الآن تقرأ
مترجم – صُنع يورغن كلوب

في صباح 23 مايو 2008، عُين يورغن كلوب مديرًا فنيًا لبوروسيا دورتموند، لكنه لم يبدأ العمل مع دورتموند في الحال، في مساء نفس اليوم، وقف على مسرح كبير وسط ماينز، ليودع جماهير النادي الذي قضى فيه 19 عامًا من عمره.

في الخلفية، لُعبت أغنية ألمانية قديمة تقول ضمن كلماتها أن لا أحد يُغادر تمامًا بمعنى أنك لن تُمحى من الذاكرة أبدًا، وأمام 20 ألف من جماهير ماينز هتفت بإسمه، لم يتمالك يورغن نفسه وبكى، حينها، قطع وعدًا على نفسه، بألّا يتملكه أي ناد لكرة القدم فيما بعد.

والدي كان قاسيًا

نوربرت كلوب، كانت له ابنتان، لكنه أراد ابنًا، وهو ما قُدر أن يحدث لاحقًا، وسماه يورغن. عمل نوربرت مندوب مبيعات، ولكنه كان حارس مرمى واعد في شبابه. قضى فترة معايشة في شبابة مع نادي كايزرسلاوترن. لذا ولكونه رياضيًا، كان حريصا على مواظبة كلوب الإبن لممارسة الرياضة، من التزلج شتاء ولعب التنس في فصل الصيف، مع الاستمرار في ممارسة كرة القدم طوال السنة.
كانت هناك مشكلة واحدة، نوربرت كان أفضل بكثير من يورغن، في كل شئ. أثناء الجري في ملعب الكرة، تجد نوربرت في منتصف الملعب، أما يورغن تجده لازال في أوله، أما التنس فكان والده يتفوق عليه دائمًا، قد تجده فائزّا 6-0, 6-0.
حينها يقول يورغن غاضبًا: “هل تعتقد أن الأمر ممتع الآن بالنسبة لي؟”، فيرد الوالد نوربرت غاضبًا أيضًا: “هل تعتقد أنني أستمتع بوقتي معك؟”
“لقد كان قاسيًا”، يقول كلوب عن والده في مقابلة مع Die Zeit في 2009. “أثناء التزلج، كنت أرى معطفه الأحمر فقط دائمًا من الخلف. لم ينتظرني أبدًا. لم يكن مهمًا له أنني مبتدأ. أرادني أن أكون متزلجًا ممتازًا”.
نوربرت كلوب كان ممن ينتقدون بسهولة ويسر، ويمدح نادرًا. كانت تربية قاسية للشاب يورغن، لكنها غرست فيه الأسلوب الذي يسلكة الآن كمدرب لكرة القدم، لا شئ سوى الأفضل كي أسعى إليه.

وُلد ليكون مُدربًا

كلوب كان مشجعًا لشتوتجارت، وكان كارل هاينز فورستر، لاعب شتوتجارت وقلب دفاعه، لاعبة المفضل، لاعب غير موهوب فنيًا ولكنه قوي البنية، شئ ما في إخلاصة و ذكاءه وسلوكه، جعله محببًا ليورغن ، يقول يرجن كلوب لاحقًا: “أن شخصية اللاعب دائمًا ما تكون أهم من الموهبة”.
المبدأ الذي طبقه يورغن على نفسه حين كان لاعبًا، بعد أن عمل في عدة وظائف مختلفة، وقع أول عقد له كلاعب محترف مع ماينز في 1989، لاعب مجتهد، محدود الإمكانيات، في مركز المُهاجم، قبل أن يتحول سريعًا إلى مدافع للفريق.

“لم يكن جيدًا على المستوى الفني، لكنه كان يلعب بشراسة” ، يقول توماس زيمير، الذي زامل كلوب في ماينز، مرتين، مرة في منتصف التسعينات ومرة أخرى في 2000، يقول: “كان صديقًا جيدًا لكل اللاعبين”.
في التدريبات، كان كلوب يتناقش كثيرًا مع مدرب الفريق فولفجانج فرانك، واحد من أوائل المدربين في ألمانيا لعبا بأربعة مدافعين فقط في خط الدفاع، وعدم الاعتماد على ليبرو، في الوقت الذي شاع الإعتماد عليه حينها. الأسلوب الذي تأثر به كلوب عمومًا، في الاعتماد على الضغط العالي لخط الدفاع، والاعتماد على الأطراف في اللعب، أسلوبة مع دورتمند كان مماثلا لأسلوب فرانك.
“بسبب أحاديثه الكثيرة مع فرانك في الفنيات عرفنا أنه وُلد ليكون مدربًا”، يقول زيمير. وأضاف أن كلوب لديه العديد والعديد من الأفكار، لكنه استوحى أفكارًا كثيرة من فولفجانج فرانك.
براتب زهيد (900 جنيه إسترليني)، قرر كلوب أن يستثمر من أجل مستقبله، مرتين في الأسبوع، كان يسافر 250 ميل، إلى كولون ليحضر دورات تدريبية في مدرسة المدرب اريك روتمولر(عمل كمدرب مساعد للمنتخب الألماني 1994-2004).


في 2001 تدخل القدر، وأُقيل المدير الفني لماينز، إثر هزيمة في مباراة ذهاب، وعُقد إجتماع عاجل في فندق إقامة الفريق، بواسطة المدير الرياضي للفريق، كريستيان هيديل مع اللاعبين الكبار. “قلنا جميعًا أن يورغن هو الأنسب ليكون مدربًا للفريق من الغد”، يتذكر زيمير. وكانت تلك بدايته مع الفريق.
تحسنت النتائج فيما بعد، إلى أن صعد الفريق إلى البوندز ليجا في 2004، رغم امتلاك النادي لملعب صغير وميزانية متواضعة، صارع الفريق الهبوط لمدة ثلاثة مواسم وبقى ولكنه هبط بعدها. حين جاء عرض دورتمند، لم يخرج من الباب الخلفي كخائن، بل خرج كبطل على المسرح أمام جماهير ماينز.
“حين لعبنا سويا في 1994، كان ماينز فريق صغير، لكن الآن الفريق يمتلك ملعب جديد وميزانية جيدة ولاعبين جيدين، أندري شورلة وماركو مارين، خرجا من ماينز، كل ذلك نتاج عمل كلوب” – زيمير.

كلوب لدية أصدقاء فقط

كلوب قاد دورتمند للفوز بالدوري الألماني مرتين، الوصول لنهائي دوري الأبطال، الفوز بثنائية للمرة الأولى في تاريخ النادي. وتمامًا، مثل جماهير ماينز، مشجعي دورتمند لم يحترموا يورغن كلوب فقط، بل كان محبوبًا للجميع.
الأمر المُحزن أن نوربرت والد يورغن توفى في عام 2000 بسبب السرطان ولم ير إنجازات كلوب الإبن. الأب الذي كان أحد أهم الأسباب لنجاح يورغن كلوب في مسيرتة التدريبية، هو من علمه الإخلاص والتفاني في سبيل إتقان وكمال عمله.
كلوب يشاهد المباريات لساعات طويلة، على عكس ما يعتقده البعض، بأنه يهوى الإحصائيات ومهووس بالأرقام، صرح في وقت سابق أن نسبة بسيطة جدا، تثير إهتمامه من الإحصائيات الخاصة باللاعبين، في تصريحات له في عام 2012.
على العكس، كلوب يعتمد على أسلوب قديم لتحليل مباريات فريقه الجديد ليفربول، أيام الأحد ستُقضى في مشاهدة مباريات السبت والتركيز على أدق التفاصيل، مرارا وتكرارا، في الطبيعي، كلوب يشاهد مباراة من 90 دقيقة في خمس أو ست ساعات، حين يأتي الثلاثاء، يُطلع الفريق على ما نُفذ في المباراة بشكل جيد وما لم يُنفذ جيدًا.
يقول زيمير أن الجميع في النادي أصدقاء لكلوب، من رئيس النادي وحتى سائق الباص، تلك هي شخصيته، كلوب لديه أصدقاء فقط.


ثم في 23 مايو 2015، بعد سبعة أعوام كاملة من تركه لماينز، يترك دورتمند في نفس اليوم، مرة أخرى يودع كلوب الجماهير، تلك المرة في دورتمند. ولتجنب البكاء أثناء وداعه، سجل فيديو وتمت إذاعته على الشاشة الكبير في الملعب، ووقف كلوب وسط الملعب وبدأ في البكاء مرة أخرى.
لا أحد يُغادر تمامًا، ومن الممكن أنه قطع على نفسه وعدًا آخر تلك المرة ولكنه لن يوفيه أبدًا.


المصدر: تيليجراف