الآن تقرأ
أن تكون صحفي خدمات!

قرأت مقال “ان تكون صحفي منوعات” الذي نُشر على موقع “قل” لإيناس كمال، وقبل أن اقرأه أدركت المعنى، لأن لدي المشكلة نفسها، لكن مع فارق بسيط فإذا كان صحفي المنوعات في آخر القائمة، فالصحفي المتخصص في الخدمات “خارج القائمة” ليس له وجود، وإذا سألت عنه الصحفيين سيقولون لك بكل ثقة “ما شفتوش.. ما قابلتوش”!

في واحدة من المرات التي أدركت فيها أني قد اتخذت القرار الخاطيء عندما درست الصحافة، هي عندما أجريت مقابلة للعمل في مؤسسة وقتها كانت “تحت التأسيس”-يقولون عنها مؤسسة كبيرة الآن-، وفتح الشخص الذي أجرى معي المقابلة مدونتي وبعد نصف دقيقة قال “دي مش صحافة دي إعلانات”، أصررت وقتها إن هذه ليست إعلانات، بعدها لمت نفسي لماذا ناقشته، لماذا رفضت ما قاله، لا يهم أصلا ما اسمها، وقلت لنفسي “بعد كده لما حد يقولك دي مش صحافة، قوليله إنت صح، دي بتنجان مخلل”، ونسيت الموضوع، ولم أعمل في تلك الصحيفة ولم أحترمها يوما!

طبعا هذه ليست فكرة خاصة بالصحفي الذي قرر أن يطلق على ما افعل “إعلانات”، لكن هي فكرة عامة أن الخدمات ومن يقدمها والمهتم بها ليس صحفيا، وعمله ليس صحافة، وإنه لا يوجد بالنسبة لهم صحفي متخصص في الصحافة الخدمية، لكنهم في الوقت نفسه يتقبلون جدا صحفي يجلس طوال النهار على مكتبه يسرق أخبارا من صحف ومواقع آخرى ويضع عليها اسمه، أو أن يستخدم خياله الخصب في التأليف ويخرج كشف الإنتاج ممتليء بالأخبار المنشورة، أو إذا حسنت النوايا ينشروا العشرات من الأخبار التي يقولون عنها خدمية وهي في الواقع لا تخدم أحدا!

لكن لمعلوماتك، هذه النظرة التي يرى بها الصحفيون الأقسام الجذابة والتي تضفي على الصحفي بريقا وتمنحه نفوذا، هي نظرة يتعلمها البعض منهم في كليات وأقسام الإعلام، نادرا ما تجد أحد يتحدث هناك عن أهمية المساحات الخدمية والترفيهية في الصحف، لكن الحديث دائم عن الأهمية التي يتمتع بها التحقيق الصحفي وتغطية أخبار رئاسة الجمهورية، والمتعة التي يمكن أن يحصل عليها الصحفي الرياضي أو المتخصص في تغطية شئون الفن والفنانين، بالتالي النتيجة المنطقية هي أن الصحفيين يتعاملون في أذهانهم مع الأمر بنفس المنطق الخاص بالسلم الاجتماعي، هناك فئات مميزة وأخرى مهمشة!

لكن بنظرة موضوعية تجد أن أهمية أخبار السياسة وتحقيقات كشف الفساد وحوارات الفنانين لا يمكن أن تصدر صحيفة بالتحقيقات فقط، أو بأخبار الفساد فقط، لا بد أن تجد الكلمات المتقاطعة وحظك اليوم، وأخبار الوفيات، وباب المجتمع، ووظائف خالية، وأين تذهب هذا المساء، وعروض السينما والمسرح، وحالة الطقس وباب الشكاوي، وفي الإذاعة والتليفزيون لابد أن يكون هناك تقرير عن الحالة المرورية.. الخ، لكننا دوما ما نقيس الأشياء بالكيلو جرام، مع أن المتلقي الذي نخاطبه له احتياجات مختلفة، والصحافة تعمل جاهدة في حدود الإمكانيات التي تلبي كل تلك الاحتياجات دفعة واحدة دون تمييز لفن عن آخر، أو قسم عن آخر، خاصة أن لا أحد يعرف كيف يقدر المتلقي قيمة ما نكتب، وربما تجده يشتري صحيفة 16 صفحة من أجل الكلمات المتقاطعة وليس من أجل تحقيقك الذي بذلت فيه مجهودا لأشهر ونُشر على صفحتين بالصور!

لا يمكن أن أنكر اني في لحظات بعد عملي في هذا النوع من الصحافة كنت أقول لنفسي “مش ده اللي أنا عايزاه، أنا عايزة اتخصص في الشئون الدينية أو المرأة مثلا”، لكن بعد فترة أدركت أن الأمر لم يعد لي تماما وأن بعد كل تلك السنوات، علي أن امضي في الطريق الذي بدأته، وإذا كان لدي طموحا من نوع خاص علي أن ابذل مزيد من الجهد لكي أحققه جنبا إلى جنب مع صحافة الخدمات، خاصة إني نتيجة تفكير طويل أدركت أن المتلقي يتعامل مع عملي كما يتعامل مع إنتاج أي مؤسسة صحفية آخرى كبيرة كانت أو صغيرة، إنه يتابع، ويعلق، وينتقد ويشارك المحتوى مع أصدقائه، وإما أن يقول شكرا أو يقول “بلاش قرف”، في النهاية النتيجة واحدة، نحن نقدم خدمة، نحاول أن نحسنها، نرتكب الأخطاء نفسها، نعتذر أو لا نعتذر، نحاول أن نوسع من دائرة مصادرنا، تواجهنا نفس العقبات أثناء الكتابة والنشر، وكل يوم يجب عليك أن تتخذ قرارات تنشر أو لا تنشر، تتعامل مع المصادر على اختلافهم، تتعرض للمشاكل نفسها، من تعامل يتعدى حدود الادب، إلى صلف وتعالي، أو تجد من يعطيك أوامر أو من يتعمد تضليلك، أو من يوجه اليك السباب والشتائم لمجرد إنك لست كما يريد، أو من يهددك ويتوعدك لأسباب لا تخطر لك على بال.

أخيرا، هذه النظرة المشوشة لصحافة الخدمات والتعامل معها على إنها ليست موجودة في سلم الصحافة الذهبي أثر علي كثيرا، لكن مع مرور الوقت صدقت أن مدونتي ناجحة وأن عملي مؤثر، وأنها تشكل أهمية بالنسبة للعديد من الناس ليس فقط لأنها اصبحت مصدرا لنوعية أخبار يجدوها مهمة وتشكل جزء من حياتهم ومسارهم المهني، بل لأن الأمر تعدى فكرة “وكالة الأنباء” إلى أنها أصبحت مصدرا لشعورهم بأن هناك حركة، وإن شيئا جيدا يحدث خلف كل هذا الضباب الذي تشكله الأخبار السيئة والحزينة، وان استمرار العمل بها وزيادة الأخبار وتنوعها يمنحهم شعورا بالطمأنينة إنهم لن يتركوا أنفسهم للفراغ من جديد، وإن خلفهم الكثير من العمل لينجز، ومزيد من الفاعليات التي تنتظر حضورهم، والرحلات والمنح والمسابقات التي تخاطب مواهبهم وطاقتهم الابداعية، والورش التي تقدم لهم فرص تعلم إضافية، لقد أصبحت مدونتي عالما مستقلا، وأصبح متابعوها يتصورنها “كائنا حيا محبوبا”، وأصبحت أنا إذا تحدثت عن ما فعلت طوال 8 سنوات بعد تخرجي من الجامعة لا أفخر إلإ بما قدمته، بصحافة الخدمات!

اختصارا، اعتقد أننا نسير في الطريق الخطأ إذا قررنا أن نضع أنفسنا على سلم، وندوس بأقدامنا على عمل البعض منا بناء على أفكار خاطئة، لن تؤدي بنا الإ إلى فقدان ارتباط المتلقي بالصحافة، واعتماده على وسائل أخرى للمعرفة بعيدا عنا، ووقتها لن يصبح لكارنيه النقابة الذي بذلنا من أجله جزء غاليا من العمر له قيمة تُذكر!

عن الكاتب
سعاد أبو غازي
خريجة كلية الآداب قسم الإعلام عام 2008، عملت كمحررة شئون ثقافية في مجلة بص وطل الالكترونية، ومراسلة لشبكة الصحفيين الدوليين وهنا أمستردام، سعاد أبو غازي انشأت أول مدونة متخصصة في صحافة الخدمات في مصر عام 2010، ومستمرة حتى الآن في تقديم خدمة للصحفيين والعاملين في منظمات المجتمع المدني والفنانين المستقليين، كما انها تهدف لتصبح وكالة أنباء صغيرة متخصصة في صحافة الخدمات.
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق