الآن تقرأ
لماذا نورط الآلهة ؟!

 

لماذا نتهم جميعا طرفا آخر من عوالم ميتا فزيقية أو حتى مادية بطريقة غير موضوعية بالتحكم في حياتنا، متدينين كنا – في كافة الأديان – أو لا دينين؟ّ! لماذا لا نتحمل مسئولية أفعالنا ونرجح بسهولة وتخلصا من عناء التفكير أن أسباب الفشل والخسارة والمرض والموت للرب أو الآلهة أو الجن أو الشياطين ؛ بدلا من النظر برؤية أكثر عملية ومنطقية للأمور؟!

“اتكعبلت بالصدفة” في فيلم هندي انتاج عام 2014 اسمه “PK” قضيته تتماس وتتشابه كثيرا مع أفكار العديد من الشباب ليس في الوطن العربي فقط ولكن في الشرق الأسيوي وكذلك أفريقيا بتعدد وتشدد دياناتها منها.

الفيلم يصدمنا في واقع التعايش بين الطوائف والأديان في الهند فهي دولة تعاني مثلنا من التشدد والتمييز والانعزالية بحسب الدين، الفيلم من النوع الفانتازي الكوميدي يتحدث عن شاب هبط من الفضاء لتسرق قلادته ويكتشف أن الشرطة لا تعيد الأشياء المفقودة وأن الجميع نصحه بالتوجه للرب وطلب المساعدة منه فبدأ يسأل أسئلته بسذاجة الأطفال واعتبرها الجميع هناك كفرا (أين الرب؟ كيف أطلب منه شيئا ؟ لماذا لا يرد؟ هل له رقم تليفون؟).

ولأن الهند مجتمع يحتوي أكثر من 300 عقيدة دينية صُدم “بي كاي” – هكذا لقبوه ومعناها بالهندية السكران – في كل طائفة تعرف الرب والإله حسب هواها المسلمين والمسيحيين والسيخيين والبوذيين وغيرهم وطلب منهم رقم التليفون الخاص بالرب ونشر إعلانا “wanted” يطلب فيه الرب وأن يتصل به أحد إن وجده حتى يعيد له قلادته ونبذه المجتمع.

بعد رحلة عذاب طويلة “بي كاي” اكتشف أن هناك إلهين على هذا الكوكب إله صنعه الناس وإله صنع الناس، بينما الأول إله رمزي يحب الترميز والشكل والأصنام ويدقق في الملابس والطعام، يطلب من المسلمين ذبح البقرة ويطلب من الهندوس عبادتها ويطلب من السيخيين الزحف على بطونهم ليلبي مطالبهم ويطلب من البوذيين سكب اللبن على تمثاله ويطلب بصور مختلفة ملابس سوداء وأحيانا بيضاء ومرة لبس الحذاء أثناء الصلاة ومرة خلعه ومرة لحية ومرة بدون ومرة تقطيع الجسد وعقاب النفس بالسكاكين ومرة شرب النبيذ ومرة يحرمه.

أما الإله الثاني الذي صنع كل هؤلاء فهو ينصحك أثناء المرض بالذهاب للطبيب وأن تدفع نقودك التي ترميها أسفل تمثاله للفقراء وأن تعطي اللبن المسكوب على تمثاله للجائعين، ربا أو إلها لا ينظر إلى لحية أو جلباب أو لون أسود أو أبيض ولا يطلب منك الزحف في  التراب ليلبي طلبك ولا يعدد وجوهه ولا أماكن مناداته، يسمعك في أي مكان لأنه داخلك وأنت جزء منه.

رب لا يحتاج لمئات من رجال الدين النصابين الذين يعتمدون فكرة الخوف من الجحيم والمرض والفشل في الدراسة وعدم الاستقرار في العمل ولا يحتاج لأن يجعلك تكره من لا يكون بطائفتك بل سيجعلك تحب نفسك وتحب الناس بخلاف ديانتهم وشكلهم وملابسهم ويجعلك تحبه بدلا من أن تخافه فالحب والخوف لا يجتمعان كالأب الذي لا يطلب من ابنه أن يخاف منه ليمتثل لأوامره ولا يطلب منه الزحف والركض والدوران لينفذ طلباته بل يستمع له بقلبه وبصدق نيته.

قصة الفيلم تحاكى كثيرا الواقع العربي لمعظم أفكاره فالبعض على سبيل المثال يصر أن مسألة سقوط رافعة الحرم المكي ابتلاءا أو غضبا أو رحمة من الله أو الآلهة أو الطبيعة أو كما قال البعض “أنه غضب من المسلمين” ولا يعترف أنه خطئا هندسيا وعطل أصاب الرافعة وغض مهندسو الحرم الطرف عنه وأهملوه!

لماذا لا نعترف أننا أسأنا لصحتنا ولم ننتبه لها جيدا ولم نراع أبسط المعايير الصحية من الراحة والنوم الجيد والطعام المنتظم والصحي، ولماذا لا نذهب إلى الطبيب “وخلاص ! ” بدلا من أن نقحم الأمر أنه ابتلاء من الله سيزول إن رضا الله أو الآلهة أو الطبيعة عنك أو أنه حسد وقر سيختفي بمجرد أن تخبئ نفسك وأمورك عن الناس وأن تبطل الابتسام والضحك والفرحة بشكل عام حتى لا يحسدك أحد عليها؟! الحقيقة أن خوفك هو الذي يمنعك من الفرحة وليس الحسد والقر.

فلا وضع خرزة زرقاء ” تسد عين الشمس” ولا تعليق المصحف أو الصليب ولا نثر الملح على الأرض سيقيك ويحميك من الأمراض والفشل بل تعقلك وترويك في معالجة شئونك الخاصة والنظرة العملية التي تحكم بها على الأشياء بدلا من التنصل من المسئولية والبحث عن مبررات غير موضوعية استسهالا حتى تريح بالك ولا تفكر كثيرا.

لماذا لا نواجه أنفسنا أن الفشل في الدراسة أو العمل بسبب خلل نفسي ما أو ضائقة نفسية تؤثر في قدرتنا على الحفظ والاستيعاب أو أن الطريقة التقليدية في الشرح والتفسير للنظريات لا تجدي نفعا ولا تستفز وتثير الانتباه للتركيز والتحصيل الدراسي ؟! ونعترف أن الأعصاب بحاجة للاسترخاء كل فترة لإزالة الضغوط والقيود وأن العمل تحت ضغط هو أفشل أنواع العمل والخوف من الفشل يؤدي حتما إلى الفشل!

النجاح يحتاج إلى المثابرة والإصرار منك والتشجيع والدعم المعنوي والمادي من المحيطين لك، صارح نفسك أن عدم وجوده لأن هناك صراعات داخلية لم تحسمها بعد بشأن مستقبلك المهني، كنا ومازلنا شعب “عاتفي” جدا يحكم على الأمور من وازع العاطفة يتفتف في صدره إذا فزعه أمر ما مع أن البصق وقتها لن يطفئ نار الخضة في قلبه ونخمس بكفنا في وجوه أصدقائنا إن مازحونا بشأن موبايل أو سيارة جديدة مع أن هذا الكف يرتفع ليصافحهم مرة أخرى، ندعو على الغرب ونشتمهم في كل صلواتنا ثم نستجدي بهم مع كل مظاهرة وثورة ولجوء أو زمالة دراسية.

 

(Visited 345 times, 1 visits today)
عن الكاتب
إيناس كمال