الآن تقرأ
أن تحبك جيهان.. أن تعيش (وكأنك)!

رواية جديدة للكاتب المبدع المتجدد (مكاوي سعيد) ..رواية ضخمة بالفعل فهي حوالي 700 صفحة تتناول تشريحاً مجتمعيا وثقافيا لشخصيات مختلفة نراها يومياً دون أن نتجاوز غلافها الخارجي لما هو داخلها.

الرواية واقعية.. تدور أحداثها في السنوات القليلة قبل ورة ال 25 من يناير وترصد التغيرات المجتمعية والثقافية على الساحة من خلال جمع من الشخصيات المختلفة قلما تجده وتقابله لكنك تدرك وجوده

(ريم مطر) الشخصية الأكثر صخبا في الرواية.. لعلها ليست شخصية واحدة بل عدة شخصيات تتصارع في جسد واحد .. كتلة من البذاءة والفجاجة المتحركة وحين تتعرف عليها أكثر تدرك أنها كتلة من الجنون وخطر محدق بنفسها وبمن حولها.. لكنها رغم كل تلك المساوئ أراها الشخصية الأكثر اتساقا مع الذات.. فهي لا تتجمل ولا تلعب دورا ليس لها.. تظهر شخصيتها كما هي بقبحها وشرها حيناً وبحبها حيناً وبجنونها أحيانا كثيرة..المغناطيس الذي جمع بينها وبين (أحمد الضوي) يعبر بالفعل عن الأضداد المتجاذبة.. علاقاتها بالناس علاقات وقتية تبدأ وتنتهي حين تقرر هي ذلك ولا تضع لتلك العلاقات مقاما .. فيتساوى في ذلك القريب والغريب أن تكون بنتها أو السمسار فستحظى بنفس القدر من المعاملة التي حددت لها قواعد ثابتة وهي أن العلاقة التي تحمل لها قلقا او ضيقا او بادرة اضطراب ستنتهي بابشع الطرق التي تتخيلها والتي لا تتخيلها هي نفسها ومن ثم كانت نهايتها الغير متوقعة لشخصية مجنونة مثلها هى المفاجأة .. او لعله العقاب الذي اختارته لنفسها

هي تدرك عيوبها جيداً ولا تتصمع ولا تداريها عن نفسها قبل الآخرين.. لكنك لا يمكنك ابدا توقع ضربتهاالقادمة ولا لحظات جنونها من ارتخائها

(أحمد الضوي) .. دون كيشوت مصري أصيل.. لاهدف لحياته ولا مبرراً لأيامه التي تمضي دون أن يدرك ذلك.. أحيانا كثيرة الأحداث هي التي تدفعه .. ترنحه بين حبه ل (ريم) و(جيهان) ليس إلا حالة جديدة من حالات التخبط الذي يغرق فيه ..فارساً نبيلا في كثير من الأحيان .. مراعيا لمن حوله دون أن يعي ذلك ولا يصدر عن عمد .. يسعى لخدمة صديق ويتقبل تقلبات (ريم) وابنتها ويسعى لنيل رضا(جيهان) واصدقائها يتقبل حقيقة زوجته الاولى والاخيرة بنفس نبيلة .. يفعل ذلك دون وعي منه ولكنه يسجن نفسه في قيود خلقها لنفسه ويدور في دوائر لا متناهية محيلا حياته التي كان من الممكن لها الوضوح لمتاهة حقيقية من صنع يديه

علاقته بوالديه علاقة فريدة من نوعها.. فأمه جنوبية  محافظة لم تعتد القاهرة رغم كل السنوات  التي عاشتها فيها.. علاقته بخاله الصغير الذي اصرت والدته على اصطحابه بعد زواجها معها ليسكن أمامهم واعتقاد (أحمد) أنه ليس خاله إنما هو شقيقه الأكبر كما كانت تحرص والدته على مناداته.. علاقة غربية من حيث الافراط في الرعاية لأخيها بعقدة  ذتب تجاهه لا سبب لها وأفسدت الكثير بينها  وبين زوجها الذي استاء لصب اغلب الاهتمام على الخال وترك النذر اليسير للابن وانعدام الاهتمام بطبيعة الحال للزوج..رغم ذلك لم تتعكر صفو العلاقة بين (احمد) وخاله بل كان شديد التعلق به حتى بعد ما أصابه من اضطراب عقب اعتقاله المتكرر..

(جيهان العرابي) بطلة الرواية .. وهي بطلة بالفعل في صد احبائها عنها بتصرفاتها المغرقة في السادية أحيانا كثيرة.. يبدو أن علاقتها ب(تميم) التي ترنحت ودار اكثرها في فلك الكآبة والصراع النفسي دافعا لذلك الموقف العدائي الذي اتخذته من الجميع ومن نفسها .. هي حين تحب تقرر أنه عوضا عن التلميح بذلك أو التقرب ممن تحب تقوم بصده بأكثر العبارات الكفيلة أن يفجر متلقيها رأسها .. علاقاتها بصديقاتها يشوبها كثير من الضيق النفسي والكذب .. علاقات غير حقيقية وهي تدرك ذلك بل هي التي قررت ذلك..تفعل عكس ما تريد وتتلذذ بتألمها وبلوم الذات مطولا بعدها.. ولعلها هي حالتنا حين ندرك جيدا ما نريد لكننا نبذل كل الجهد للابتعاد عنه مستمتعين بدور الضحية وبجلد الذات..

صديقات (جيهان) ..مزيج غريب رغم امتداد تلك الصداقة لسنوات لكن تبقى علاقتهن غريبة فهي لا تطيقهن في أغلب الأوقات لكنها تبقيهن حولها بنوع من الاضطرار ولتكوين حلقة بشرية تصلح لتكون حلقة صد ضد العالم الخارجي..(بسمة) الشخصية القوية سابقا والتي تحولت بإرادتها لحلقة في سلسلة مفاتيح (خيري) الصنم الذي جسدته لنفسها لتسجد له كل صباح ولتدور الدنيا من حوله..(رنا) صاحبة الوجوه المتعددة .. تشكو زوجها عديم الموهبة وتطالب من حولها بالتدخل لانقاذها ثم تندفع ليديه التي يهوي بها عليها في علقة جديدة حين تبدأ تدخلك .. تلونها متوقع تستغل من حولها جميعا بما فيها ابنها الرضيع للوصول لغايتها وتدرك (جيهان) مؤخرا انها لا تحتاج لمساعدة في زواجها البائس الذي كانت تشكو منه بل هى كانت تدرك كل خطوة تخطوها .. لذا لم تندهش كثيرا للتحول الأخير في مواقفها خلال الثورة..

لا تدري هل تلك الحالة العدائية للذات اكتسبتها (جيهان) بعد وفاة زوجها والحياة الصاخبة المختلفة التي عاشتها معه وتقلباته المزاجية التي كانت تقلب حياتهم من حال لحال أم انها كان لديها الاستعداد لذلك من البداية.. لا يلائمها بالفعل سوى (أحمد الضوي)

كثير من الشخصيات استلهمها الكاتب وهي رمز لكل ما نحياه في حياتنا .. ممن تغير مواقفها وشخصياتها وفقا لمصالح شخصية وتتحول من اليمين لليسار والعكس مستمتعة بمكاسب ارتداء كافة الوجوه.. ومن عالم الفن والثقافة بكل تفاصيله الغنية والثري بالمتناقضات .. لرجل الأمن المدمن للسلطة العاشق للقوة حتى صار يتصرف بردود أفعال تلقائية غشمية في أغلب الأحوال .. تشريح نفسي وعقلي للقارئ حين يرى كل ذلك الخليط الواقعي الذي تشاهده ولا تراه . تدرك وجوده لكنك لم تعشه.

لا يمكنك توقع ما سيأتي .. فالكاتب يفاجئك بتحولات الشخصيات وبتحولات الظروف كتبها بلغة فصحى محكمة تتخللها تعبيرات عامية وتعبيرات أجنبية دخلت ثقافتنا اليومية من التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي حتى صارت من مفرداتنا اليومية.. الأسلوب سلس ومنساب بلا تعقيد ..وقد حرص الكاتب أن يجعل كل شخصية تتحدث بأسلوبها وبتعبيراتها وتشبيهاتها المختلفة عن أي شخصية أخرى فكان الأسلوب كالبصمة الشخصية لكل فرد حتى يجعلك كأنك تجالسهم وتسمعهم.. فتجد مطلحات (ريم) قوية فجة عنيفة في أغلب الأوقات مليئة بالسباب الذي يصدر منها كتيحة الصباح.. وتجد أسلوب(جيهان) في الحديث مختلفاً تماماً يحمل بصماتها الشخصية ومتاهاتها النفسية وضيق صدرها المتكرر كثيراً ممن وما حولها… احداث اخرى كانت تستلزم بعض التفاصيل الثرية كأحداث الثورة وغربلة الأصدقاء وتباعد المسافات بعد اختلاف التوجهات.

رواية ضخمة من حيث الحجم والتفاصيل والشخصيات التي بين صفحاتها المعبرة عن حياتنا المتناقضة العابثة بنا .. لكن الغالب على تلك الشخصيات أنها جميعا (كأنها تحيا ).. كأنها تمارس الدور الذي تريده لنفسها.. من (كأنها) تحيا بحرية مستمتعة بلسان المبرد الذي يخرس كل الألسنة.. من (كأنه) يحب في حين أنه يمارس هواية تعذيب الذات.. من (كأنها) في حالة اتزان عقلي وعاطفي برسمها لكل تلك الحدود مع الزملاء والاصدقاء ورسمها لكافة القواعد التي تكفل لها الشعور بالأمان.. الكل يمارس الدور الذي رسم له حتى وإن لم يدرك ذلك.. قليلون يدركون تلك الحقيقة ويحولون حقيقة امرهم من (كأنه) لواقع حقيقي .. السؤال هو هل يدركونه قبل أن يفوت الأوان.

عن الكاتب
سارة شحاتة
كاتبة وروائية
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق