الآن تقرأ
الـ بيج بانج وهوس الإنسان بالمركز

لعل أحد أهم انتصارات العلم الحديث هو اكتشاف كوبرنيكوس لنظام شمسي لا تدور فيه الشمس حول الأرض، هكذا دفع تليسكوب جاليليو الأرض من مركز الكون لتصير مجرد كوكب تابع يدور مسبحا بحمد جرم أكبر هو الشمس، غير أن هذه كانت مجرد البداية فسرعان ما تراجعت الشمس ذاتها لتصبح مجرد نجم متوسط الحجم، سيحترق ثم يموت ويتحول لمجرد قزم أبيض بلا أي حول أو درامية كما ستفعل النجوم الأكبر وهي تموت، فالشمس اتضح أنها لم تتعد نجم متوسط على ذراع مجرة عادية جدا ضمن بلايين المجرات.

maxresdefault

هكذا خرجت الأرض من المركز ومعها خرج الإنسان الذي ابتدع فلسفات أفضت عليه قداسة الآلهة وآمن بأديان جعلت منه خليفة الرب والحاكم بأمره.. ذلك التراجع عن المركز لم يكن من نصيب الأرض وفقط بل تراجع كذلك الإنسان ليخرج من مركز الحياة.
دفع دارون أن الجنس البشري مجرد نتاج لعملية عمياء تماما، لا هدف لها، مجرد تفاعل للحياة مع العالم وتأثير متبادل أدي لتنوع بيولوجي، خيط طويل ممتد من كائنات عديدة الإنسان يقبع في نهايته على قمة الثدييات.
ربما كان معجزا في امتلاكه بعض الذكاء الذي دفعه لمحاولة دراسة الظاهرة لكنه مجرد صدفة في خضمها.
لولا النيزك الذي ضرب الأرض يوما وأباد الديناصورت ما وجدت الثدييات سبيلها لترسخ أقدامها وتكيفت وتنوعت لتأتي يوما بذلك الإنسان الذي يسأل، هكذا خرج الإنسان غير مأسوف عليه وعاش أزمة الوجود والمعنى.

تشارلز دارون

أهم ما يميز الفيزياء شيوع قوانينها وأهم ما يميز نموذج الكون الحالي الذي صاغته تلك القوانين، أنه منتظم لحدود كبيرة جدا، هكذا بدأ من إنفجار عظيم، إنفجار خلق الزمان والمكان ثم أخذ في التمدد، الإنفجار حدث في كل مكان وكل شيء، خلفيته أشعة ميكرونية، متسقة ومنتظمة لحد كبير وتأتي من كل مكان، هي أشعة تأتي من الماضي البعيد منذ تلك اللحظة التي حدث فيها الإنفجار، تأتي من كل إتجاه، لذا فمركز ذلك الإنفجار هو كل مكان ومركز العالم كل مكان كذلك، الإنفجار حدث في نقطة والنقطة اتسعت لتشكل كل شيء، حدث في كل مكان وزمان.

COgAWEqVEAItCaB

هكذا وبشكل بديع وربما صوفي عادت الأرض لتكون مركزا للكون لكنها لم تعد وحدها فكل الكون مركز للكون، كل الكون مركز للإنفجار والتمدد بلا نقطة مميزة، فالإنفجار العظيم لم يكن في نقطة بل في كل زمان ومكان… الأرض مركز والشمس مركز وأندروميدا مركز….

ربما لو استلهمت نفس الفكرة لدفعت بالإنسان من جديد لمركز الكون لكنه لن يشغلها وحده فكل الخليقة مركز وكل الإثنيات والأعراق مركز……

تعليقات فيسبوك

تعليقات

عن الكاتب
أحمد سمير سعد
أحمد سمير سعد