كان يأكل الجبن القريش-من باب الحفاظ على الرشاقة وحسب- قد فقد من وزنه نحو 50 كيلو جرام في سنة واحدة “يعني واحد تاني خرج من جسمي وروّح”!! هكذا يسخر في مقدمة كتابه..

وضع محمود بفخر مشهود صوره “قبل وبعد ” الرحلة ،كما اختار تسميتها،رحلة خصص لها جزءا مهما في كتابه، الذى يقع في 142 صفحة، استهلها بميثاق شرف يجب أن تعقده مع نفسك قبل أن تبدأ في الريجيم “الصح” عبر سبع خطوات مفصلة.

 

إسرائيليات

يدمر محمود زكي الكثير من الأوهام التى ترتبط عادة بالريجيم في فصل كامل أطلق عليه ” إسرائيليات” كإسرائيلية الخضار المسلوق والبيض المسلوق وكل ما هو “أكل عيانين” ،وأسطورة ربع الفرخة المشوية ،والفواكه الممنوعة من كل “ريجيمات الدكاترة” مما “يجعلك تشعر أن أطباء السمنة يقرأون من كتاب واحد بعنوان ” كيف تقرف نفسك؟” هكذا يسخر محمود في هذا الفصل.

يضعك الكاتب في مواجهة مع نفسك فكم مرة سمعت عن دكتور شاطر “الناس بتخس معاه” وعندما ذهبت له “مخستش”..

 

الواد التخين

علاوة على أسلوب الحكي الشيق الذى اختار محمود إتباعه ،وهو يروي لك فصولا من معاناته كطفل بدين في المدرسة عادة ما يشار إليه على أنه ” الواد التخين إللى بيقعد في آخر الفصل”،وعلاوة كذلك على الدمج الذى يورطك فيه بتفصيل ومحاكاة نفس مشاعرك التى غالبا لا تجعلك تواصل أبدا رحلتك في تحدي “نفسك الأمارة بالسوء”  ،فأظن أن من مواطن قوة “برطمان نوتيلا” إعتماد مؤلفه منحى شديد الإنسانية في مخاطبة جمهوره المستهدف ، وهو ما أشار إليه في فصل كتابه الأخير ” تجربة جروب ثيرابي” group therapy حيث التعامل مع الإدمان بشكل عام سواء للمخدرات والخمر و حتى شره الطعام باعتباره خللا سلوكيا في المقام الأول يؤدى التعامل معه بحذر وبمشاركة من “رفقائك المجهولين” إلى الوصول لنتائج شديدة الإيجابية حتى أنه يقول ” إذا أردت يوما الذهاب لطبيب للتخلص من وزنك الزائد فاذهب إلى طبيب نفسي وليس إلى طبيب ريجيم” .

استعاد محمود زكي البعد التاريخي لمجموعات الـ”جروب ثيرابي” التي بدأت في نيويورك في بداية الثلاثينيات على يد الصديقين بيل وبوب لمساعدة آخرين كانوا يعانون مثلهم من إدمان الخمور ،عن طريق جلسة يومية مدتها ساعة يحكي المدمنون في نصف الجلسة الأول عن معاناتهم من الإدمان وفي النصف الثاني يتحدث الذين أقلعوا عن مشاعرهم وكيف تخطوا تجربتهم السيئة تلك.

تحت السيطرة

هذا التداخل والتأثير المتبادل بين الشقين الطبي والسلوكي، هو ما يطرحه الكتاب بسلاسة واضحة جعلت بعض قرائه يراجعونه في فترات “انتكاسات”الدايت ،يحرصون على العودة لـ ” برطمان نوتيلا” كنوع من تحصين النفس، في تشابه ضمني بين ما تابعناه في مسلسل “تحت السيطرة” رمضان الماضي ،حيث كان أبطال العمل يتسلحون بذلك الكتاب الأزرق لرابطة المدمنين المجهولين ،وهم يواجهون رحلتهم في التعافي.

“وهنا يستقبلك المدمن السابق الذى يعرف من نظرة عينك ما تحتاجه وتتألم من أجله ووقتها سيكون أكبر داعم لك في حياتك” يقولها محمود ويُسخر نفسه لاستقبال سيل من الأسئلة والاحباطات اللانهائية على جروب بنفس اسم الكتاب على ال”فيس بوك”، يدعوك لزيارته إذا تعثرت ولم تستطع مواجهة فشلك،وفي النهاية تجد أن الأمر يتعدى مسألة التحكم في الطعام إلى حكايات بشر في مواجهة مع الصبر والكثير من “تكنيكات” السيطرة..

عن الكاتب
منى أبوالنصر
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق