الآن تقرأ
الأيام الأخيرة في حياة “بقلظ”

عندما بدأتُ عملي بالصحافة، اقترح عليّ الكثير من أصدقائي أن أكتب باسم “أميرة شكوكو”، لأن في الواقع، وهو أمر أتحدث عنه للمرة الأولى بهذا الوضوح، الممثل محمود شكوكو هو عم أمي أي في مقام جدي، ولكني لم أقابله في يوم، ولم أتعرف عليه، ولم أتشرف بأي تجربة شخصية معه، والحكايات التي سمعتها عنه كانت من “عم خيري”، الكاتب الكبير خيري شلبي.

ولذلك شعرت أن هذا الاسم ليس من حقي، حيث إن هناك في العائلة بالفعل “أميرة سلطان شكوكو” وهي الحفيدة الفعلية لمحمود شكوكو، لكن، من جمعتني به علاقة قوية، في أيامه الأخيرة فقط، هو بقلظ أو “إبراهيم شكوكو”، خالي، والجندي المجهول وراء كواليس ماما نجوى، حيث ظن الكثير من الناس أن الفنان سيد عزمي هو من يحرك “بقلظ”، ولكن في الواقع سيد عزمي هو من كان يقوم بالأداء الصوتي فقط، بينما ظل إبراهيم شكوكو محرك عروسة بقلظ مجهول إعلامياً.

علاقتي بإبراهيم شكوكو في بداية عمري، كانت تتلخص في تلك الغرفة ببيت جدتي القديم في الحلمية الجديدة، غرفة العرائس الخاصة بخالي، والمليئة بالوجوه الثابتة، والأجساد الخشبية الملقاة في كل اتجاه في انتظار أصابع خالي إبراهيم لتبث فيها الحياة، رائحة الغراء التي استخدمها في تشكيل العرائس وتركيبها، تسير إلى أنفي، كلما ذكر اسم بقلظ أو ماما نجوى أمامي.

على مدار حياتي كانت علاقتي بخالي إبراهيم سطحية إلى حد ما، حيث إنه كان شخصا متوحدا، لا يحب الاختلاط بالآخرين، حتى بعد وفاة زوجته، فضل أن يعيش وحيداً ولم يبدل رأيه بعد زواج ابنه وابنته، وكان دائماً يفضل العيش وحيداً، بين عرائسه التي صنعها بيده، وبيته، ومسرح العرائس التابع للدولة، والذي يعتبر اسمه فيه حتى الآن علامة كبيرة ومميزة كأستاذ للكثير من العاملين هناك، ولكن القدر وضعني أنا وهو خاتمة جديرة بالحكي.

عندما مرض بشدة، كان بيتنا الذي نعيش فيه، وهو بيت عائلة أمي، هو الأنسب للإقامة، كانت حالته الصحية قد وصلت إلى الحد الذي يستوجب احتجازه في المشفى ولكنه كان يكره ذلك، ولم يكن على أخته “أمي”، سوى أن تستقبله في المنزل، وقضى آخر أيامه بيننا أنا وأمي وأخي، حيث تعرفت عليه للمرة الأولى وعاشرته وعلمت لماذا كان يفضل العيش وحيداً.

كانت طباعه صعبة للغاية، ولم يكن سهل العشرة، وكان تنتابه رغبة عارمة في تناول الـ”كنتاكي” في أوقات غريبة من اليوم، وأنا كإنسان يكره جو المرض والمستشفيات بوجه عام نتيجة لتجربة طويلة لا داعي لذكرها، كانت تفاصيل خالي أو “بقلظ” من محاليل وأدوية وجروح ودماء، تثير في نفسي الكثير من الألم، وكأنني أرى طفولتي ممدة على فراش الموت، كأنني أرى بقلظ نفسه والكانيولا موصلة إلى أصابعه الصغيرة الرقيقة التي كان يلوحها في وجهنا ونحن صغار ليشعرنا بالبهجة.

قبل موته بأيام، تعلق بي بشدة، حتى أنه كان يسأل أمي دائما عن موعد رجوعي، ربما لأنني كنت الشخص الوحيد الذي لا يرفض أن يطلب له الـ”كنتاكي” في أي لحظة من اليوم، تحت مبدأ أنني لن أتحمل أن أحرم شخصا مشرفا على الموت من أي شيء مهما كان هذا تكديراً لي.

وللمرة الأولى، في ليلة وفاته، رأيت بعيني كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى “جثة هامدة”، جثة تشبه العرائس الملقاة في غرفة بيت جدتي القديم، عيناها محدقة في سقف الغرفة، في انتظار من يمد أصابعه ليحركها ويعيدها للحياة، ولكن، عندما يموت محرك العرائس، بقلظ، إبراهيم شكوكو، لن تعود يد القدر وتحركه مرة أخرى، ولم ولن يتذكره الإعلام ولو بكلمه واحدة.

ولم يذكر التاريخ إبراهيم شكوكو، الشخص الذي أثرى مسرح العرائس بما تعلمه عن جده محمود شكوكو مؤسس مسرح العرائس في مصر، وعلى الرغم من عدم قربي القوي له، إلا أني لا أستطيع أن أنكر تلك الغصة التي تهاجمني كلما تحدث أي شخص أمامي عن بقلظ.

وذكر الفنان سيد عزمي على أنه محرك بقلظ، وفي كثير من الأحيان لا أقوم بتصحيح هذه المعلومة، ولكن بعد أن علمت أن بقلظ سيكون ضيف صاحبة السعادة هو وماما نجوى، شعرت أن هناك واجب على أن أخبر محبي بقلظ، أن هناك شخصا مجهولا وراء تلك العروسة التي شكلت طفولة جيل كامل.

عن الكاتب
أميرة حسن الدسوقي
أميرة حسن ابراهيم الدسوقي خريجة كلية الاداب قسم اعلام وعلوم اتصال دفعة 2006،تعمل صحفية وباحثة ومعدة أفلام وثائقية، عملت في العديد من الجرائد المصرية و العربية منها الدستور والمصري اليوم والحياة اللندنية، لها مجموعة قصصية في المكتبات بعنوان "بس يا يوسف" وقد حصلت تلك المجموعة على جائزة ساويرس.