الآن تقرأ
العدالة الاجتماعية: الطريق لاستكمال الثورة في مصر.. (4-5) القوى الخارجية والتنمية

لقراءة الحلقات السابقة هنا: 2، 3

غرقت مصر في الديون الخارجية والمحلية وأصبحت مدينة للعالم الخارجي بأكثر من 47 مليار دولار أي 329 مليار جنيه حتى سبتمبر 2013، هذه الحقيقة ربما تكون مدخلا توضيحيا للنتائج المآساوية التي نعيشها بفعل عمليات الاقتراض من الخارج. فقد اعتمدت مصر على المعونات الأجنبية منذ “استقلالها الوطني” في شكل منح لا ترد وقروض بفوائد على أقساط السداد، فبعد أن رفضت الولايات المتحدة الأمريكية تمويل مشروع السد العالي، اتجهت السلطة الناصرية آنذاك للاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، حتى جاء السادات للسلطة ليطرد الروس ويتحول بشكل يناسب المرحلة الجديدة من الانفتاح الاقتصادي وتحرير السوق إلى أمريكا والغرب.

“ففي أعقاب توقيع اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية عام 1979، أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، تقديم معونة اقتصادية وأخرى عسكرية سنوية لكل من مصر وإسرائيل، تحولت منذ عام 1982 إلى منح لا ترد بواقع 3 مليارات دولار لإسرائيل، و2.1 مليار دولار لمصر، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية. وتمثل المعونات الأمريكية لمصر حوالي 57% من إجمالي ما تحصل عليه من معونات ومنح دولية، من الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرهما من الدول، في الوقت الذي لا يتجاوز فيه مبلغ المعونة 2% من إجمالي الدخل القومي المصري. والتزمت مصر بشروط في المعونة أدت إلى شراء المعدات العسكرية من الولايات المتحدة، فأمريكا قدمت لمصر حوالى 7.3 مليار دولار بين أعوام1999 و2005 في إطار برنامج مساعدات التمويل العسكري الأجنبي، وأنفقت مصر خلال نفس الفترة حوالى نصف المبلغ، أي 3.8 مليار دولار لشراء معدات عسكرية ثقيلة أمريكية”.[23]

وكان انعكاس ذلك على الاقتصاد المصري بلوغ حجم الاستثمارات الأمريكية المباشرة في مصر 3 مليار دولار منها 2.3 مليار في قطاع النفط و700 مليون دولار في قطاعات الإنتاج والخدمات، حتى وصلت الاستثمارات الأمريكية في مصر إلى 33% من جملة الاستثمارات الأمريكية في الشرق الأوسط و5.2% من الاستثمارات الأجنبية في مصر، وتتوجه 45.3% من الصادرات المصرية إلى أسواق الولايات المتحدة كما تحصل على 21.2% من وارداتها من الولايات المتحدة.[24]

ووزعت المعونات الاقتصادية التي بلغ مجموعها 24.3 مليار دولار خلال الربع الأخير من القرن العشرين (1975-2000) على القطاعات أو البنود المختلفة على النحو التالي: 6.7 مليار دولار للواردات السلعية بنسبة 27.6% من الإجمالي، و5.9 مليار دولار لمشروعات البنية الأساسية شاملة مياه الري والصرف الصحي، والصحة العامة، والطاقة الكهربائية، والاتصالات والنقل، وذلك بنسبة 24.3% من الإجمالي، و4.5 مليار دولار للخدمات الأساسية كالصحة وتنظيم الأسرة والتعليم والزراعة والبيئة، وتبلغ نسبة هذا البند 18.5% من الإجمالي، و3.9 مليار دولار للمعونات الغذائية (خلال الفترة 1975 ـ 1990) بنسبة 16% من الإجمالي، و3.3 مليار دولار تحويلات نقدية ومعونات فنية في مجال إصلاح السياسات والتكيف الهيكلي كالتدريب وتقديم الاستثمارات وما إلى ذلك. وذلك بنسبة 13.5% من الإجمالي.[25]

وبعد سقوط مبارك، بدأ صندوق النقد مفاوضات مع السلطات المصرية –وقتها المجلس الأعلى للقوات المسلحة– لبدء ترتيب جديد للقروض، بعد أن كان آخر قرض مشابه تم إنهاءه في التسعينيات من القرن الماضي. في يونيه 2011، تم تخصيص قرض بحجم 3 مليارات دولار من الصندوق لمصر، وبعد تولي الرئيس مرسي السلطة في يونيه 2012، تم رفع قيمة القرض إلى 4.8 مليار دولار، ولكن لم تحصل عليه مصر حتى الآن، رغم الشروط القاسية للصندوق والمعروفة تاريخيا بإصلاح السياسات وإعادة الهيكلة الاقتصادية والتي يدفع ثمنها فقط الفقراء، حيث تمثل برامج التعديل الهيكلي التقليدية تغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة، ولها أهداف متنوعة: “زيادة مستويات الإنتاج، بالرغم من أن في المراحل الأولى، تكون الأجور المبدئية منخفضة. القضاء على الإهدار وعدم الكفاءة اثناء “ترشيد” الاقتصاد وفقا للإشارات التي يمليها توسع السوق. تحقيق درجة أعلى من الانفتاح على المنافسة الخارجية والاندماج في الاقتصاد العالمي من خلال تحرير التجارة والتحرير المالي. تعديل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والتحول في توزيع الموارد والحقوق والامتيازات نحو الفئات الاجتماعية المستفيدة من السوق. الاستجابة لاحتياجات ومصالح رؤوس الأموال الدولية ذات النفوذ القوي العالمي والمحلي، ومن بينها المؤسسات المالية الكبيرة والشركات عبر الوطنية والمنظمات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي”.[26]

هذا وقد أسفرت جولات أول رئيس الوزراء بعد الثورة عصام شرف عن الوعود بتقديم تبلغ 25 مليار دولار من عدد من الدول العربية، ولكن حتى منتصف يناير 2012 لم تحصل مصر على أية مبالغ من هذه (المنح والمعونات) سوى على (مليار دولار فقط) عباره عن (2/1مليار دولار) من السعودية في صوره معونات سلعيه بوتجاز ومنتجات بترولية و(2/1مليار دولار) نقدي من قطر.[27]

وتعد المساعدات الخليجية موضوعا مرتبطا بنظام الحكم، ففي أيام مرسي قدمت قطر حزمة أولية من المساعدات المالية لمصر بقيمة 2.5 مليار دولار، منها نصف مليار منح وملياران عبارة عن ودائع، على أن يتم تحويل جزء من الوديعة إلى منحة، ليصبح إجمالي قيمة المنح القطرية مليار دولار، بينما يتضاعف حجم الوديعة إلى أربعة مليارات دولار.[28] ولكن قطر سرعان ما طالبت برد المليارين الوديعة بعد سقوط نظام مرسي. ووقتها أعلنت ثلاث دول خليجية مساعدات تصل إلى 15.9 مليار دولار بواقع 5 مليار دولار من السعودية و6.9 مليار دولار من الإمارات و4 مليار دولار من الكويت.[29] واقتصر دور تلك المساعدات حتى الآن على المواد البترولية وضخ مبالغ في البنك المركزي ليرتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي من 14.9 مليار دولار نهاية يونيه 2013 إلى 17.1 مليار دولار نهاية يناير 2014.[30]

ومنذ انطلاق الاقراض في مصر في عام 1979، وقع بنك الاستثمار الأوروبي 70 قرضا و50 عملية مخاطر رأس المال في كل من القطاعين العام والخاص بقيمة اجمالية حوالي 5.1 مليار يورو، والاستفادة من الاستثمارات الإجمالية في حدود 20 مليار يورو. ووفقا لجمال بيومي، الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب، فقد قرر بنك الاستثمار الأوروبي إعطاء مصر 900 مليون يورو سنويا في شكل قرض. [31]

أما عن عمليات البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير في مصر فإن لديه خطة محددة تم الإعلان عنها لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مصر، ولكنه قد ذكر أيضا أنه سيعمل في إطار الخطة السياسية الاقتصادية المقدمة إليه من خلال السلطة المصرية، والتي لا نعلم عنها شيئا لأنها لم تعلن على الملأ، لا لمنظمات المجتمع المدني ولا للبرلمان ولا للجمهور بأي شكل من الأشكال.[32]

وبدون الدخول في متاهات المشروعات، وتوزيع نسب القروض عليها، لم تلعب تلك المساعدات أدوارا ذات شأن في التنمية وبالتالي قياس تأثيرها على حياة المواطنين، ويرجع ذلك إلى أن الجهات المقرضة هي من تختار بنفسها نوع المشروعات التي ستضخ فيها تلك القروض، كالطاقة وتطوير شبكة المواصلات، وهي ما تعني استفادة تلك الجهات من عوائد تلك المشروعات في صورة استثمارات جديدة، أو تعود بالنفع عليها بشكل مباشر عن طريق توجيه تلك الخدمات لصالح المستثمرين الأجانب المنتميين لبلدان تلك الجهات، دون الاهتمام بأي عائد يمس تطوير مستويات المعيشة والخدمات المقدمة للمواطنين في البلد المقترضة.[33] فعلى سبيل المثال “تعد (شراكة دوفيل) وهي مبادرة من الدول الثمانية الكبرى، وشركاء مهمين، على رأسهم صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية من أمثال البنك الأفريقي للتنمية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وصندوق النقد العربي، وبنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك الإسلامي للتنمية، وصندوق الأوبك للتنمية، والبنك الدولي، وغيرهم.. وهم اللاعبون الأساسيون في تحقيق أهداف الشراكة. فشراكة الدوفيل تصف حزم اقتصادية تتبع سياسات السوق الحر، وترى في فتح الأسواق وتحرير التجارة، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر والخصخصة والتقشف في المصروفات العامة أهدافا يجب أن تحقق من أجل الإصلاح الاقتصادي، وهي نفس السياسات التي طالما اتبعتها الدول العربية، فما كان منها إلا أن زادت من معدلات الفقر والبطالة، وأضافت للظلم الاجتماعي والتهميش أبعادا جديدة. لذا، فأهمية الدوفيل وغيرها من الأطر، سواء كانت الأوروبية أو الدولية، تكمن في تحجيمها لمساحة الاختيار وقدرة الدول على اتخاذ القرار المناسب ورسم السياسة العامة بعيدا عن الضغوط والشروط. وهكذا فهذه الأطر تتحدى محاولات التغيير التي تحاول الشعوب العربية الدفع بها منذ اشتعال شرارة ثورة تونس أواخر عام 2010″.[34]


التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق