الآن تقرأ
عصر الظلام – مصر في العهد العثماني (1/7)

لا توجد أمة على وجه الأرض تتغنى بغزاتها كأمتنا، بل تترحم أيضًا عليهم وتتمنى عودة أيامهم! فبينما يتغنى البعض بمآثر الدولة العثمانية في مصر، تؤكد لنا صفحات التاريخ أن مصر في العهد العثماني شهدت أسوأ عصورها على الإطلاق.

عانت مصر الكثير في هذا العصر من الاستبداد والتسلط وعمليات السلب والنهب المتواصلة من ميلشيات الانكشارية والمماليك، والتي عاثت في الأرض فسادًا وأدخلت مصر في نفق مظلم لم تشهد مثيلاً له طوال تاريخها الطويل.

كانت المجاعات والأوبئة سمة ذلك العصر، الذي عانت فيه مصر من العزلة الحضارية التي فرضت عليها، فاتسعت فجوة الحضارة بينها وبين دول الغرب الناهضة في ذلك الوقت لتصل إلى قرون كاملة، بعد أن كانت في الماضي تصدِّر الحضارة لكل شعوب الأرض.

ويشير المؤرخ العلامة د/حسين مؤنس إلى هذا الأمر في كتابه “الحضارة، دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها”، حيث يقول:

“دام الحكم العثماني في مصر والشام 281 سنة لم تتحرك خلالها الحضارة في بلادنا خطوة واحدة إلى الأمام، بل تراجعت بشكل مخيف حتى كان المستوى الحضاري لبلادنا عندما دخلها الفرنسيون سنة 1798 أقل بمراحل عما كان عليه في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي”.

ويقول في كتابه “الشرق الإسلامي في العصر الحديث”:

“حتى القول بأن قيام الدولة العثمانية كان يقظة للعالم الإسلامي لا يخلو من خطأ، إذ استمر الركود بل استحال خمودًا، وزادت الهمم هبوطًا والعقول جهلاً وتضاءلت في نواحي الدولة بوارق النهوض الأدبي أو الفني التي كانت تنبئ بالخير في بعض نواحي مصر والشام، فسكن كل شيء وركد في ظل هذه الوحدة الظاهرة التي عرفت بالدولة العثمانية. وانقطعت الصلات التجارية والحضارية بين الشرق والغرب بعد أن كانت قائمة ماضية في سبيل القوة في أواخر أيام المماليك، فكان انقطاع الصلات هذا أكبر العوامل في تفوق أوروبا على العالم الإسلامي، إذ أنه وقف مكانه ومضت أوروبا في سبيلها قدمًا”.

بينما يقول الأستاذ محمد الششتاوي في تقديمه لكتاب “تحفة الأحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب” للمؤرخ “ابن الوكيل”:

“والكتاب يُعد وثيقة واضحة لمظاهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر العثمانية إلى جانب السرد التاريخي للأحداث، ونستشف منه معاناة الشعب المصري وما وقع عليه من ظلم وجبروت وإهمال لمصالحه لتفشي الفساد الإداري في نظام الحكم آنذاك وانعدام الأمن وتردي الأوضاع الاقتصادية وإثقال كاهله بالضرائب الباهظة إلى جانب معاملتهم معاملة عبيد لطبقة عسكرية حاكمة تتمتع بكافة المزايا التي تجعلها دائما فوق القانون”.

وهذه المقالات هي رحلة إلى الماضي، نحاول فيها معرفة ما إذا كان العهد العثماني في مصر يستحق بالفعل أن نتغنى به، أم أن نتبرأ منه، أن نحن إليه، أم أن نفر منه ونأخذ منه الدروس والعبر، هل كان هذا العهد علامة فارقة في تاريخ مصر، أم أنه كان بالفعل “عصر الظلام”، ظلام العقول، والقلوب، على حد سواء.

والله والوطن من وراء القصد…

 

 

مقدمة:

يتميز الإنسان عن سائر المخلوقات بأن له تاريخًا، وهذا التاريخ يضم التجارب الإنسانية لمن عاشوا في مكان ما، أو دولة ما، أو العالم بأسره.

وتتميز الأمم المتقدمة عن غيرها أنها تتعلم من هذه التجارب، وتحللها في ترو، وتدرسها في تأن، حتى تستخرج منها ما يصلح لزمنها الحالي، ويبني لها مستقبلاً واعدًا، وتنقي منها ما أثبت فشله، وكانت له آثار مدمرة، وتضع الخطط حتى تتجنب حدوثه مستقبلاً، ولهذا فإن هذه الأمم لا تكذب أبدًا عندما تقوم بتعليم تاريخها للأجيال الصاعدة، حتى تكون الصورة لهم واضحة، ولا يكررون الأخطاء الفادحة، ويكملون في الغد المسيرة الواعدة.

أما الأمم الأخرى، وعلى رأسها للأسف أمتنا، فهي لا تستوعب دروس التاريخ، وتكرر الأخطاء نفسها بمنتهى السذاجة، ذلك لأنها غارقة في عشق الماضي، وترى أن لا عزة لها إلا بالعودة إليه، لأنها ربطت الأنظمة القائمة في الماضي بالمقدس، واعتبرتها أصلاً من أصول الدين، على الرغم من أنها لم تأخذ من الدين إلا اسمه، وعلى الرغم من أنها أنظمة كانت تتغير على أية حال بتغير الزمن، وتغير الأحوال، فهي أنظمة نسبية، غير ثابتة، ولكنها اشتركت كلها في أمر واحد، وهو “الحكم بالحق الإلهي” أي أن الحاكم كان يعتبر نفسه ممثلاً لله على الأرض، فكان يرسل الرسائل مزينة باسم “سلطان الله في الأرضين” و”خليفة الله” و”ظل الله الظليل”، وما إلى ذلك، وهذا أمر جلل، أدى في النهاية إلى تخلف حضاري هائل، فالحكومات الشمولية تحكم شعوبها بالخوف والقمع، فماتت الملكات الإبداعية عند الناس، وأصبح الشغل الشاغل لديهم هو الصراع من أجل لقمة العيش، والاستمرار في الحياة.

ولهذا فنحن نكذب في تاريخنا، حتى نخفي ما به من عوار، ونحاول تقديمه دومًا بأنه لا تشوبه شائبة، وأنه ناصع البياض، وهذا لأن هناك من يريدون استعادة هذه النظم الاستبدادية، فقد أعجبتهم فكرة الحكم بالحق الإلهي، فالحكم في النهاية له شهوة، والحكم بالحق الإلهي يعطي سلطة إلهية مطلقة، يسيل لها لعاب البعض، فأصبحت شغلهم الشاغل، يفنون حياتهم للوصول إليها، ولو على حساب الوطن، ولو على حساب البسطاء.

وفي هذه المقالات نضع أمام القارئ بعض نماذج مما ذكره كبار المؤرخين واقتباسات من كتبهم حول أوضاع مصر في العهد العثماني، ليضعها جنبًا إلى جنب مع القراءات الأخرى، في محاولة لتكوين رؤية شاملة، ونترك له الحكم النهائي.

وللحديث بقية…

 

 

(Visited 964 times, 1 visits today)
عن الكاتب
شريف نبيل
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق