الآن تقرأ
ثورة “البيست سيللر” أو كيف يصل الكتاب للمطبعة ؟

في واحدة من محاضرات البروفيسور مايكل ساندال أستاذ الفلسفة بجامعة هارفارد وفي كورس موجه لطلاب العلوم السياسية عرض عليهم ثلاثة مشاهد على شاشة عرض البروجيكتور، الأول لمقطع من هاملت شكسبير والثاني لجزء من المسلسل الساخر الشهير سيمبسون والثالث لمغامرة من مغامرات الكاميرا الخفية تتضمن إثارة الضحك نتيجة لتعثر أحدهم وسقوطه…

ثم وجه سؤاله للطلاب، ما هو مشهدكم الأمتع والذي تفضلون مشاهدته؟

الأغلب أشار لمسلسل سيمبسون وقلة رجحت شكسبير وطالبان فقط حبذا الكاميرا الخفية والسخرية من تعثر البعض…

بروفيسور ساندال أشاد بصدق هذين الطالبين وهو يبتسم بينما جل الطلبة يضحكون ثم سأل من جديد ” وأي المشاهد أقيم؟”

هنا أشار معظم الطلاب لهاملت شكسبير وهو ما أيده بروفيسور ساندال، هناك فارق بين القيمة والرواج، الأمتع والأقيم ولا ننسى أن النفس البشرية تميل للتبسم والسخرية من عثرات الآخرين كذلك…..

لعل جيلي من الكتاب الحاليين أكثر حظا من الجيل السابق علينا وإن مازلت أزمة الإبداع والنشر مستمرة، فقط اختلفت مدخلاتها وأسبابها وقوانينها الحاكمة…..

حكايات كثيرة وبأمثلة لا داعي لذكرها أستطيع سردها عن جيل سبقنا، بعض كتابه في قامة من تحققوا بالفعل وبعضهم قد تكون تجاربه أثرى من بعضهم ومع ذلك بقت أعمالهم حبيسة الأدراج لسنوات ولذلك تبعاته فالكاتب إنسان يتأثر نشاطه بالإكتئاب والإحباط والكتابة تحتاج لجهد وطاقة، وكثير من تلك الطاقات تم تفريغها قبل أن تتكثف وتستحيل إبداعا….

أزمة ذلك الجيل كان في صعوبة النشر، سيطر النشر الحكومي والذي تمكنت من مفاصله أسماء بعينها بل وتقنيات محددة للكتابة (مثل أسطورة كتابة اليومي والمعيش أو أسطورة كتابة الملغز وأذكر شهادة لشاعر مهم من ذلك الجيل وهو يقول أنه وعندما راجع قصيدة له كتبت في ذلك الوقت اكتشف أنه لا يفهمها)، في وقتها كانت تكاليف النشر مرتفعة ولا وجود للمطابع الصغيرة التي قد تدور لطباعة ٣٠٠ نسخة، كانت النسخ المطبوعة على الأقل في حدود ٥٠٠٠ نسخة واتسعت الفجوة بين القارئ والكاتب فتقريبا لم يعد هناك دور للنشر الخاص وتسيد المشهد النشر الحكومي والذي أدير بالمجاملات على الأغلب والذائقة الضيقة أو ربما السياسة العامة للدولة أو مهما يكون….

كانت الأزمة أزمة وصول كتابك للمطبعة ومن لا يعرف أن يكون شبكة إجتماعية وعلاقات تسانده كان مصيره النسيان التام والتهميش وتراكم الغبار على قريحته والعناكب وخيوطها وبيوتها على مخطوطاته…

مؤخرا انقلبت الآية، ظهرت ماكينات الطباعة صغيرة الحجم والتي قد تدور ل ٣٠٠ نسخة ومعها تغيرت خريطة النشر، امتلأ الأفق بدور النشر الخاصة ومعها أصبح النشر سلسا وبتكاليف أقل كثيرا، في الأغلب تستغل دور النشر رغبة الكاتب في وصول عمله للضوء وتفاوضه على أموال للطباعة كمشاركة لطباعة العمل وتحمل جزء من عبء تكاليفه وعلى الأغلب يغطي المبلغ الذي يدفعه الكاتب كل تكاليف الطباعة وربما هامش ربح للدار كذلك…..

هنا وانعكس كل شيء، باتت الأزمة في التوزيع، إنتاج الكتب بات كثيرا جدا، كثير من الكتب تتم طباعته بلا تدقيق لغوي ودون مرور على كتاب ثقاة لمراجعته أو حتى لإبداء الرأي والحكم، مع تلك الغزارة والتي لا أنكر أنها ثراء بات العثور على المتلألئ كالبحث عن مسمار في كوم قش خاصة وفي ظل غياب واضح وكبير للحركة النقدية الحقيقية وانفصال ضخم بين النقد والتلقي والإبداع….

وباتت هناك قناعة لدى دور النشر أن توزيع الكاتب قد يكون من خلال صفحته على الفيس بوك وشبكة أصدقاء العالم الافتراضي وباتت كثير من تلك الدور لا تسعى إلا لذلك، طبعة محدودة يتم توزيعها بين معارف الفيس بوك للكاتب….

أمام ذلك الرواج الضيق والمصطنع عاد النشر ليصبح مشروعا مربحا ومعه انتشرت دور نشر أكثر ومكتبات وحفلات توقيع وحياة كاملة أتمنى أن تفرز يوما غثها وسمينها بعيدا عن مظهرية تغيير صور البروفايل بيكتشر أو حفلات عيد ميلاد الكتب الوليدة….

وفي سياق آخر وإتجاه ربما فرضته العولمة أو رغبة دور النشر الكبيرة في الاحتفاظ بخطوة أسبق، تم استحداث مصطلح البيست سيللر وهي طريقة وإن ادعت احترامها لقرار القراء والترويج لذائقتهم إلا أنها تحمل من المثالب ما يحط منها كثيرا ويجعل منها ربما سلاحا ضد الكتابة الجيدة وخاصة أنها الطريقة الوحيدة ربما لتقييم الكتب بين القراء لننقل مصطلح الفيلم الجماهيري والمسرح الجماهير ليصبح الكتاب الجماهيري، فالرواج لا يعني القيمة ولكنه مع غياب الحركة النقدية أو تغييبها اختلط الأمران….

لا أنكر أن البيست سيللر قد نفس كثير من الحياة في قلب المشهد الثقافي لكنه يشبه رواج أسواق المال دون رواج مقابل في الإنتاج مما يؤدي إلى ما أسماه الإقتصاديون يوما بالفقاعة، أموال كثيرة وثروات لكن بلا ناتج أمامها وبالتالي بلا قيمة حقيقية…..

هذا إن حاكمنا المصطلح من حيث القيمة، أما إن حاكمناه من حيث الآلية والإجراء فحدث ولا حرج….

شراء الكتب مثل أي شراء يشبه العدوى والزن ع الودان أمر من السحر، يحكى في واحدة من أشهر الأساطير المدنية لوسط البلد أن كاتبا ما في أول هذه الألفية كانت له رواية ضعيفة حاول نشرها مرارا دون جدوى حتى وافق ناشر معروف وبعد إلحاح ولأجل الصداقة على نشرها له على حساب الكاتب الخاص وعليه أن يتولى هو أي الكاتب توزيعها، حمل الكاتب النسخ إلى مكتبة في وسط البلد وأوصى أصدقاءه بشرائها وبالفعل بيعت الطبعة كلها في أقل من أسبوع وكانت ضجة ومطالبات من المكتبات بطبعة ثانية وهو ما كان وتتابعت الطبعات بل وبيعت حقوق الطبع لواحدة من كبريات دور النشر في مصر….

هذه الرواية بالنسبة لسوق النشر كانت كفيلم إسماعيلية رايح جاي بالنسبة للسينما، بداية أفق جديد ونوع هزلي من الرواج والقيمة ومتنفس كنافذة مرسومة على الحائط ولكنها أبدا لا تفتح…..

لو أنت من متابعي الكتب ستتعجب جدا من بعض الكتب التي تصل لقوائم البيست سيللر وخصوصا أن ما يكتب كمثيل كثير جدا فلماذا يحظى البعض بالرواج ولا يحظى البعض الآخر رغم أن القيمة والتقنية والفكرة واحدة على الأغلب وهو ما يطرح تساؤلا حول قدرة بعض دور النشر على تحويل أي كتاب لبيست سيللر ولنذكر إعلانات رواية حديثة لداعية إسلامي كانت تملأ بانرات الإعلان في الكورنيش والمهندسين ومصر الجديدة…..

أؤمن أنه لا يوجد نظام مثالي لكن النشر والرواج والتقييم والنقد والقراءة في مصر هي فوضى تامة، يكفيك أن تحاول حضور أي مناقشة لكتاب لتشهد الكثير من المأسي في كثير من الأحيان، النقاد يتعللون بأنه ليس لهم أن يقولوا آراءهم بدعوى أن النقد العلمي يفتح آفاق تلقي العمل لكنه لا يصدر حكم قيمة فتجدهم يهيمون في تراهات فكرية وتأويلات كثيرا ما تكون غريبة حتى لا يعطون رأيا مباشرا قد يفسد قضايا الود بين الكاتب وصديقه الناقد ويعمون على المتلقي ويتخلون عن دورهم في تعريف القيمة وترويجها….

مؤخرا ظهرت محاولة للحراك تحت مسمى ثورة التصحيح الأدبي واتخذت من الفيس بوك متنفسا ونقطة ارتكاز لها وبدأت في مناقشة هذه القضايا لكنها انحرفت ربما دون وعي لصراعات صغيرة وذلك ربما لأن الشيطان يكمن في التفاصيل، الحركة تخلت عن القضايا الكبرى وبدأت في محاكمة دور النشر وكأن هدف تطوير الحياة الأدبية في الترويج لتجربة البعض أو التشهير بتجارب البعض وهو ما قد يعكس حال المنافسة والذي تحول من صناعة المعرفة والكاتب والكتاب إلى منافسة على السبوبة، هو إنحراف ربما لم يكن مقصودا لكنه يعكس ما يعتمل في نفوس مجتمع الناشرين المتناحرين على سبوبة النشر بمفهومها الرأسمالي الضيق بعيدا عن الدور المعرفي لصناعة الثقافة وهو أمر متوقع وبخاصة أن جل دور النشر تلك هي عبارة عن مشاريع متوسطة لتدوير الأموال دون فكر مؤسسي حقيقي يرسخ للقيمة ويحقق أرباحا مادية ومعنوية في ذات الوقت وإلى حد كبير لا أستثني أحدا….

أعتقد أن الإصلاح سيكون بالترويج للجيد، على كل مثقف أن يشير للكتاب الجيد وللكتابة الجيدة وأن يرشحها لجمهوره وعلى كل مثقف أن يتداخل مع الناس وينزل من برجه العاجي ويوسع من دائرة تأثيره، ساعتها ربما تطرد العملة الجيدة الرديئة وتقف حركة ثقافية حقيقية أمام تسونامي الرواج بمفهومه التسويقي البحت وأمام الإدعاء والمجاملات…..

أشيدوا بالجيد واكتبوا عنه واملؤوا العالم بالترويج له ورشحوه لجمهوركم وتجاهلوا القبيح أو قولوا رأيكم فيه باقتضاب وصراحة ودون شبهات تشهير….

فقط ربما علينا أن نقف أمام مرايا أنفسنا وننظر إلينا بعين الحقيقة، ونتحدث عن الأجمل ونحاول أن نكونه، ربما ساعتها قد تنصلح أشياء.

(Visited 121 times, 1 visits today)
عن الكاتب
أحمد سمير سعد