الآن تقرأ
ريفيو -على فِراش فرويد.. صوت لا يشبه نسائنا في شيء

-هذا كل ما حدث، أترى، ليس هناك شيء له علاقة بما حلمته بالأمس.
-هل قلتِ إن عطر زياد كان قريباً منكِ جداً؟.
-نعم.
-وإذا كان عطره قريباً فهذا يعني أن حضنه كان قريباً، وحتماً رغبتِ في أن يحتضنك حينها.
-بالطبع لا، ثم إننا نتكلم الآن عن حلم، ما علاقة زياد بالحلم الذي جاءت فيه هدى؟.
-هدى جاءت في الحلم كقناع لرغباتك الأخرى، أنتِ لم ترغبي في هدى، بل رغبتِ في فعل ذلك مع زياد، لكن شعورك فرض رقابة على عقلك الباطن في أثناء نومك، فلم يتمكن اللاشعور لديكِ من الإفصاح عن رغبته في فعل ذلك مع زياد إلا عبر هدى.
(مقطع من رواية على فراش فرويد)
***
بإمكانك بمنتهى السهولة حينما تسمع عن رواية جديدة بالمكتبات لمؤلفة عربية أن تخمن عما تدور. فلطالما كانت السطور أحد المنافذ الشرعية الباقية لمشاعر المرأة بمجتمعنا الشرقي. لكن أن تجد كتاباً يعري المرأة تماماً فيبدو لك الأمر كأنك بجلسة سمر لفتيات بمعسكر ما أو كأنك في غرفة مظلمة يلتصق جسدك بآخر لفتاة تمارس العادة السرية، فهو أمر حتماً لن يحدث كل يوم أو حتى كل عام.
لكنه بالضبط ما فعلته نهلة كرم الروائية الشابة المصرية بروايتها “على فراش فرويد” التي لا تعد مجرد عمل إبداعي بقدر ما هي حدث جلل يستحق الضواء، ليس فقط لإعطاءه حقه بل لدعم الفكرة التي تريد المؤلفة أن تصرخ بها في كل منزل “اتركوا بناتكم يحبون، يكتبون، يخطأون.. دعوهن يعرفون الحياة بعيداً عن مخاوفكم وخطوطكم الحمراء”.
تدور الرواية حول نورا الصحفية والعاملة بإحدى شركات بحوث التسويق، وهي التي تسرد الأحداث دوماً مهتمة بصديقتها مريم التي تمر بسيناريوهات إن كشفت عن شيء فهو ارتطام المؤلفة بعوالم الفتيات ببلدنا من علاقات مع رجال يفوقهن سناً بفارق كبير، إلى المازوخية التي قد تدفع إحداهن لأن تسمح لرجلها بأن يهينها في الفراش ويضربها ويعاملها تماماً كعاهرة، إلى نذالة رجل قد تؤدي إلى أن ترمي حبيبته نفسها في حضن غريب لا لشيء إلا للانتقام. أما نورا فهي الأخرى تعاني من بعض الأمور مثل أنها كعديد من الفتيات ترتدي الحجاب عنوة ولم تجد حتى الآن الرجل الذي يشعرها بأنوثتها، الأمر الذي يجعلها تلجأ إلى قناع الطفولة طالما لا تستطيع أن تكون إمرأة.
لم تكتف نهلة فقط بسبر أغوار البطلتين بل توجت عملها بجرعة تحليل نفسي تدل بفجاجة على هوسها بهذه المنطقة من قبل حتى أن تشرع في كتابة الرواية. فهي مثلا توضح كيف يمكنك أن تمتص اللذة من أحدهم كأنك أنت من حصدتها، وهو ما تفعله نورا مع مريم صديقتها، حينما تكون الأخيرة في علاقة جنسية بإمكان الأولى الشعور بكل شيء كأنها هي من في الفراش. وتكشف أيضاً مكنونات الفتيات اللواتي يردّدن من وقت لآخر مواعظ عن الحجاب والعلاقات.. إلخ وكيف أن كل ذلك ما هو إلا رد فعل لرغبتهن في فعل ذلك الشيء المُحرم بعينه.
الرواية تبدأ بسلاسة ثم كقطار الملاهي حينما ينزلق من فوق منحدر، تأخذك دفعة واحدة إلى مناطق متشابكة ومعقدة لكنها واضحة جداً وتحسها الكاتبة لدرجة جعلتني في أحيان كثيرة أشعر أن الفتاتين ما هما إلا نهلة وقد انشطرت إلى نصفين. لجأت أيضاً الروائية أحياناً إلى استخدام نفس الألفاظ الدارجة بين الفتيات أو بين الرجل وعشيقته فوق الفراش مثل “لبؤة، شرموطة” وقد منح ذلك نصها التصاقاً أكثر بشخصياته.
هناك نقطة أخيرة لفتت نظري أثناء القراءة، الرواية في الوسط الأدبي نالت قدرها وقد احتفى بها كبار الكتاب كصنع الله إبراهيم ومكاوي سعيد وكتب عنها عدد من النقاد مثل محمود عبد الشكور عبر صفحاتهم لكنها على المستوى التجاري لم تأخذ حقها الكافي، كتب أقل جمالاً وعمقاً منها تثير ضجة عنها وتلفت الأنظار بشكل سخيف. لذلك أدعوكم بكل ثقة أن تتطلعوا عليها وتستمعوا بجرأتها التي ربما لا تتكرر إذا لم نشجعها كتجربة. وربما لو تحليتم بقدر من الشجاعة ستسمحون لبناتكم أيضاً بقراءتها.
***
بالأمس حين بلغت نشوتنا مداها لم تتركني وتشعل بدلاً مني سيجارة، لكنك ارتميت بين أحضاني وبكيت بكاء لم أتوقعه منك (مقطع من الرواية).

نهلة كرم مواليد 1989 تخرجت في كلية الإعلام جامعة القاهرة 2010 وأتت “على فراش فرويد” بعد مجموعتها القصصية “أن تكون معلقاً في الهواء” 2012. يُذكر أيضاً أنها اُختيرت للمشاركة بورشة جوتة لكتابة القصة القصيرة ومن ثم أهلتها قصتها “حكاية من الصفوف الخلفية” لحضور معرض فرانكفورت للكتاب 2014.

 

 

(Visited 288 times, 1 visits today)
عن الكاتب
مارك أمجد
مارك أمجد مؤلف وصحفي مصري مواليد الإسكندرية ١٩٩٤ يدرس بكلية الإعلام-جامعة القاهرة. حصل على عدة جوائز أدبية آخرها المركز الثالث على مستوى الجمهورية بمسابقة وزارة الثقافة عن قصته "شي غابي". من أعماله " أنت تكرهني لأننا واحد" الحائزة على منحة مؤسسة KFW الألمانية، و"أحلى من الشوكولاتة" و"كأن الإله عصفور".