الآن تقرأ
أنا مالالا

 

في يوم 9 أكتوبر من عام 2012، قام بعض “صناديد” حركة طالبان في باكستان باعتراض طريق حافلة مدرسية تقل بعض التلاميذ إلى مدرستهم، فأوقفوا الحافلة وصعدوا إليها ليسألوا عن شخص معين بالاسم، وعندما وجدوه أطلقوا عليه عدة رصاصات أصابت إحداها الجانب الأيسر من جمجمته، ثم فروا هاربين.

جدير بالذكر أن من قام هؤلاء “الصناديد” بإطلاق النار عليه، لم يكن سوى طفلة لم تتجاوز السادسة عشر من العمر!

إنها “مالالا يوسفزاي”، الفتاة الباكستانية التي لم تتركب أي جرم سوى أنها دافعت عن حق الفتيات الباكستانيات في التعليم، وهي بذلك تحدت جماعة طالبان التي تسيطر على عدة أماكن في باكستان، حيث عقوبات الجلد في الساحات العمومية تميز الحياة اليومية، وحيث تعتبر مشاهدة التليفزيون وسماع الموسيقى ولعب كرة القدم من المحرمات، وحيث يعتبر تعليم الفتيات أيضًا حرام شرعًا!

وقد يظن البعض أن حياة “مالالا” قد انتهت عند هذه اللحظة، إلا أن القدر شاء لها أن تكمل مسيرتها، فقط نجحت قوات الجيش الباكستاني في نقلها على الفور إلى مستشفى “برمنجهام” في المملكة المتحدة حيث تم إنقاذ حياتها بأعجوبة.

بدأت مالالا في عام 2009 في كتابة مقالات توعية وإرشاد لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” حول حق التعليم للأطفال والفتيات في بلدها الذى يعانى فيه التعليم من سطوة الجماعات المتطرفة، ومع استمرار طرح مالالا لنشر فكرة التعليم ازدادت حدة الضغوط والتهديدات لمحاولة إيقافها، إلا أنها لم تكترث، وكاد أن يكلفها هذا الطرح حياتها، لكن إيمانها برسالتها وبقوة التعليم ودوره في نهضة الشعوب ورُقي الإنسان كان أكبر من أن يتم إيقافه.

تحولت ملالا إلى رمز للنضال ومتحدث عالمي في الدفاع عن حق الفتيات في التعليم حول العالم، وتقول مالالا في الكتاب الذي يروي مذكراتها والذي يحمل عنوان “أنا مالالا”: “أرغب أن أكون سياسية في وقت لاحق، أرغب في تغيير مستقبل بلادي وجعل التعليم إجباريًا وآمل أن يأتي اليوم الذى يكون فيه الباكستانيون أحرارًا، ويمتلكون حقوقهم ويعم السلام وتذهب كل فتاة وكل صبى إلى المدرسة”.

وفى يوم ميلادها السادس عشر، وبعد حادثة محاولة اغتيالها، تلقت مالالا الدعوة لتتحدث في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في يوم تمت تسميته “يوم مالالا” لتلقي كلمة مؤثرة ركزت فيها على حق التعليم ودوره الجوهري في نبذ التطرف والعنف، حيث قالت: “أنا أطالب بالتعليم أولاً وقبل كل شيء لأبناء وبنات من قاموا بإطلاق النار عليّ ولكل المتطرفين حول العالم”.

وتابعت: “أنا لست هنا للثأر من أي شخص أو جماعة، فأنا لا أكره أحدًا، حتى ذلك الشخص الذى قام بإطلاق النار عليّ وحاول قتلي، أنا لا أكرهه ولا أرغب في الانتقام منه، ولو كان بيدي مسدس فأنا لن أقوم بإطلاق النار عليه أبدًا. أنا هنا أكرر مطالبتي وبصوت مسموع بضرورة تضافر الجهود لتوفير التعليم لكل أطفال العالم”.

ويصف كتاب مالالا مجيء عناصر طالبان وموقفهم المعارض لتعليم البنات، كما يصور التقاليد السائدة في محيط نشأة مالالا، والتي لم تكن ترفع من شأن المرأة، عكس والدها الذى كان فخورًا بها، وهو المعلم الذى أسس مدرسة للبنات وفتحها برغم الضغوطات والتهديد. ويسلط الكتاب الضوء على التعليم كحق من حقوق الإنسان ويصور كيفية التوافق والدعم الذى منحه والد مالالا إياها كي تكمل مسيرتها السامية من أجل التعليم، فقد كان ناظر ومؤسس المدرسة الإعدادية التي كانت تذهب مالالا إليها قبل الحادث.

وركزت مالالا في مذكرتها على أهمية الرسالة التي وهبت نفسها لأجلها، وهى التعليم، وتقول إنها قالت أمام الأمين العام للأمم المتحدة:

“طفل واحد ومدرس واحد وكتاب واحد وقلم واحد يمكنه تغيير العالم، التعليم هو الحل الوحيد، التعليم أولاً، شكرًا”.

ومن أقوالها أيضًا: ” لا يوجد في الحياة سلاح أقوى من سلاح العلم والمعرفة، ولا يوجد مصدر للمعرفة أصدق من الكلمة المكتوبة، وقوة الكلمات المكتوبة تكمن في قوة ما تحمله من مضمون علمي، فالتعليم هو الحل الوحيد القادر على تغيير المستقبل والحياة. التعليم أسمى رسالة إنسانية. التعليم أولاً.”

وتعيش مالالا الآن كلاجئة في المملكة المتحدة، إلا أنها أكدت في الكتاب عزمها على العودة إلى باكستان يومًا ما ودخول المعترك السياسي، معتبرة أن محاولة طالبان الفاشلة لإسكاتها جاءت بنتيجة عكسية مذهلة.

ويتضح أن كفاح مالالا سوف يستمر، لأنها لا تزال مهددة بشبح الموت إذا عادت إلى بلادها خاصة بعد التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الناطق باسم طالبان “ذبيح الله مجاهد” حين قال: “إذا وجدناها مجددًا، فسنقتلها، وسنشعر بالفخر لموتها”!

 

حصلت مالالا على المركز السادس في استفتاء مجلة “تايم” الأمريكية ضمن أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم لعام 2013، كما حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2014، مناصفةً مع الهندي “كايلاش ساتيارثي”، وهي أصغر من حصلت عليها في تاريخ الجائزة.

إنها “مالالا يوسفزاي”، الطفلة الحديدية الباكستانية التي تحدت قوى الظلام.

http://www.youtube.com/watch?v=qhg5eniCLpo

(Visited 388 times, 1 visits today)
عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق