الآن تقرأ
خبرني العندليب (الحلقة 11) .. القلب الصلب للدولة

لقراءة الحلقات السابقة من خبرني العندليب اضغط هنا

“سقط  النظام” بعد أسابيع من التظاهر في ميدان التحرير، ليبدأ الكاتب عمرو قناوي محاولات فهم ملامح المرحلة الانتقالية التالية كواحد من الآلاف الذين شاركوا في الثورة. يفرد الكاتب في (خبّرني العندليب) فصلا عن المرحلة الانتقالية، يتحدث فيه عن لقائه مع صديقه القديم المقرب من “القلب الصلب للدولة” على حد تعبيره. تجمع هذه المساحة شهادة ذاتية وتحليل ما جرى في المرحلة الانتقالية، بعد سقوط النظام.

 

الجمعة  11فبراير .. وسقط مبارك

تذهب لعملك ، من المترو  تلمح مسيرة متجهة للقصر الرئاسي، تبتسم في صمت،  في الطريق تقول لمجند يحرس إحدى السفارات  ( مبارك سيتنحى اليوم ) ، تباشر العمل  وتتابع مليونية الجمعة الأخيرة  وتحرك الحشود  لحصار مبارك في مصر الجديدة، يتصل بك محمد خير يقول أنه ضمن المتجهين للقصر  وإن جد أي نبأ فيجب أن أبلغه فورا ، تتصل الصديقة  هدى عياد تقول إنها في الميدان وتبحث  عنك، تخبرها أنك في العمل وتطلب منك إبلاغها إن جد  جديد  أيضا، في حدود السادسة يخرج بيان عمر سليمان الشهير،  يتصل بك محمد خير من عند القصر ليتأكد فتؤكد له الخبر، وتتصل بهدي عياد لنفس الأمر، تكاد تبكي لأنك لست في الميدان أو أمام القصر، ولا تدري  هل معرفتك المسبقة  قبلها بأكثر من عشرة أيام بقرب الإطاحة بمبارك كانت شيئا حسنا أم سيئا، أنت لم تعش مشاعر  فرحة التنحي مثلما تعيشها الجماهير  التي لم تكن تعرف شيئا مما تعرفه، تنهي العمل  في الحادية عشر ليلا، في الطريق  تلتقي المجند الذي قلت له ظهرا أن مبارك سيتنحي اليوم، تذكره بما قلته له   وتبتسمان،   تصل الميدان  للحاق بالاحتفالات الأخيرة ، تلتقي حكم وإلهام عيداروس ، تقضي الليلة هناك حتى الصباح مع المحتفلين، ومع بزوغ  الشمس تلقي  نظرة طويلة على الميدان  وترحل.

انتهى عصر مبارك  وبدأت مصر عصرا جديدا.

وعشنا أياما معدودة أشبه بالحلم، قبل أن تبدأ الأمور  في الارتباك ويختلط الحابل بالنابل،  سواء بفعل القوى المضادة  للثورة  أو بفعل  سوء الإدارة  والتخبط  من قبل المسؤولين عن الدولة ( هؤلاء المسؤولين من فضلك تذكر  أنهم ليسوا المجلس فقط ، بل معهم عصام شرف  ومنصور العيسوي) ، والأخيران تحديدا كانوا اختيارا خاطئا  بالتأكيد شريفان، لكنهما أبدا لا يصلحان  لقيادة بلد في مرحلة ثورية بكل ما تتضمنه من صراعات متوقعة، لم يكن عصام شرف هو الرجل الذي يصلح لأن يكون رجل المرحلة بأي حال من الأحوال وحتي اللحظة  لا نعلم بدقة من الذي اختاره ليصبح رئيسا للوزراء في تلك الفترة الحساسة.

سقط نظام مبارك  وأصبح جزءا من التاريخ.

 

القلب الصلب للدولة

وجمعني اللقاء الأول بالصديق بعد التنحي، تناولنا الغداء سويا  و قلت له بصوت منتش: بهدوء  بقى وواحدة  واحدة عايز أسمع منك برواقة ، اللي شفته معاك في الكام سنة دول يفوق الخيال. وفي هذه الجلسة كشف  عن هويته لأول مرة وكنت قد خمنتها طبعا  خلال أيام الثورة  الأولي، وبدأ الكلام فقال : عمر ، في مصر حاجة  اسمها ( القلب الصلب للدولة )، هذا الكيان ، مهمته باختصار  الحفاظ على الدولة  حين تهددها  أخطار حقيقية، التدخل للحفاظ على الدولة، هذا الكيان قرأ منذ  سنوات عدة أمور  / أولها  أن انفجارا  سيحدث حتما  بفعل  السياسات الاقتصادية لحكومة أحمد نظيف  / وثانيها  أن استمرار هؤلاء  سيؤدي إلى كوارث مستقبلية مدمرة للبلد.

كانت  هذه هي المرة الأولي التي أستمع فيها لمصطلح ( القلب الصلب للدولة ) والذي شاع بعد ذلك هو مصطلح آخر  ( الدولة العميقة ) ، قلت له:  حسنا ومتي كانت لحظة تدخلكم تحديدا، هل كانت يوم 25 يناير نفسه، أم في الأيام التالية؟ فأجاب بابتسامة: يوم 25يناير نفسه.

للأمانة  لا أعلم  هل تدخلهم كان في ذلك اليوم فعلا  أم أنه أراد أن يقول ذلك ، وجه المشكلة الحقيقية أنني لا أملك  سوى  تصديقه، هذا الصديق   قبل أربع سنوات من الثورة  قال لي بالحرف ما حدث  تقريبا  / تحرك  جماهيري  كبير  إنت وصحابك  جزء منه ، حتى حين قالها وقتها قالها  بنفس ترتيب  ما حدث على أرض الواقع  تنفيذيا : إنت وصحابك أولا ، وهذا ما حدث فعلا ،  الثورة فجرناها نحن  الشباب ،  وحين كتب الترتيب  وضع الأخوان في ذيل القائمة وهذا أيضا ما حدث، الإخوان آخر من التحق بالثورة  !

قلت له ، من بعد الثورة ما قامت بكام يوم ، في جملة بترن في وداني يوميا  هي اللي انت قلتلهالي من كام سنة (  حاجة كبيرة بتترتب لهم لضرب التوريث ، هيشارك فيها الآلاف ، إنت وصحابك جزء منها ، أيمن نور واللي معاه ، عيسي وجمهوره ، الإخوان ) ، الجملة  دي في دماغي كل يوم وطول الوقت  .

قال – بص يا سيدي  في حاجة اسمها ( التوقع الرشيد ) أو  (  Educated Guessing)، إللي بيحصل انك بتكون متوقع تصرف ما ، من أشخاص ما ،وبالتالي حسب المعلومات ( وهي كثيرة ) ، ووفقا لقراءة الأوضاع في مصر   طبعا كنا قاريين وعارفين إن في حاجة هتحصل ، إنفجار هيحصل ، طيب الانفجار ده  مين اللي هيحركه  ؟ هيحركه  زي ما قلتلك زمان (  إنت وصحابك ، وأيمن واللي معاه  .. إلخ )  ، وبالتالي  ماحدش كان متخطط له دور ، لكن كان فيه ( توقع رشيد ) ،  الأدوار متوقعة حسب المعلومات ووفقا للمنطق .

أضاف ، وبعد ذلك  يأتي موضوع  صناعة الحدث أو توجيه الحدث والتعامل معه ، ودي حكاية معروفة من بدري قوي قوي  ، مذاكرينها  يعني  .

قال: تنفيذيا استخدمنا نظرية  لاعب خصمك بطريقته أو استخدم نفس أدوات خصمك، قلت له أنني  لاحظت ذلك فعلا من اليوم الثاني، فضائيات مخصصة فقط لدعم الثورة  وتعطي توجيهات بكيفية مواجهة البلطجية والتعامل معهم  مقابل الفضائيات التي تؤيد النظام وتدعو للاستقرار، اتصالات من مواطنين  من القري والنجوع  والأحياء الشعبية  تؤكد مشاركتهم في جمعة الغضب  مقابل اتصالات مواطنين  تدعو للتهدئة  في القنوات الرسمية، فنانون  مؤيدون للثورة  ردا  على  الفنانيين  الذين يهاجمونها، وغيرها فعلا الكثير من التفاصيل التي  لاحظتها وقتها ولا أذكرها  الآن، أن من يلاعب النظام  يلاعبه بطريقته، الموضوع  ليس ميادين فقط، أبدا  كانت هناك أدوات أخرى تم استخدامها لإحكام الموضوع.

تذكرنا الحوارات القديمة، وقلت له:  من أكثر الأشياء التي أتذكرها جيدا  حوارنا القديم  حول أيمن نور  وحمدين ومشاركتهما في الانتخابات، وها هم

ا يستعدان فعلا لنزول الانتخابات، وكلمتك أن ( مفاتيح براءة أيمن نور  في إيد صفوت الشريف) ، وسألني بابتسامة : صفوت الشريف  فين دلوقتي ؟ أجبته : في السجن، قال : بس خلاص ، هناخد منه اللي احنا عايزينه .

 

كيف السبيل إلى المستقبل؟

وباتت القضية بعدها هي: مصر إلى أين ؟ شكل الدولة وطبيعة نظام الحكم، وكانت خطة المجلس  وفقا لما أخبرني به الصديق  عقب تنحي مبارك مباشرة، أن مجموعة  المجلس العسكري غير طامعة   في السلطة، ولكن يعنيها  عدة  معطيات  على رأسها  أن تظل مصر دولة مدنية  بالصيغة التي عاشتها طوال قرنين من الزمان، والسبيل الأمثل لضمان ذلك  في ظل التواجد الكبير للتيارات الدينية  هو  استنساخ النموذج التركي  أو أن يحتفظ  الجيش بحق التدخل أو صفة مراقب  إذا حادت الدولة عن  صيغتها المدنية   كي لا تنحرف الدولة تدريجيا إلى النموذج الإيراني او الأفغاني  أو الباكستاني  مثلا.

أسئلة كثيرة وحوارات طويلة ممتدة في كافة التفاصيل، كان أهمها بالنسبة لي  هو ما هي العوامل التي تحكم القرار السياسي الآن  فكان تعليقه أن القرارات تتخذ بحساب ( معدل المخاطر )، نحن نتخذ القرارات الأقل خطورة والأكثر أمانا للدولة، هذه مرحلة انتقالية  لابد أن تدرس قراراتك جيدا فيها قبل اتخاذ أي خطوة.

تذكرت هذه العبارة جيدا  أثناء أزمة إعلان اسم الفائز بالانتخابات الرئاسية، لو أعلن فوز احمد شفيق  بالانتخابات  فإن البلد ستشتعل  ( حتي لو كان هو الفائز  رسميا وبحسابات الأصوات )، لم تكن البلد لتتحمل  تبعات إعلان فوز شفيق  بعد أن حشد الإخوان الملايين في  الميادين.

كان التصور  وفقا لما أخبرني به الصديق  أنه يمكن للوفد أن يلعب دورا كبيرا في المرحلة القادمة  باعتباره يمثل الليبرالية المصرية العتيدة  كما أنه يمتلك أدوات الحزب الكبير، قلت له يومها أنني توقعت هذا الأمر، حكيت له قائلا: أنا لسه راجع حالا من حفل تخرج أخويا من كلية هندسة، المتحدث في الحفل  قدم أحد رموز الوفد التاريخيين  قائلا:  فلنرحب برئيس وزراء مصر القادم !  ولفتت هذه الجملة انتباهي جدا .، وفقا لكلامه أيضا كانوا يعرفون أن القوي الدينية هي الأكبر في الشارع طبعا، لكن الشارع لن يتحمل التيارات الدينية طويلا  ورأيهم أن الناس يمكن أن تنتخبهم مرة  لكنهم لن يكرروها.

كانت القناعة الأكيدة لديهم  كما أفاد أن الهدف الأسمي  هو الحفاظ على مدنية الدولة المصرية، وكانت تصريحات قادة المجلس  تؤكد نفس المعني، وفي أعقاب أحداث  كنيسة امبابة  قال الصديق  أن الأمور كلها الآن تصب في اتجاه فرض مدنية الدولة.

 

مدنية ودينية

بعدها  بعدة أيام، صرح   سامي عنان  نصا  ( مدنية الدولة المصرية خط أحمر ) ، و المؤسف أنه بدلا من التفاف القوي المدنية  المصرية  حول  هذا التصريح والتشبث به، كان الرد في الميادين ( الشعب يريد إسقاط المشير ، ويسقط يسقط حكم العسكر)، لاحظ وقتها أنه لم تكن قد  وقعت أحداث  محمد محمود  ولا ماسبيرو ولا مجلس الوزراء، ولم يكن غريبا  أن تنفرد التيارات الدينية بالمجلس العسكري بعد ذلك   وتطيح به بسهولة من موقعه، كان  يقول أن المجلس في منتهي الاستياء  والضيق، فلا أحد بجانبهم  سواء من القوي الخارجية أو الداخلية  للعبور بالدولة من أزمتها  سوي التيارات الدينية، بقايا النظام القديم  تعمل  ضد الدولة، ودول الخليج لا تريد التعاون  لأسباب غير مفهومة  ولم تمد يدها بمساعدات مالية (محدودة)  إلا بعد  وقت طويل. وقد  أشار لذلك  حازم الببلاوي  في كتابه ( أربعة شهور  في قفص الحكومة)  حيث قال  أن هذه الدول  تبنت معنا  مبدأ ( انتظر  لتعرف أين تستقر الأمور  ثم  انظر في الأمر)، كانت الدولة مأزومة ماليا  ولم تجد أحدا بجانبها، والولايات المتحدة  تتحسس الموقف ولا تريد المساعدة والتوتر المكتوم بين الجانبين كان قائما على خلفية بعض الأمور  من ضمنها قضية تمويل منظمات المجتمع المدني،  قال لي  أحد الأصدقاء  في الجيش أن العلاقة   لم تكن جيدة بين المجلس و الحكومة الأمريكية، وأن زيارة رئيس الأركان الأمريكي مارتن ديمبسي  التي  تمت في فبراير 2012 والتقي  خلالها المشير طنطاوي  وسامي عنان كانت تهدف لبحث موقف مصر من مسألة إيران وإذا ما كانت مصر لديها استعداد ( للتعاون ) في  هذا الملف، وكان رد القيادة المصرية أن الظروف لا تسمح، كما رفضت مصر أيضا  إقامة قاعدة عسكرية في ليبيا بالقرب من الحدود المصرية.

كانت معظم القوي المدنية  أيضا  تقف موقفا معاديا من المجلس أو متشككا  في أحسن الأحوال، ولم يبق بجانبهم سوى  التيارات الدينية و لم يكن هذا  ما يتمناه الجالسون في وزارة الدفاع ، ربما لا يختلف أحد على أن المرحلة الانتقالية أديرت بشكل سيء  لظروف عدة معقدة، ولكن في تقديري الشخصي  كان هناك أهداف استراتيجية  ينبغي  أن تجبر كافة القوي المدنية على الالتفاف حول المجلس في بعض المراحل، إضعاف موقف المجلس العسكري  مكّن  التيارات الدينية  بسهولة من الضغط عليه وانتزاع كافة المكاسب التي يحلمون بها  وما يفوقها أيضا ، وكان رأي صديقي  أن ما أربك الحسابات هو هذه المجموعات التي خرجت مبكرا  تنادي بإسقاط حكم العسكر، والضباط الذين اعتصموا بالميدان ، هذه الأمور  كانت السبب الاساسي   للانحراف الذي حدث في مسار المرحلة الانتقالية عما كان مخططا  له .

 

(Visited 214 times, 1 visits today)
عن الكاتب
عمر قناوي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق