الآن تقرأ
أن تكون صحفي منوعات !

“ده إنت منوعات” بلهجة ساخرة تهكمية واستنكارية أسمعها تتكرر مرات من زملاء لي يشاركوني نفس الثقافة ويقاسموني أعباء المهنة ذاتها لكن يمارسون التصنيف بين بعضهم البعض وكأن صحفي المنوعات أو المجتمع أو الفيتشرات أو سمه صحفي الهلس إن شئت هو تخصص معيب ينبغي إزالته من الصحافة.

أن تكون صحفي منوعات يعني أن تعاني تمييزا من الزملاء المحيطين بك على أساس الملف الذي تقوم بتغطيته ففي المرتبة الأولى نجد محرري السياسة ثم الأخبار ثم التحقيقات ثم الفن والرياضة إلى أن تختم بالمنوعات هذا إن تذكروها والسبب “ده انتوا منوعات يعني هلس”.

أن تكون صحفي منوعات يعني أن تتعرض لمتاعب ومشاق لا يعلم عنها زملائك في الملف السياسي أو التحقيقات شيئا بحجة أنك صحفي “الحاجات الخفيفة واللايت” يعني مفيش تعب ولا وصول لمعلومة، نحن نعاني مثلما تعاني حضرتك وأكثر أثناء عملنا ومهمة البحث عن اللقطة الفريدة والمميزة والتي تدفع حضرتك لعمل”شيير” لها من مواقع عربية وأجنبية وأنت لا تعرف أن نوع الموضوع الذي أعجبك وتهلل له ولتميزه هو من نوعية “المنوعات” التي رفضتها مسبقا وتهكمت منها.

الفيتشر فيه لعنة تصيب من يعجب به فالكتابة لهذا اللون ينبغي ألا تكون تقليدية والتناول جديد ومثير وشيق حيث يعتمد الفيتشر على نقل حدث مختلف وغريب ولقطة غريبة لا تتواءم مع الحدث الجاري أو المتابعة المتعمقة للسوشيال ميديا.

أن تكون صحفي منوعات يعني أن تجوب مصر من شمالها لجنوبها وشرقها وغربها بحثا عن المجانين والمبادرين والطامحين والمميزين، بحثا عن شئ إيجابي ومميز وفريد كمبادرة ناجحة لمجموعة شباب بدءوا من أسفل سافلين الصفر ليتحقق لهم النجاح كأن تسافر سيناء أو مطروح من أجل سيدة عجوز بالكاد تسمعك وتسمعها تحدثك على عملها بالنجارة أو الكهرباء وكأن تسافر للأقصر لعمل حديث صحفي مع الحاجة صيصة التي تخفت في زي رجل لأربعين عاما، أو المنيا للقاء “الميكانيكية لقاء الخولي” أو تستخرج من الأحداث الجارية شيئا مميزا يقدم خدمة المعلومة الفريدة والممتعة والشيقة.

عملنا كصحفيي منوعات يبتعد حقا عن معاناة صحفيي السياسية من التماس مع قضايا الأمن القومي والتهديد المستمر لهم بالقضايا والاتهامات بالتكذيب لكننا نعتبر معاناة الحاجة صيصة وأسرة لقاء وأم سيد سواقة الميكروباص وغيرها وغيرهن وغيرهم العشرات والمئات من القصص الانسانية الناجحة هي قضايا أمن قومي أو قضايا تحقق الأمن القومي أن هناك مواطنين مصريين تمكنوا من تحدي الظروف ونجحوا في كسر تابوهات اجتماعية عقيمة مدمرة على أساس التمييز باللون أو الجنس.

أن تكون صحفي منوعات يعني أن تمكث أسابيعا بل أحيانا شهورا لا تجد موضوعا واحدا يستحق الكتابة والنشر ويستفز فيك الحس الصحفي المنوعاتي لتدرك أنه لقطة فريدة وغريبة ومميزة وشيقة تستحق القراءة إلى أن تتكعبل فيه قدرا ربما أثناء جلوسك على القهوة أو في الأسانسير أو ركوبك الميكروباص من حديث عابر بين اتنين ركاب مزعجين.

أن تكون صحفي منوعات يعني أن تمشي على طراطيف صوابعك أثناء تصفحك الفيسبوك وتويتر حتى لا تضطر لضغط إعجاب بصفحة استفزتك أو مبادرة أو قصة أنسانية حتى تتأكد أن لك السبق في نشرها وأن مجهودك سيكلل بالنجاح والنشر وأن تستخدم خاصية “share only me” على الفيس بوك للاحتفاظ بالبوست الذي تراه لقطتك المناسبة القادمة.

أن تكون صحفي منوعات يعني أن تقرأ “عدية ياسين” وكل ما تيسر لك من القرآن أثناء العمل في مؤسسة صحفية سواء موقع أو صحيفة ورقية حينما ترسل لهم فيتشر فلا يتفهمون طبيعته ويتم تحويله إلى إحدى الصور الصحفية الأخرى كتقرير أو خبر أو يتم رفضه من الأساس بحجة “ده منوعات لا مش وقته اركنه شوية” ولا يعلمون أن للمنوعات نفس الأسبقية للأخبار السياسية والفنية أو الرياضية أو أو أو..

أن تكون صحفي منوعات يعني أن يكون لك طقوسك الخاصة في البحث عن الموضوعات بعد أن وفقك الله في إيجاد الصندوق الذي صدعوك به حتى تفكر خارجه بينما الآخرون متمسكون به، وتكره الزن والإلحاح من رؤسائك وكأنك ترقد ليل نهار على لقطات مميزة وموضوعات فريدة وفي الأغلب صحفي المنوعات لا يبحث عن اللقطة بل هي التي تبحث عنه.

أن تكون صحفي منوعات يعني أن يكون لك طقوس لا يستهان بها أثناء الكتابة، عايش في كوكبك الخاص، فصحفي المنوعات صحفي مزجانجي يوصف أحيانا “بالمجنون” أو الغريب، يكتب في الأغلب وهو خالع الجزمة وممدا على ظهره حاضنا الكمبيوتر مغلقا كل وسائل الاتصال به مع حتة مزيكا مجنونة تشبهه تماما تتسم أحيانا بالهدوء حتى النوم ثم تعلو حتى الهيبرة بالإضافة لماج نيسكافيه .

أن تكون صحفي منوعات يعني أن تصارع ليل نهار فكرة “الكم” التي هوست المواقع الصحفية الحديثة متمسكا بفكرتك عن “الكيّف” والمادة التي تقدمها ولونك الذي تحبه وتفضله في العمل الصحفي “المنوعات” ثم تجد نفسك محاصرا ومجبرا للانصياع لسياسية الكم بعد إنخفاض الأصوات المنادية في الصحافة بالمصرية بسياسية “الكيف” أو اللقطة وتجد التقدير الجيد من المواقع والمؤسسات الصحفية العربية والأجنبية التي تلقى موضوعاتها اعجاب زميلك أو مديرك الذي يرفض عملك “المنوعاتي”.

أن تكون صحفي منوعات يعني أن تقبل بملاليم وتمييز بين زملائك ومن زملائك ورؤسائك تقبل ذلك كله من أجل عملك الذي تعلم أنت وحدك أنه مميز وأن تتحسر يوما على مجهود مهدر وأن يكون لديك فولدر باسم “موضوعات لم تنشر” ثم يتعجب مدرائك كيف نجحت مواقع مثل كسرة ورصيف 22 وجلوكال وغيرها.

 

 

 

عن الكاتب
إيناس كمال