الآن تقرأ
بطة إبسن البرية

لعل القليل في هذه الأيام من يهتمون بقراءة الفن المسرحي الأدبي مقارنة بالأدب الروائي أو الشعري , ولكن يظل المسرح من أهم وأجمل الأدبيات الموجودة على مستوى العالم … الكثير منا قد سمع عن اسم الكاتب النرويجي هنريك إبسن ولد عام 1844 وقد لقب ب “أبو المسرح الحديث” له 26 نص مسرحي ودوماً ما كانت تأتي شهرة إبسن بعد شكسبير , وقد وصف النقاد دوماُ أعماله بالقنابل الموقوتة , ويكفي أن تعلم أنه من قد تنبأ وتبنى قضية المرأة في مسرحيته ( بيت الدمية ) واهتمامه بالمجتمع المحيط به وأن هناك شخصيات تمثل الحقيقة كاملة ولكن الناس يتهمونهم بالكذب مثل ما حدث بمسرحيته ( عدو الشعب ) , وعن نصه المسرحي البطة البرية والذي كتب عام 1884 المثير يرسم شخصياته بأدق تفاصيلها لتشعر بأنك أمام أفراد من لحم ودم , ذلك النص المسرحي الذي يزخر بالمشاعر الإنسانية ويفيض بالعطف .

الصراع بين المثالية والواقعية هو لب مسرحية ( البطة البرية ) , استطاع إبسن في البداية أن يشرح لنا خلفية شخصية ( هاكون فيرله ) عن طريق إقامة حفلاته الصاخبة بمنزله ودعوة أصدقائه وهروبه دوماً من صديقه القديم ( أكدال ) الذي عندما يراه يجر وراءه الكثير من الذكريات المؤلمة له , علاقة مركبة بين صديقين وشركاء في العمل لسنوات لينحدر بهم الزمان ليصبح الأول ( فيرله ) رجل تاجر يحافظ على اسمه والآخر ( أكدال ) تاجر مفلس خارجاً لتوه من السجن ويبتعد عن عيون الناس .

براعة إبسن في نقل علاقة الشخصين في أقل من خمسة أسطر تجعلك تنتظر ما قد يحدث خصوصاً مع ظهور شخصية ( جريجرز ) ابن ( فيرله ) الذي يعمل بإحدى المصانع بعيداً عن والده ومنزله المزين دليل على ثراء التاجر فيرله , جريجرز المؤمن بالمثل العليا والذي يرى والده شخصاً نرجسي كل ما يهمه مظهره وعلاقاته وعمله فقط ويراه بأنه قد ظلم أمه قبل وفاتها عن طريق خيانته لها مع الخادمة ( جينا هنسن ) والتي قد ساعدها ( فيرله ) في الواج من إبن صديقه ( أكدال ) وساعده أيضاً بأن يعمل مصور محترف وهنا يشعر جريجرز بأن أباه قد ساعده بسبب إخفاء الماضي بكل صوره وأحداثه .

بالفصل الثاني ينقلنا إبسن إلى حياة ( يالمر ) وأبيه التاجر المفلس ( أكدال ) بالإستوديو الخاص بيالمر وبيته بنفس الوقت مع زوجته ( جينا ) وابنته ( هدفج ) والتي تشعر ببعض متاعب قصر النظر وهنا تدور أحداث العرض بشكل كامل , تشعر هنا ببساطة حياتهم .

تبدأ الأحداث عن الكسرة النفسية في اعتذار ( أكدال ) لابنه ( يالمر ) حين كان في الحفل وقد خرج أمام الضيوف والعيون تراقبه والحقيقة أن يالمر لم يسامح نفسه حين غض نظره عن أبيه هروباً من الموقف بالحفل ونظرات الضيوف الشامتة , الموجع في الأمر كيف تحول حال الملازم أكدال من ضابط بالجيش ثم تاجر كبير له كلمة مسموعه ووزن بالحياة العامة إلى ذلك الرجل العجوز الكثير الكلام والتصرفات الغريبة وتحمل ( يالمر ) كل هذه الظروف القاسية حتي حين تطلب ابنته ما قد يجلبه معه بالحفل يكتفي بإعطاءها ورقة قائمة الطعام ليصف لها مذاق كل صنف بعد ذلك ..!! ينقلنا إبسن بوصفه للحالة التي هم عليها من فقر وتعب في تدابير احتياجات الحياة إلا أنك لا تملك شيئاً سوى التعاطف معهم , نقل صورة الفقر التي يحيط بهذة الأسرة ورجل مسن لا ينسى أحد ماضيه ورب الأسرة ( يالمر ) متحملاً كل هذا بقليل من طلبات التصوير التي تأتي له وأمل اختراع سيحققه يغير مفهوم التصوير في العالم , لا أجد مفراً من القول بأنه لابد أن يكون هنريك إبسن قد رأى أبطال مسرحيته واقعياً بالحياة لكي يستطيع أن ينقل معاناتهم وشعورهم بهذا الشكل .

زيارة ( ريجرز ) لـ ( يالمر ) بمنزله – الاستديو-  إبسن يطلعنا فيها علي الكثير عن أكدال ذلك الرجل العجوز الذي يستحق العطف ويعيش في عصور غابرة وعن جينا زوجته التي تعامل ريجرز دوماً على أنه يعلم ما قد حدث قديماً وتتجنبه وتلك الطفلة هدفج ابنتهما والتي قد تصاب بالعمى في أي لحظة كل هذه التفاصيل تشعرك بأنك أمام عرض ميلودراما كلاسيكي تقليدي ولكن أعدك بأن الأحداث وما قد سيأتي يختلف تماماً , عن قراءتك تشعر بأن تلك العلاقات المتشعبة لابد لها من حدث ما يغير كل شيء .

حين يقرر ريجرز إيجار غرفة بمنزل يالمر ويعيش معهم بالمنزل هنا قد قرر أن يقترب منهم أكثر ليعلم معاناة والده أكدال ولفرض نظريته عن المثالية على الجميع ليرى كيف أن العجوز أكدال أنه أحياناً يهرب إلى عالمه القديم وأن يالمر دوماً ما يشغله مساعدة والده والاهتمام باختراعه الذي سيعيد مكانة الأسرة وأن جارهم الدكتور رلنج مؤمن به ويشجعه على ذلك , يعلمنا إبسن من خلال الجمل الحوارية لأبطال عرضه بأن هناك خلفية لعلاقة دكتور رلنج وريجرز وأن علاقتهما تبدو قديمة , وأن دكتور رلنج يرى أن ريجرز مختل نفسياً .

عند زيارة والد ريجرز (هاكون فيرله ) بالإستديو ومهاجمته لابنه ريجرز ولأسلوبه بالحياه يضعنا إبسن أمام حيرة بين هذه الشخصيات وتتسائل لماذا ينظرون لمثالية ( ريجرز ) لأنها مرض نفسي ؟! والرمز الذي اتخذه إبسن ( البطة البرية ) بين حين وآخر على لسان هدفج  هو الرابط بين الأحداث وكيف أن جميع عائلة يالمر يملكون كل على حدا بعضاً من صفات البطة البرية بداخلهم , فحين ينفرد ريجرز بــ يالمر محاولاً نشر أفكاره المثالية عن أن زواجه بـ ( جينا ) لم يكن قائماً على الصدق منذ البداية حين أخفت عنه علاقتها القديمة بوالده ( ماكون فيرله ) وبالطبع أثرت تلك الكلمات بــ يالمر وقد أشعلت حرباً نفسية بداخله وإيمانه ببعض من مثالية ريجرز , فيعود لمنزله يجد ( مسز سوربي ) تعلن عزمها الزواج من ( ماكون فيرله ) وأنها أخبرته بكل شيء بالماضي وهو فعل ذلك ليعقد مقارنة يالمر بعقله بين هذا الزواج وبين زواجه من جينا وهنا كانت عبقرية إبسن ليجعل القاريء يفكر بنفس الأمر هل مثالية ريجرز علي حق ؟

تتغير الأمور رأساً على عقب حين تترك مسز سوربي خطاباً لابنته من ماكون فيرله يخبرها بمساعدتها مادياً هي وجدها ويعلم منها بأن ماكون على أعتاب الشيخوخة وسيصاب بالعمى , كما أنه يكفر عما قد مضى بحياته بهذا الفعل حينها يجن جنون يالمر ويبدأ بالشك في بنوته لــ هدفج فيترك المنزل غاضباً , وهنا يوضح إبسن بأن لو العلاقات بين البشر والأشياء عرفت حقيقتها والنظر إليها عن قرب حينها ينهدم الكثير ويصاب الإنسان بكثير من الشكوك والتوتر في كل من حوله وكل شيء .

حينها تشعر هدفج بكل ما يحمله والدها بداخله وتنهار من البكاء هنا يبدأ ريجرز معها نفس الفكرة لنشر مبادئه, يقنعها بالتخلي عن أغلى ما تمتلك وعي البطة البرية فبقتلها تعبر لأبيها عن حبها له وتسترد رجوعه للمنزل وتؤكد هدفج بأنها تستطيع فعل ذلك فقط من أجل والدها .

بالفصل الأخير يأخذنا إبسن إلى الصراع الحقيقي بين جريجرز ودكتور رلنج وإن كان بالحقيقة هو صراع بين العلم والواقع المتمثل في شخصية دكتور رلنج والمثالية المطلقة في شخصية جريجرز , فيصف دكتور رلنج الماضي الذي كان يعانيه يالمر وأنه يراه مريض نفسي وريجرز أيضاً كذلك وأنه يقوم بمعالجة كل من بالبيت عن طريق إيهامهم الكاذب بالحياة .

يري إبسن على لسان دكتور رلنج بأن الإيهام الكاذب هو الحياة وحين تسلب من شخص الكذب بالحياه فإنما تسلب منه السعادة ولذلك لتنظر لهذا الرجل المسمى ( أكدال ) فهو يقوم باصطياد الأرانب بغرفة مظلمة بها بعض الدجاج والطيور وشجر عيد الميلاد القديم موهوم بأنه مازال بين الغابات ويقوم باصطياد الدببة مثلما كان يفعل فيما مضى هذا هو الإيهام الكاذب وأمل غير حقيقي نعيش عليه ..!!

وحين تقرر هدفج تنفيذ ما قد أوحى لها به جريجرز بقتل البطة البرية تقوم بقتل نفسها , حينها ينهار يالمر ويقوم بلوم نفسه بأنه فقد حبها وجينا زوجته تشعر بأهمية حياتهما معاً , ليتأكد جريجرز بأن الحزن قد أثبت أن المثالية قد اتضحت وانتصرت بحبهما الحقيقي لبنتهما وفقدانها قد أفاق كل منهما لأهمية حياتهم ولكن دكتور رلنج يري بأن هذا بفعل الظرف الراهن الكل يعظ أمام الموت ….

 

ويتضح من هذا النص بالفعل أن إبسن كان من أهم الكتاب الذين اهتموا بتعرية النفس البشرية وفضحها أمام نفسها أو كما وصفه النقاد بأن مسرحياته بمثابة القنبلة الموقوته , إبسن يضع كل منا أمام حقيقته ونص البطة البرية يكشف للإنسانية بأن الحياة لا تسير على المثالية كما ينبغي ولا حتى تتجه نحو ذلك ولا هي بالعلم الواقع وإلا قد جننا جميعاً , يطرح نص البطة البرية تساؤلاً هاماً هل بالفعل نحن نعيش حياتنا كما قال دكتور رلنج :

بالإيهام الكاذب ….؟؟!!

 

(Visited 191 times, 1 visits today)
عن الكاتب
حاتم سعيد
1التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق