الآن تقرأ
القاهرة ..ناصية حلم “كاذبة خاطئة” (1-2) .. ملف الكحرتة

 

الخطوة في القاهرة مثقلة بأحلام مؤجلة، زحام الشوارع، وجوه الناس، بؤس الأماكن العالقة على حواف التاريخ، دخان السيارات الذي يسحق براءة القادمين من الريف، القامات المطبوعة في عقولنا، كل شيء يهوي في بداية المعترك، مباديء القرية، أو أقنعة المدينة..والاختبار عرض مكرر يوميًا..

(1)

يشرع سكرتير المكتب في النداء على راغبي العمل بوظيفة “مندوب تسويق”، يتأهب الجميع للمقابلة، في الغرفة التي تقع بنهاية الممر يجلس مدير المركز، واللقاء يستمر في المطلق خمس دقائق، ..بينما يتقاسم الزملاء حديثًا حول “المؤهل الجامعي”، ممهورًا بالحسرة على مآلات العمل.

يخرج “هاني”- الذي صادر صديقًا مقربًا فيما بعد- فيسأل الزملاء: قال لك  إيه ؟..، يبتسم ابتسامة الواثق، ويخبرنا بأن ثمة أسئلة حول المؤهل، وأسباب قبول العمل كـ”مندوب تسويق”، فيخر سقف الحلم على رأسي، واتذكر للحظات ضرورة إقصاء الشعر من الحياة، والسير خلف “لقمة عيش”..في أطفيح لا يفقه الناس سوى قاعدة واحدة ” اطلع هات قرش وخلاص”، فلا ناصية حلم من الأساس حتى تقف، فضلًا عن المغامرة.

(2)

إزاي يبقى معاك تجارة خارجية، وتقبل بشغل زي ده ؟..يسأل المدير ذو السحنة المقززة، فأخبره : أن أبي ليس سفيرًا، وأني لا أملك فرصة اختيار-لاعتبارات أسرية-، يستطرد : ” ومالك محبط كده !”..فاسترسل : عادي يعني، أنا جاي عشان أقبض أي حاجة آخر الشهر، أيًا كان الشغل”!..فيؤمرني بالانصراف، مع العودة في اجتماع عصر غدٍ الأحد ..

أما سماح فكانت وجهًا ملائكيًا، كالندى على رصيف القاهرة، تسرُّ قهرها في نفسها، وتبد طوال الوقت ابتسامةً عطفًا على عبارة مكررة “متقلقش يا شاعر”!

(3)

 

“لازم تقنع العميل، بأي طريقة، إذا هو لم يشتر منك، فتأكد أنك فاشل”-كانت هذه توصيات الاجتماع، بعدها انصرف المدير- متجهم الوجه-، تاركًا شرح تفاصيل العمل لـ”صبيّه” أشرف- مدير المبيعات-، و”أشرف” لا يعنيه بأي وسيلة تروّج سلعتك-الأهم أن يحدث البيع-أي بيع !

مبنى المبيعات منفصلٌ تمامًا عن الإدارة، والمبنى به مكتبين أحدهما لـ”أشرف”، والآخر لـ”أمير”، ونحن في انتظار التقسيم لـمجموعتين متنافستين، بعد آداء تمثيلي في كيفية عرض “كتب القانون” على المحامين، صباحًا بـ”المحاكم”، ومساءً بـ”المكاتب”..ولا مفر من التمثيل، أو الطرد المبكر من العمل.

سألنا عن المرتب، فأجاب : 150 جنيهًا، ونسبة على المبيعات، شرط ألا تقل عن 15 موسوعة شهريًا، إلى جانب “الكتب المنفردة”..

(3)

الإثنين صباحًا، التقيت “هاني” ذو الوجه المبتسم دائمًا، والروح المصرية الخفيفة، قلت له : “هنعمل إيه ياعم في الزفت ده”..، قال : سيبها على الله، واعمل زي ما قالك أشرف”..

تجولت في أروقة محكمة جنوب القاهرة، كلما قابلت “محاميًا” يتصبب وجهي خجلًا، فأعرض عنه، وأبصر على الجانب الآخر تجول زميلي من محام إلى آخر، دون نتائج، قررت وقتها ارتداء ثواب “البائع”، ونجحت في خامس محاولة، من تسويق “موسوعة قانون جنائي”، وقال المحام “انتظرك ليلًا”.

في المكتب أخبرني “أمير”-مشرف المبيعات- أن الموسوعة 12 مجلدًا، وأني سأحملها بمفردي، فلعنت أيام الجامعة وما صاحبها من أحلام بائسة، وقلت لهاني ” تعالى شيل معايا، وخد نص الفلوس”..وافق على الفور.

من ميدان عابدين إلى شارع فيصل، حملنا الكتب على أكتافنا، في الطريق كنت أرقب لافتات الأطباء، والمحامين، فتتباعد أحلام الاستقرار على أي وضع، -كانت اللافتات تمثل لي راحة التحقق في أمنيات إرادية المنشأ-، يقطعني هاني ” ياعم امشي شوية، عايزين نلحق الراجل”.

(4)

ذات يوم دخلت مكتب محام ليلًا، وبدأت في ترديد العبارات المكررة “أنا فلان من مركز …… للإصدارات القانونية، معايا عروض ..”، لم أكمل عبارتي، حتى انفعل قائلًا: اطلع برة، بطلوا شحاتة بقى، ما تتنيل تشتغل أي حاجة زي الناس”..!

مرّ الشهر الأول، وفوجئت بأني حققت أعلى المبيعات، من بين 16 زميل، اجتمع بنا المدير-كالح الوجه-، شكرني ابتداءً، ودعاني لعرض طريقة تعاملي مع العملاء، والتي نجحت بها في كسر “التارجت” المقرر، قلت له :” معنديش طريقة، أنا بركب الأتوبيس الصبح من فيصل، والمسافة لحد محكمة جنوب بتاخد 25 دقيقة، اقرأ خلالها جزءًا من القرآن، وادع الله بعدها أن يرحم ضعفي، وخجلي من الناس”، ضحك زملائي ، وانفعل بشدة، وصب غضبه على رأسي، قائلًا:” أنت بتستظرف، إيه الدروشة دي يا جدع إنت “..واخترت الصمت حيث لابديل آخر.

كان هاني بلغة السوق وقتها “واد أدارجي”، وكان يسألني دائمًا :”نفسي أعرف إنت بتعمل لهم إيه، عشان يشتروا”.

(5)

6 أشهر كاملة، لم تزد مصاريف اليوم عن “جنيهان”، أحدهما لـ”السجائر”، والآخر لـ” سندوتشات الفول”، وما دونه رفاهية، تأت متقطعة.

مبكرًا في يوم ما عدت إلى المكتب، يجلس أشرف –مدير المبيعات-على اليمين كعادته، أما أمير فكان مكتبه المقابل مغلقًا دائمًا، طرقت الباب مرةً واحدة، ودخلت، تبدلت ملامحه، و”نهى”-إحدى الزميلات-تجلس واضعة قدم على قدم-، سألتني بغرابة: إنت مالك يا عبدالوهاب واخدها جد كده؟!

سألت سماح بعد عودتها، -هو أشرف ده شغال إيه بالضبط؟، وإيه قصة أمير ونهى؟، فابتسمت بخجل شديد، وقالت : إحنا لازم نمشي ياعبدالوهاب، وأنت بالتحديد !”.

مساء هذا اليوم، كنت على موعد مع مكتب استشارات قانونية بالمعادي، “الأوردر”موسوعتين-20مجلدًا-تقريبًا، وكانت “فاطمة” زميلة مستجدة بالمكان، فطلب منها أشرف مساعدتي، وابتسم قائلًا:” فاطمة هتنزل لك الضغط، خد بالك”.

(6)

ذهبنا، وفي يقيني أن هذا هو المشوار الأخير، إلى هناك في أبراج عثمان، استقبلتنا السكرتيرة، وجاء المحام لتوقيع الإيصالات، حسبنا التكلفة، وأثناء الحساب سبّني الرجل بحدة، فانفعلت، فطردني من مكتبه، حاولت السكرتيرة تهدئة الموقف دون جدوى، أما فاطمة فحزنت على “البقشيش” المنتظر.

الصحافة أيضًا كانت حاضرة، طوال الوقت، ليلًا تحت كوبري فيصل، كان “رجب” البائع القعيد، يذهب بعد منتصف الليل لإحضار الصحف من أول شارع الهرم، وأنا كنت أود قراءتها كلّها دون مقابل، فاقترح أن أساعده، وأعبر الطريق لحمل الجرائد، حتى أضعها على “كرسيّه المتحرك”، وأدفعه من الخلف للعودة، مقابل قراءة الصحف كلها في سكني حتى الصباح، كررت ذلك 3 أشهر متواصلة، وكنت أمارس دور بائع الصحف، حين يغلبه النوم.

كذلك سلكت طريقي نحو الصحافة، تحت وطأة يقين راسخ في بلدي، وأذهان عائلتي “مبتوكلش عيش”.

نواصل لاحقًا إن شاء الله

 

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق