الآن تقرأ
17 شارع فؤاد.. ألوان مهترئة غنية

أي فيلم يتناول شأن الجاليات الأجنبية حول العالم يكتسب من تلقاء نفسه حالة أبلغ تشبيه لها في ذهني هو كتاب جديد بغلافه اللامع… لكن ماذا عن فيلم يقدم هؤلاء الأجانب كمواطنين لهم أبعاد محلية أكثر عمقاً من أي مصري عادي؟.
شارع فؤاد الكائن بمدينة الإسكندرية يعد أحد الإشارات إلى إنها جزء منسي من باريس، في الشتاء حينما تسقط الأمطار بغزارة ثم تنصرف بفعل انحدار الطريق إلى مجاريها، فلا يتبقى سوى طبقة خفيفة تعكس أضواء الإشارات وسيارات الأجرة. أضف إلى المزارات الموجودة هناك كدار الأوبرا ومطعم شي غابي ومقامات وعمارات بقباب عتيقة تشبه يعقوبيان.
يعقوبيان الأرمني وهي نفس جنسية بطل فيلمنا؛ نوبار.

يقول نيكولا فيليبير المخرج الفرنسي كل ما تحتاجه في مغامرتك مكاناً من شأنه أن يقص على المتفرج حكاياته الخاصة… وتلك هي الطريقة التي انتهجها أحمد نبيل في فيلمه “17 شارع فؤاد” كل ما كان يريده هو مكان بسيط تحكي جدرانه وصوره ورائحة العطن به وصرير الخشب تحت أرجلك، قصة خاصة دون أن يقحم هو تصوره . الأمر الذي جعله يتردد كثيراً في اختيار المكان؛ فقد قابل مثلاً خياطاً لكنه للأسف بطبيعته لم يتعود البوح. لابد للمشاهد أن يألف الشخصية وحواديتها، وإلا سيصير الفيلم مجرد عملية توثيق.

نوبار الأرمني يملك محل أحذية يحمل اسم إدوراد وهو والده. بعد الظهيرة يغلق الباب الخشبي البسيط ويذهب لتناول الغداء بمنزله الذي يبعد حوالي نصف الساعة. ثم يعود لمواصلة العمل مرة أخرى في المساء. الأحذية الموجودة هناك كلاسيكية تتوافق مع الجدران التي تساقط دهانها، الأمر الذي يجعل زبائن المكان جميعهم من كبار السن، إلا أن نوبار يجيد الانخراط معهم والرد على الجمل التي يلقونها مثله مثل أي بائع شعبي.
لكن للحق بطل الفيلم ليس وحيداً كما يتضح من الفقرة السابقة، حيث له صديق من نفس الجنسية يأتيه أحياناً ليقضي معه بعض الوقت؛ يتناقشان في أحوال بلدهما السياسية، مصر أقصد. يذكران أفلام “الكاو بوي” التي شاهداها بدور العرض في شبابهما ويتحسران على الدور التي تم هدمها أو إغلاقها، يلعنان سينما السبكي وذات مرة يستغرب أحدهما كيف تصل بهم الجرأة بأن يتفوهون بتلك الألفاظ النابية ك”ابن الكلب” ويستعرضون بمنتهى المباشرة مشهداً لشاب “يبوظ” فتاة، فقديماً مثلاً كانوا يعتمدون على حيل راقية كشباك تصطك ضفتيه مع برق ورعد.
الفيلم اعتمد على تكنيك يميزه عن بقية الأفلام التسجيلة وهو أن المخرج لا يفرض نفسه عليه، فالكاميرا وإن كانت حرة إلا أنها مقيدة ككلب في يد المصور ثابتة بمكانها لا تتحرك سوى يميناً ويساراً ولا ترصد إلا التفاصيل التي يراها نبيل مكونات جيدة لخلطته؛ الجدران، الأحذية في الواجهة، جلسة نوبار واستخدامه لأحد أغطية علب الأحذية كمروحة. أيضاً الألوان أتت متسقة مع حالة الفيلم مهترئة وغنية في الوقت ذاته. وبصورة واضحة تم الاعتماد على ضوء النهار ومصابيح الليل فترى طوال مدة العرض تباين درجة الإضاءة بخفة داخل المحل وعلى أوجه الناس. وإن كان نبيل أجاد اختيار المكان والفكرة فقد تفوق أيضاً في تصميم تكوينات أوروبية الطراز مدعماً إياها بتفاصيل غنية كالنتيجة والساعة والصور القديمة وأعترف أنه في أكثر من مرة تجتاحني رغبة قوية أن اضغط على زر البرينت سكرين. أيضاً شريط الصوت بليغ واختيار توقيتات التصوير صنع حالة ساحرة لم تفارقني حتى بعد التعرض للفيلم بوقت طويل. تماماً كما يحدث حينما أشاهد فيلماً فرنسياً.
أحمد نبيل خريج كلية فنون جميلة قسم تصوير، كان يحلم بالدراسة بالمعهد العالي للسينما حتى اكتشف أنه بإمكانه أن يصير مخرجاً دون الحاجة لخطوة كتلك. التحق بورشة الجيزويت وصنع عدة أفلام وثائقية ثم أتى فيلمه “17 شارع فؤاد” في 2014 ليحصل في نفس العام على جائزة أفضل فيلم تسجيلي قصير بمهرجان لقاء الصورة المنظم من قبل المركز الثقافي الفرنسي. وهو الآن يعمل على المراحل الأخيرة من فيلمه “سوف تطاردك المدينة” ويصور آخر بعنوان “ماريكا” والاثنان تسجيليان طويلان.
لمشاهدة الفيلم على الانترنت يمكن دفع مبلغ قليل من الدولارات أو بصورة ودية وذلك عبر التواصل مع المخرج نفسه.

(Visited 307 times, 1 visits today)
عن الكاتب
مارك أمجد
مارك أمجد مؤلف وصحفي مصري مواليد الإسكندرية ١٩٩٤ يدرس بكلية الإعلام-جامعة القاهرة. حصل على عدة جوائز أدبية آخرها المركز الثالث على مستوى الجمهورية بمسابقة وزارة الثقافة عن قصته "شي غابي". من أعماله " أنت تكرهني لأننا واحد" الحائزة على منحة مؤسسة KFW الألمانية، و"أحلى من الشوكولاتة" و"كأن الإله عصفور".