الآن تقرأ
ديمقراطية الفيس بوك

كان أفلاطون قد تضرر نفسيا جدا من هزيمة أثينا الديمقراطية أمام أسبرطة العسكرية ولذلك فقد أمضى جزء كبيرا من عمره يبشر بفشل الديمقراطية، مع العلم أن ديمقراطية أثينا لم تكن كديمقراطيات هذه الأيام تختفي خلف نواب الشعب وممثلين عنه قد يحسنون تمثيله مرة وتغلبهم المصالح أو الأهواء مرات، كانت ديمقراطية أثينا ديمقراطية مباشرة، كل الشعب ممثل في البرلمان أو في القضاء أو الحكومة وهم يتبادلون هذه المواقع فيما بينهم، قامت على فكرة أن المواطن الأثيني الحر يصلح لشغل أي منصب والقرارات هي قرارات جمعية، تحددها وتشرف على تنفيذها كل المدينة. صورة حالمة لم تتكرر منذ أثينا وانهزمت في مواجهة مباشرة مع أسبرطة التي لم تعرف إلا الجندية ونظام الجيش.

أمام هذه الهزيمة المدوية لأثينا الديمقراطية كفر أفلاطون بالديمقراطية واعتقد في الديكتاتور العادل وربما كان أول من بشر بهذه الفكرة، حاكم مطلق مفكر وفيلسوف ينشيء مدينة فاضلة عادلة، لا تتسع لمجون الشعراء أو لوساطات قد يفرضها الدم أو القرابة أو حتى الأسرة وربما من يقرأ عن المدينة الفاضلة سيشعر مثلي أننا أمام أول نموذج شمولي حدث به إنسان إلا أن جهوده في صناعة ذلك الديكتاتور العادل قد باءت بفشل ذريع…. فالديكتاتورية والعدل لم يستقيما معا يوما.

حاول أرسطو تصحيح مسار الفكرة فأشار إلى أنه لا يجب أن تكون المدينة ديمقراطية وكفى فالإيغال في الديمقراطية يؤدي للديماجوجية والفوضى وتصبح الأحكام الجمعية عن غير تعقل وغير مبنية على أساس سوى حدس وعواطف ومعلومات مغلوطة، لكن حكم القلة الأرستقراطية في ذلك الوقت لا يصلح فالقلة صاحبة المصالح، متى انفردت بالحكم تلاعبت به لصالحها وكذلك الديكتاتورية وحاول أن يوفق بين هذه الأنظمة الثلاثة، ليقول أن الحكم السياسي يجب أن يبنى عليهم جميعا لا تتوغل طريقة على حساب أخرى لتتعايش الأنظمة جميعها في توازن وهي فكرة تبدو غامضة ولكنها ربما ألهمت مونتسكيو بعد مئات الأعوام ليحدد نظاما يقوم على سلطات ثلاثة منفصلة عن بعضها البعض وتحاسب بعضها البعض في أحدث النظم السياسية العالمية.

في مصرنا الحالية بدأ الأمر بالفيس بوك وانتهى إليه، لعل قدرتنا على إتخاذ قرار سياسي تتعلق بالمعرفة ونشرها، بدأت الدعوات للثورة على الفيس بوك وتناقل الناس أخبار الأربعين مليار والفساد على الفيس بوك حتى أن الدولة وقتها وحينما حاولت حماية النظام قطعت الاتصالات والفيس بوك والإنترنت وعندما قررت إعادته بعد أن خرجت الأمور عن السيطرة عاد بلجان إلكترونية، أكاونتات كثيرة بلا تاريخ أو معلومات شخصية عن أصحابها، جميعها تحاول بث فوضى معلوماتية وخلق رأي عام مضاد.

أزمة الديمقراطية التي رآها أفلاطون كانت في تلك الديماجوجية، القرارات العامة المبنية على غير وعي أو إدراك عقلي وفحص للمدخلات والخروج بنتائج ذات معنى وهي وجهة نظر ربما تبدو صحيحة، على مدار قرون حاول الجميع الخروج من معضلتها.

الجميع اقترحوا التعليم ابتداء من أفلاطون نفسه والذي أنشأ الأكاديمية وحاول أن يصنع الحاكم العارف العادل ولكن جهوده باءت بالفشل.

الآن نحن أمام طوفان معلوماتي ومعارف تتنزل كالمطر، وجميعها تبحث عن مصداقية وعن مساحة، بعضها يأتي مجانا جدا وبلا أي خلفية داعمة، كجل التعليقات والإشاعات المدنية المنتشرة على الفيس بوك ولكن بعضها كذلك يأتي مدعوما بتحليلات تبدو في غاية المنطقية والصحة.

الأمور ليست بتلك البساطة فأحيانا كثيرة يصعب التفريق حتى على أكبر العقول وأفهمها، ولعل أقرب مثال على ذلك هو النشر العلمي وهو صاحب أعلى سمعة من حيث أنه نادرا ما يتسرب الباطل إليه وأن مصداقيته دائما هي الأعلى بل من أهم مباحث فلسفة العلوم هو تساؤل دائم حول تلك المصداقية وما دعمها سابقا وما يكفل دعمها لاحقا فهي أهم ما يميز البحث العلمي، المصداقية والتجريب التراكم وبغيرها سيتحول العلم إلى أسطورة لن تختلف كثيرا عن أسطورة الرخ أو الإبر المغروسة في مقاعد السينما وتسبب الإيدز أو الماسونية العالمية التي تنتظر ١٣ /١٣/ ٢٠١٣ لتتحرك وتسيطر على العالم أو جهاز لواء الشرف عبد العاطي.

إلا أنه ورغم كل ذلك فهناك ما يتسرب حتى للنشر العلمي، مواقع تزور معامل التأثير لها وتنشر أي أبحاث مشكوك فيها مقابل المال وبعض العلماء يزورون نتائج أبحاثهم وكثيرا ما يورطون مؤسسات مهمة معهم ولكن كل ذلك يقع في إطار السلوك الفردي، إلا أنك وبتتبع بسيط لمباحث فلسفة العلوم ستكتشف أن النشر العلمي ذاته يشبه الموضة وأنه دائما هناك فكرة محورية تدور حولها الأبحاث وأكبر دليل على ذلك مثلا نظرية الأوتار وأن العالم مكون من أبعاد كثيرة والتي كان مروج لها كثيرا في السبعينات ثم زال الاهتمام بها ودخلت في حيز الجمود ثم عادت من جديد لتكون في مركز العلم وهكذا، وكأن المعرفة العلمية ذاتها يحكمها معايير من خارجها تحدد هيمنتها وتأثيرها وإنتشارها.

سأضرب مثالا واضحا وهو ما يعرف بانحياز النشر، بمعنى أنك كباحث وعندما تخلص لنتيجة تخالف النتائج العالمية الثابتة والراسخة تشكك في معاييرك وتعيد تجاربك، وهو أمر ليس بالسيء لكنك ربما تخلص لنفس نتيجتك التي تتحدى النتائج المنشورة كثيرا والمؤيدة، ساعتها ربما صادفتك ملايين العراقيل ليرى بحثك النور وسيكون التشكيك فيك هو المهيمن بل وربما تلجأ لتغيير النتائج أو التلاعب لتضاهي نتائجك النتائج العالمية.

لذا فليس دائما الحكم على المعلومة بهذه السهولة، وأغلب البشر أميل للحكم العاطفي وطرق تفكيرنا في كثير من الأحيان بدائية جدا وتتدخل فيها حالاتنا النفسية ووسائلنا الدفاعية والحدس ونحن أميل لتصديق ما يريح نفوسنا وأدمغتنا ويكفل تحقيق مصالحنا على المدى القصير والمنظور وأغلبنا مصابون بقصر النظر.

إلا أن الديمقراطية ظلت هي النظام الأقل عيوبا بين كل أنظمة الحكم حتى قيل أن النظام الديمقراطي لا تتضح جدواه إلا عند مقارنته ببقية الأنظمة حتى ومع إمكانية تزوير الإرادة بتزوير المعرفة.

نحن في مصر الآن نعيش طوفانا معرفيا، عشرات ساعات التوك شو اليومية وعشرات الصحف وملايين الآراء ومساحات الرأي الشخصية في فضاء الانترنت والتدوين ومواقع التواصل الإجتماعي، ديماجوجية كاملة، ربما وحتى اللحظة لا تفرز إلا جعجعة بغير طحن، خاصة وأن المعلومة تفتقر لأدنى درجات التوثيق والبحث عن مصدر حقيقي لها، تلقى هكذا مجانية ومزورة ومدعية ومحيرة وليس أمامنا من حل إلا أن نحلم بديمقراطية حقيقية ووعي يستطيع أن يفرز الخبيث من الطيب، ليس أمامنا إلا الرهان على الزمن وعلى التعليم مثلما راهن أفلاطون مع التأكيد على أن محاولة استنساخ تجارب الأنظمة الشمولية أو الديكتاتور العادل هي مجرد عثرات ليس من ورائها أي خير وأن الشك هو أولى مراتب اليقين.

عن الكاتب
أحمد سمير سعد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق