الآن تقرأ
تاريخ موجز للسرطان .. كان يا ما كان

لا تزال الطريقة التي يتشكل بها العلم عبر العصور تبهرنا، نقاط الماء التي تتجمع حتي تشق لها طريقا أو تصنع مجري مائي كبير يسير في اتجاه معين. حتي النقاط التي تتجمع في الاتجاه الخاطئ، النظريات الخاطئة أو المعلومات غير الصحيحة تثير التأمل .

في السطور التالية نحكي قصة السرطان والنظريات التي قامت بتفسيره عبرالتاريخ.

كان يا ما كان

ككل شئ تقريبا، لا يمكنك أن تتحدث عن التاريخ دون أن تذكر الفراعنة . لم يستخدم المصريون القدماء كلمة سرطان لكنهم وصفوا حالة يمكن تشخيصها كورم في الثدي وذلك حوالي عام 3000 ق.م. وذلك فى بردية عرفة باسم بردية إدوين سميث، حيث وصفت البردية 8 حالات أورام تم علاجها عن طريق الكي .

ويكيميديا – بردية إدوين سميث ص 6 و 7

ويكيميديا – بردية إدوين سميث ص 6 و 7

كان أبقراط أول من استخدم كلمتي Carcinos و Carcinoma لوصف الأورام، بعد أن رأى أن الورم ينتشر علي شكل زوائد تشبه الأصابع لتبدو مثل سرطان البحر. ثم جاء الطبيب الروماني سلزس Celsus ليستخدم الكلمة اللاتينية Cancer. فيما بعد أضاف طبيب يوناني هو جالينوس كلمة oncos التي تعني ورم باليونانية. ,حتي اليوم مازال وصف أبقراط للسرطان ساريا بينما صارت الكلمة التي استخدمها جالينوس جزءا لا يتجزأ من اسم أطباء الأورام oncologists.

اعتقد أبقراط أن الجسم يحتوي علي أربعة أنواع من الأخلاط (سوائل الجسم) : الدم والبلغم والعصارة الصفراوية الصفراء والعصارة الصفراوية السوداء. إذا كانت هذه الأخلاط متوازنة، كان الإنسان سليما، أما إذا اضطربت النسب ، أصيب الشخص بالمرض. لم يكتف أبقراط بتطبيق نظريته علي الأمراض العضوية ، لكن فسر الأمراض النفسية كذلك باضطراب الأخلاط .

وطبقا لنظرية أبقراط فإن زيادة نسبة العصارة الصفراوية السوداء في الجسم يمكن أن تسبب السرطان. بقيت هذه النظرية صامدة لمدة تصل إلي 1300 سنة نظرا لقبولها وتدريسها من قبل الطبيب الشهير جالينوس والأطباء من بعده . في الوقت ذاته كان التشريح محظورا لأسباب دينية مما حد من تقدم المعرفة الطبية.

ابقراط او أبو الطب وأعظم أطباء عصره، أول مدون لكتب الطب،

أبقراط : طبيب يونانى عرف بأبو الطب و أول مدون لكتب الطب.

 

إحدى النظريات التي حلت محل نظرية الأخلاط كسبب للإصابة بالسرطان، كانت نظرية “الليمف” أحيث رجح أصحاب النظرية أن السرطان ينتج عن تخمر و تحلل الأوعية الليمفاوية ومن ثما انتقالها إلي الدم لتنتشر في الجسم.ويعرف الليمف بالسائل  الذي يتكون في السائل البيني بين الأنسجة ويعمل علي نقل الفضلات والبكتيريا للتخلص منها. ولكن هل السرطان معدى ؟

السرطان

في القرن السادس عشر لاحظ أطباء هولنديون أن بعض السيدات من أفراد أسرة واحدة قد أصبن بسرطان الثدي. فسر هؤلاء الأطباء هذه الملاحظة بأن السرطان مرض معدي. انتشرت النظرية حتي صار الناس يخشون من مرضي السرطان. نتيجة لهذا الاعتقاد اضطر مستشفى السرطان في فرنسا للانتقال من المدينة في عام 1779 لأن الناس كانوا يخافون العدوي. برغم معرفتنا اليوم أن السرطان في حد ذاته ليس معديا، لكننا نعلم كذلك أن أنواعا معينة من الفيروسات معينة والبكتيريا والطفيليات يمكن أن تزيد من خطر إصابة الشخص ببعض أنواع السرطان.

