الآن تقرأ
كانتونا مانشستر..لزوم مايلزم

صباح الثلاثاء  17 ديسمبر 1991 ، يقف كانتونا في شرفة منزله يستعيد ذكرياته مع مارسيليا التي يدين لها بالكثير، في ضواحي مارسيليا التي تعج بالجاليات المختلفة تعلم كانتونا الكرة، الكرة الحقيقية التي يموت من أجلها البشر، تكسبك الشرف و الكبرياء أو تلحق بك العار .. كرة الشارع التي يفضلها إيريك ويرى كل ما هو سواها زيف و إدعاء.

ينطلق صوت جون داسان الحزين من الراديو غير آبه بالشاب ذي الأربع و العشرين عاماً الذي يقف الآن على حافة الهاوية تماماً  فلقد أعلن ايريك كانتونا أمس اعتزاله لكرة القدم نهائياَ !!!

” لو لم تكوني موجودة، أخبريني لماذا أوجد أنا ؟ ألكي أمضي في عالم من دونك؟ عالم بلا أمل أو ندم ”

يكررها داسان و كأنها موسيقى تصويريى للمشهد الحالي لإيريك كانتونا، من يكون كانتونا دون كرة القدم و لكن كرة القدم بالنسبة له ليست تلك الكرة التي يريدونها .. كرة قدم الشارع هي أصل الكرة، لم يستطع كانتونا أبداً أن يفصل بين بدايته مع الكرة في ضواحي مارسيليا و بين كرة القدم النظامية في الأندية، كان متحمساً بصورة لم يحتويها البعض أو يفهمها فبدأت مشاكله مبكراً عام 87 عندما لكم زميله برونو مارتيني في وجهه ثم في العام الذي يليه تدخل بعرقلة خطرة على لاعب نانت زاكاريان فتم إيقافه ثلاثة اشهر إلا أن ناديه نانت هدد بعدم اشتراكه في المنتخب الوطني فخففت العقوبة لمدة شهرين و هو كان قد شارك في فوز فرنسا ببطوله أوروبا للناشئين تحت 21 عاما محرزاً هاتريك في ربع النهائي أمام إنجلترا و كان الإجراء الطبيعي آنذاك انتقاله للفريق الذي يشجعه من الصغر مارسيليا و في مباراه ودية أمام توربيد موسكو ألقى بالكرة للجماهير و رمى قميصه على الأرض عندما تم استبداله و هو كان قد تم ايقافه للعب دولياً لمدة عام بعد أن تحدث بالسوء عن هنري ميشيل المدرب الوطني آنذاك .. لم يستطع مارسيليا أن يحتمل أكثر من ذلك من كانتونا فأعاره إلى بوردو ستة أشهر ثم مونبيلييه لمدة عام ليعود كانتونا إلى الشجار مرة أخرى و يرمي حذائه في و جه زميله الأمر الذي جعل ستة من الفريق يطالبون رسمياً بالاستغناء عنه إلا أن فالديراما و لوران بلان ضغطوا على الاداره لاستمراره و أمام المستوى المبهر لكانتونا رضخت الإدارة ليكمل في مستواه المميز و يجبر مارسيليا على إعادته.

لعب كانتونا جيدا في الفتره الثانية له في مارسيليا تحت قيادة المدرب جيرار جيلي ثم خليفته بيكنباور و لكن رئيس النادي بيرنار تابي لم يرض عن النتائج فاستبدل  بيكنباور برايمون جويثالس و لم يكن كانتونا على وفاق مع المدرب أو حتى رئيس النادي و تم بيعه إلى نيم و في ديسمبر 1991 انفعل كانتونا على قرارات الحكم فرمى عليه الكرة و تم إيقافه شهرين بعد أن حقق معه من قبل لجنة تأديبية من الاتحاد الفرنسي  فكان رد كانتونا هو سب أعضاء اللجنه فردا تلو الآخر و إعلانه اعتزال الكرة !

“أنا لا ألعب ضد فريق معين. أنا ألعب ضد فكرة الخسارة”

لم يفق كانتونا من كل تلك الأفكار إلا على صوت ميشيل بلاتيني مدرب المنتخب الفرنسي و الذي كان من داعمي كانتونا دائماً  بخبره أنه في انتظاره للتحدث قليلاً

– لماذا تصر دائماً على افتعال المشاكل

-الكل كان يريد أن يرميه بالكرة فقط لم يمتلكوا الجرأة الكافية

-ثم تسب أعضاء باتحاد الكرة

– إنهم لا يفقهون شيئاُ عن كرة القدم ! لماذا لم تتم معاقبة الحكم حتى !

لقد سئمت من الجميع ، أنت تعرفني جيداً ، أنا لا أجيد لعب الكرة مرتدياً الكرافتة ، لتكن النهاية.

– لاتكن أحمق ، إن لم تلعب الكرة ستظل جالساً في منزلك حتى تتعفن .. أنت لا شيء بدون الكرة.
لقد قابلت مدرب ليفربول  سونيس بعد فوزهم على أوكسير و قلت له إنك متاح للعب معهم و لكنه لم يتحمس  ثم جاء لي بعدها اتصال من ليدز يريدونك، أرى أنه من الأفضل لك مغادرة فرنسا .. إذهب الي انجلترا و أرهم من هو كانتونا.

– حسناً سيعرف الجميع من هو إريك كانتونا .
 

انتقل كانتونا إلى ليدز ليحرز معهم الدوري الغائب منذ عام 1974 بتمريرات أكثر من حاسمة و ظهور متميز في خمسة عشر مباراة من الموسم ثم أتت اللحظة الفارقة في تاريخ كانتونا و لكن ليس تاريخه وحده فحسب بل و تاريخ نادي بحجم مانشستر يونايتد، اتصل رئيس ليدز يونايتد بمارت إدواردز رئيس مانشستر الذي كان في اجتماع مع فيرجسون أثناء المكالمة كانت المكالمة بخصوص ما إذا كان دينيس ايروين متاح للبيع و استقر الاثنان علة صعوبة بيعه ثم اقترح فيرجسون على مارتن أن يسال رئيس ليدز هل إيريك كانتونا متاح للبيع أم لا و في غضون أيام قليلة تمت الصفقة .

إن كان يونايتد يدين بالكثير للسير أليكس فيرجسون فإنه ايضاً لا يستطيع أبداً أن ينسى دور إيريك كانتونا أو الملك كما اسمته جماهير اليونايتد .. كان كانتونا في أشد الاحتياج لنادي بحجم مانشستر و حماس جماهيره لتتم عملية إحياؤه مرة أخرى ،كانتونا لا يعترف إلا بالكرة التي يصاحبها الصراخ ، الكرة التي من أجلها تقطر دماً و من يستطيع أن يقدر قيمة ذلك سوي جماهير الشياطين الحمر أما مانشستر فكان يحتاج إلى الرجل الذي يلتف حوله الجميع، الذي تنسج حوله الخيوط ، الذي يؤمن بأن مانشستر ستسود انجلترا، بأن ليفربول انتهى تماماً .
بدا كانتونا الموسم مع مانشستر متأخراً كان يونايتد يحل ثالثاً في الترتيب، لم يكن الفريق مرشح اطلاقا فهيوز و براين لم يكن في حالتهما الفنيه حتى صفقى الصيف دبلن تعرض لكسر يبعده عن الملاعب لستة اشهر ، اتجهت الأنظار نحو كانتونا و هو كان يحب ذلك !

لقد انطلق كانتونا كما لم تر مدينة مانشستر من لاعب أبدا، لقد أوصل الملك الجميع إلى مواجهة الحارس حتى أن هيوز أنهى الموسم بخمسة عشر هدف .. أنهى مانشستر الدوري في المركز الأول الأمر الذي لم يتحقق منذ 25 عام ليبدأ مانشستر حقبة جديدة تماماً على يد الملك .

بدأ كانتونا الموسم الثاني بالرقم 7 ( موسم 93 هو أول موسم يتيح للاعب الاحتفاظ برقم معين دون النظر إلى التشكيلة الأساسية) رقم جورج بيست أسطورة الشياطين الخالدة و فعل في الكرة ما لم يفعله بيست نفسه ليحتفظ مانشستر بالدوري بفضل الملك الذي أحرز هذا الموسم 25 هدفا في كل البطولات.

أعطي لكم كل الشمبانيا التي شربتها في مقابل أن ألعب مباراة مع كانتونا في الأولد ترافولد .. جورج بيست.

ثم الموسم الثالث_ موسم ركلة الكونج فو _ كانت بداية الموسم مثالية و كان مانشستر في طريقه للاحتفاظ بالدوري للمرة الثالثه حتى حدثت حادثة الكونج فو الشهيرة عندما طرد كانتونا أمام كريستال بالاس و في طريقه لممر الخروج قام بحركه كونج فو في صدر أحد المشجعين الأمر الذي استلزم إيقافه لياقي الموسم، الموسم الذي خسره مانشستر لصالح بلاكبيرن.

” يا إلهي !! مرة أخرى ؟! هل أنت كفيف يا سيدي لقد كان ممسكا بقميصي كأنه يملكه لما لم تر سوى إني ركلته ؟ لماذا لا تريدون أن تلعبوا الكرة كالرجال، حسناً إنها ليست المرة الأولى ”
قالها كانتونا وهو في طريقه إلى ممر الخروج بعد أن أثنة ياقة قميصه و كأنها إشارة إلى أن المباراة انتهت بالنسبة له و لكنه سمع صوتاً ليست المرة الأولى التي يسمعه فيها، ارحل عن هنا أيها الفرنسي .. ارحل من هنا يا ابن العاهرة ” التفت إليه كانتونا و لم يحاول أن ينظر إلى وجهه، فقد كان متأكداً بأنه يشع حقداً و كراهية و لم يتمالك نفسه كعادته لقد طار في الهواء و في ثانية كانت قدمه تلامس صدر الرجل بحركة كونج فو متقنة ، لقد وجه هذه الركله لكل من يختبيء وراء الحشد أو المناصب أو الألقاب، لكل من لا يستطيع أن يتعامل مع الأمر كرجل ”

“أفضل ذكرى ؟ أملك الكثير من الذكريات و لكن أفضلها عندما ضربت الهوليجان”

https://www.youtube.com/watch?v=BCT_G6ohOmY

لعب كانتونا موسمين تاليين في مانشستر أحرز فيهما الدوري و أعلن فجأة اعتزاله لأنه كان يريد أن يترك الجماهير و هم يتغنون باسمه ترك مانشستر في شأن أخر كما جعل منه مانشستر رجلاً آخر .

” مانشستر يونايتد أقوى من أي شخص في العالم ”

مديناً لك بحياتي يا بلاتيني.. خمس سنوات في الأولد ترافولد هي حياتي بأكملها ”
هذا الحماس في أعين الجماهير .. هذا الهتاف من أجل النصر .. لا شيء جدير بكانتونا مثل الأولد ترافولد
ياقتي مشدودة ، صدري مرفوع، ادخل الحلبة كما لو أني أملك بها مكاناً لعيناً خصص لي وحدي ..أي حلبة، في أي مكان
ولكن ليس أكثر من الأولد ترافورد. إنها حلبتي المفضلة. لقد أحببتها، و أحبني الناس هناا
ذلك ما لم يفهموه في فرنسا .. يريدونك أن تبتسم في و جه خصمك يريدونك أن تسير كعارضات أزياء سان لوران … حتى و لو كنت تغادر أرض الملعب مستبدلاً مهزوما يملؤك العار تلك المثالية الفرنسية اللعينة!!
أشعر هنا بالحماس، ربما حان الوقت لكي يفصلنا، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر ذلك هنا، خلف نوافذ مانشستر يونايتد، هناك حب مجنون لكرة القدم .
من أجل كل هذا أردت أن أجعله هدفاً تاريخياً .. أردت أن أقف و أدور بوجهي في كل جنبات الأولد ترافرود .. أردت أن ارى هذا الحماس الذي أحيا كانتونا من جديد .
هدفاً يليق بكانتونا .. هدفاً يليق بمانشستر .. هدفاً يليق بموسم الوداع.

” عندما تفوز ببطولة فإن المدينه تصبح ملكاً لك ” الملك كانتونا

 

عن الكاتب
محمود عصام
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق