الآن تقرأ
فيلم (ديكور) ..عن العوالم الافتراضية ضد”السينما البتلّو”

 

أقر أني  لست ناقدا سينمائيا ولم أدع في أي وقت  ايخبرة فيه..أكتب فقط كمشاهد “تقيل”..بل وأعتبر أصلا عالم النقد في حد ذاته هو تسطيح وقولبة لإبداع من المفروض أن ينطق عن نفسه دون رأي السيد الأستاذ الدكتور الفلاني أو الناقد الكبير السيد علان.

فيلم ديكور هو قصة معاد تناولها عن حبكة الفصام وعوالم (دكتور جيكل ومستر هايد) ونجيب محفوظ (الاختيار) والتعقيدات النفسية والغموض بطيء الايقاع ..عنصر التنويع في اختيار السرد يستحق الإشادة..أدخلني محمد وشيرين دياب (مؤلفا العمل) في عالم الفيلم من أول مشهد حتى آخر مشهد..وابهرتني عدة نقاط درامية..مثل ربط العوالم الحائرة بينها البطلة (مها) بعشق الفن أو ممارسته..الالتفاف حول الحقيقة قبل نقطة التنوير جعلتني كمشاهد عادي محتفظا بابتسامة قلقة وتساؤل حقيقي..”أي العوالم حقيقي؟ وأيهما يستحق الوجود والاستمرار ؟ بغض النظر عن النهاية استطاعت عدة تفصيلات هامة جدا أن تبرز أهمية هذا العمل في النتاج السينمائي المصري..استخدام اللونين الأبيض والأسود أضاف محاولة للتعميق للفيلم وإن كانت فكرة تستحق التحية حتى مع محاولة دمجها في فكرة قصور الاختيار بين الأبيض والاسود كفكرة فلسفية..السخرية اللاذعة نفاذة الرائحة من الفيلم التجاري الرخيص والسيطرة المخزية له على حساب السينما الحقيقية في عدة نقاط مثل المنتج الفج والنجمة السينمائية المغرورة.. جعلا ابتسامتي تتسع وأنا أتخيل المؤلفين والمخرج وهم يبصقون “بشياكة” في وجه السينما “البتلو” .. ناهيك عن المفتاح الرئيسي لعوالم البطلة .. الفيلم المصري القديم وعوالم فاتن حمامة وعمر الشريف والذي بدا كوردة رقيقة على قبر السينما المصرية المجيدة .

الاخراج جاء مسيطرا على القصة وإن لم يطغ على ابداع “الديابين” صاحبا السيناريو المتميز بحق والحوار السهل الممتنع..جاء الاخراج بطيء الايقاع قليلا ربما لتوضيح وترسيخ طابع “السايكودراما” ولكن المجهود بارز من فريق الاخراج والصوت،  الموسيقي جاءت ضعيفة للأمانة وإن ناسبت بعض المشاهد ..وكنت أرى ان هذا الفيلم كان يستحق لمسات قوية كلمسات راجح داوود السحرية مثلا.

التمثيل وهو أهم العناصر يأتي بالنسبة لي في المرتبة الأخيرة..ليس لضعف الأبطال..ولكن كإطار داكن مكمل للوحة داكنة وكان الأجدر أن يكون فاتحا ..ماجد الكدواني ممثل متفرد وأصيل.. “غطس” بشجاعة في دور مصطفي بطل العالم الثاني ..ووجدتني أصفق له في خيالي عدة مرات في عدة مشاهد أهمها مشهده الأخير..خالد ابوالنجا أدى دور ينتمي اليه..بدا وكان المؤلفان قد تخيلا خالد في دور شريف أصلا ،ممثل صاحب طريقة خاصة جدا و لم أكن شخصيا اري أي “شريف” آخر سوي أبوالنجا..حورية فرغلي استغلت فرصة العمل بأكمله لتطلق صافرة خافتة تخبر بها “الشريحة الأخرى من المتفرجين” بأنها ممثلة جيدة..خاصة مع مشهد المفارقة في نهاية الفيلم والبطلة “مها” تتأمل بحسرة شاشة التفاز التي تعرض رقص صوفينار في أحد أغاني الأفلام التجارية التي شاركت هي نفسها فيه ..والتي أتت كعلامة ضمنية على العودة “للواقع”…تماما كما فاجأني المخرج بمعنى الفيلم كله مع آخر ثانية في مشهد النهاية ..عندما ختم ساعتين هي مدة الفيلم ..بلقطة ملونة مع ارتطام السيارتين أمام دار السينما..بلا شك فيلم ديكور فيلم جيد جدا استطيع أن ارشحه لك بقلب سليم في عطلة نهاية الأسبوع.. سيترك لديك انطباعا فوريا بأن السينما المصرية الجيدة ليست بعيدة تماما.

 

 

(Visited 1٬966 times, 1 visits today)
عن الكاتب
جمال النشار
كاتب ومؤلف مصري ..حاصل علي بكالوريوس في السياحة ودبلومة الادب الأنجليزي صدرت له اعمال ورقية قصصية ما بين الرواية والقصة القصيرة وشارك بعدة مقالات حرة و إبداعية بعدد من الجرائد الأليكترونية , حاصل على جائزة القصة القصيرة من المجلس الأعلي للجامعات عام 2004\2005