نصيحة “رودلف فيركو” .. لا تضايقوا الخلايا

يعرف الأطباء عالم الباثولوجي الألماني الشهير “رودلف فيركو” خاصة حين تذكر عقدة فيركو Virchow node التي تظهر في المصابين بسرطان الجهاز الهضمي وكذلك ثلاثية فيركو Virchow triad المرتبطة بجلطات الأوردة.

لم يكتف فيركو بهذه الإنجازات ، لكنه وضع نظريته الخاصة لحدوث السرطان، كان أستاذه قد توصل إلي أن السرطان يتكون من خلايا حية وليس له علاقة بالليمف، لكنه ظن أن الخلايا التي تكون السرطان نوعية خاصة مختلفة من الخلايا، بعده جاء فيركو ليؤكد أن الخلايا السرطانية هي خلايا عادية لكن أصابتها بعض التغيرات، وأن هذه التغيرات تحدث نتيجة تهيج أو التهاب مزمن يصيب هذه الخلايا. لكنه كان يعتقد أن السرطان ينتنشر علي شكل سائل وهو ما ثبت خطؤه فيما بعد.

اليوم يعلم دارسو السرطان  أن هناك عدة أنواع من الجينات التي يمكن أن يتسبب اختلال عملها في الإصابة. بشكل أساسي هناك أولا الجينات المسرطنة Oncogenes. هذه الجينات موجودة بشكل طبيعي و تتحكم عادة في عدد المرات التي تنقسم فيها الخلية دون أى تمايز . لكن حدوث الطفرات في هذه الجينات يخرجها عن السيطرة ويجعل الخلايا تنمو وتنقسم بشكل لا يمكن التحكم فيه. النوع الثاني من الجينات هي الجينات المانعة للورم Tumor suppressor genes: هذه هي الجينات الطبيعية التي تبطئ انقسام الخلايا، و تعمل علي إصلاح الحمض النووي وتحدد موعد موت الخلايا بشكل طبيعي (تعرف باسم موت الخلية المبرمج Apoptosis). إذا فقدت هذه الجينات وظيفتها لسبب أو لآخر تنمو الخلايا وتتكاثر بشكل ذاتي خارج نطاق السيطرة. لتوضيح الأمر يمكن تشبيهه بسيارة: الجينات المانعة للورم تشبه المكابح، كما تعمل المكابح علي تخفيف سرعة السيارة فإن الجينات المانعة للورم تمنع الخلية من الانقسام بسرعة كبيرة. أما الجينات المسرطنة فهي أشبه بدواسة الوقود. إذا حدث بها خلل فإن السيارة تسرع بشكل جنوني كما تنقسم الخلية بشكل سريع إذا حدث خلل في هذه الجينات. وهو ما يؤدى إلى تكون الأورام السرطانية.

ومازالت المعرفة تتراكم وتتعقد في أبحاث السرطان يوما بعد يوم حتي صارت محاولة شرح نظريات حدوث السرطان أعقد بكثير من محاولة تبسيط الأمر هنا، فقط كنا نريد أن نشرح لك المراحل التى مر بها تعريف مرض الخلايا السرطانية.

 

وإذا كانت لديك قصة مع السرطان فلم لا تخبرنا بها على الايميل التالى [email protected]

 

(Visited 308 times, 1 visits today)
عن الكاتب
أحمد سمير