الآن تقرأ
أبناء المصفوفة

مع مطلع الألفية قدم الأخوان واتشوسكي لهوليوود تحفتهما “matrix ” أو المصفوفة عن عالم صارت تحكمه الآلات و البشر فيه صاروا مصدرا رخيصا للطاقة،  و لكي يتقبل البشر مصيرهم تم صنع المصفوفة و هي حالة عقلية مزيفة يدخل فيها الإنسان ليعيش و يحب و ينجح بينما كل ذلك هو محض زيف صناعي تماما كالحلم، ينتشي به البشر و يبقوا هادئين بينما تتسرب الطاقة من أجسادهم لتدعم بقاء الآليين . كان توقعا بائسا للمستقبل لكن هل بالفعل المصفوفة لا وجود لها أم أنها لقوة زيفها لا نميز أننا ربما نكون أسرى لها مخدرين في حالة عقلية بعيدة تماما عن الواقع.

 

” البشر يفسرون الواقعية بالبؤس و الألم لذا العالم المتكامل يكون حلم ! “

تحدث الراحل “عبد الوهاب المسيري” عن أن الإنسان لا يدرك الواقع كما هو إنما من خلال خريطة إدراكية تشبه عوينات يضعها على عينيه فلا يري بها إلا ما يريد أن يرى  فيستبعد عناصر من الواقع ليرى عناصر أخرى و بذلك يخلق حالة عقلية ملائمة له يفهم بها الواقع كما يريد ليس كما هو فعليا.

ضرب مثلا على ضلال الخريطة الإدراكية بالمفكر ثيودور هيرتزل الذي قاد جمهوره لوهم فلسطين الأرض الخالية التي تنتظر شعب الله المختار ليدخلهاK فيخبرنا المسيري أن خريطة الصهاينة خلت تماما من إدراك أن تلك الأرض لها شعب يضرب بجذوره فيها منذ القدم حتي أن أحد الحاخامات الأوروبيين الذين أرسلهم هيرتزل لhستكشاف أرض الميعاد ردوا عليه ببرقية ساخرة ” العروسة جميلة لكنها متزوجة بالفعل ” فالعروسة هي الأرض و الزوج هم الفلسطينيين، و حتى لآن يتعامل الصهاينة بخريطة إدراك تستبعد أصحاب الأرض تماما إما بالإبادة أو بعزلهم وراء جدار عازل.

” الإنكار هو أكثر الأمور الممكن توقعها من بين كل ردود الفعل البشرية “

متى يلجأ البعض أحيانا للهروب من الواقع لحالة عقلية مزيفة أو لرؤية الواقع بخريطة إدراكية ضالة و إنتقائية ؟ دوما عندما يكون الواقع مؤلما أو ملتبسا يعجز الإنسان عن تفسيره و حل مشاكله وفق حلول بسيطة،  فنجد أن الديمقراطية الألمانية ظلت صامدة أمام زحف الأفكار النازية فظل الديمقراطيين الإشتراكيين الخصم المنتصر دوما في كل الانتخابات  لكن بحلول الكساد الكبير في الثلاثينات و ضغط البطالة  وجدت رواية هتلر اللاعقلانية طريقها لعقول الألمان حيث فرت الجموع لحالة عقلية تخبرهم أنهم جنسا أسمى و أن سوء أحوالهم سببه أعراق أخرى سواهم لابد من إبادتها و لابد من تحويل ألم الجوع لطاقة غضب تصب على الجميع فيؤكد الشاعر” أرنولد بريخت ” أنه لولا الكساد الكبير لما سطع نجم هتلر.

بإمعان النظر في وضعنا الحالى سنجده شديد الإلتباس و الألم مما يشجع الكثير على رفض إدراكه كما هو بل رؤيته من خلال خريطة إدراكية أكثر بساطة و إنتقاءا و بالتالى أكثر ضلالا فيقع العقل أسير حالة مزيفة و ممتعة.

بؤس الثورة جعل البعض يعيد إنتاج أسطورة الزعيم المخلص و المستبد المستنير الذي سيتولي عنا القيادة فعليه المسئولية و علينا الهتاف، و البعض أعاد مقولات أكثر نازية عن أن الواقع المصري كان سيكون أفضل لولا الإسلاميين لذا بدلا من تحليل الواقع و التعمق في بؤسه فلا بأس من الخلاص من الإسلاميين و هذه الخريطة الإدراكية تسقط من إدراكها أنه ليس كل المعارضين إسلاميين و ليس كل الإسلاميين إرهابيين و ليس كل الإرهابيين حلهم التصفية دون محاكمة و كذلك أن دحر فصيل بعينه في مذبحة فعلية أو قضائية أو إجراءات أمنية سيرسخ الأمر كقاعدة ستطال فصائل و أفراد آخرين ليسوا إرهابيين بل فقط معارضين،  لكن تلك هي المصفوفة المريحة و الحالة الأسهل لتفسير واقع معقد و في سبيلها لن يعدم العقل وسيلة في إفراز التبريرات المسايرة لها، على الجانب الآخر أنتجت العقول خريطة إدراكية أكثر ضلالا ترى في مذبحة رابعة كربلاء مقدسة توجب الإنتقام و القصاص من الجميع دون تمييز و تبقي المراجعة و المساءلة لتجربة الإسلاميين في الحكم معطلة أمام هيستريا الانتقام و القصاص للقتلي ،وهي رواية راديكالية لكنها بالطبع أكثر راحة من لوم الذات و تفسير واقع قد يدين أول ما يدين الإسلاميين أنفسهم، و على القمة نجد  رئيسا منتخبا يؤكد أكثر من مرة أن العدالة تكبلها القوانين و أن الدستور وضع بنوايا حسنة و هي خريطة إدراكية تسقط من حساباتها كل التجارب المستبدة السابقة و تعيد باستمرار اختزال الواقع في حاكم بأمر هواه و قطيع مؤيد.

 

” الأمل هو أكثر المشاعر البشرية تمويها و خداعا “

كل الحالات السابقة من ضلال الرؤى هي حالات عقلية مريحة لأصحابها تدفعهم لفك تعقيد الواقع و إلتباسه بإجراءات بسيطة بعيدا عن لوم الذات أو المساءلة أو التفكير، كلها حالات تعطي الأمل لأصحابها في أن روايتهم هي الأكثر قداسة و الأكثر قابلية للتحقق لذا قد يقدم البعض حياته نفسها فداءا لخريطته الإدراكية الضالة تماما كالمقاتل الداعشي الذي يؤمن بكوكب أفضل متشح بلثام أسود يحيا به المسلمون فقط.

تشترك الحالات السابقة في كونها رؤى متطرفة تسعى للابتعاد عن الواقع و خلق يوتوبيا يحيا فيها طرف باستبعاد و إهلاك طرف آخر ، يوتوبيا تعتمد على حلول بسيطة إختزالية لا تناسب المجتمع و هو تجمع بشري من مصالح و أحلام و رؤي متعارضة، حذر الله رسوله دوما من أن يستسلم عقله لخرائط إدراكية ضالة ” و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ” ” أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين ”

أخبر الله رسوله أنه خلقه للبلاغ فقط و ليس ليصنع حالة عقلية مثالية كالحلم تماما كألمانيا نازية نقية العرق أو كربلاء إسلامية ضحاياها فوق المساءلة أو ديكتاتورية تري أن مسار الأمور لا يكون أبدا بيد الجموع بل الحاكم، فكذلك ليست الهداية حتمية للجميع و لا واجب أن يكون الناس جميعا على إدراك واحد و من لم يدركه يباد، لذا الحالات العقلية المريحة و الخرائط التي تنتقي من الواقع ما تريد لإدراكه هي المفرزة الأولى لكل الدعوات العنصرية و الإبادات العرقية و الفكرية و منجم الغباء البشري، تماما كالمصفوفة التي صنعها الإخوان وأتشوسكي ليحيا فيها البشر حسب روايتهم الوهمية أنهم لازالوا يحكمون عالمهم و يتحكمون بمصيرهم.

و كلما تحرر الإنسان من حالاته العقلية الكاذبة  زاد إدراكه لضلال كثير ممن حوله تماما كما قال بيجوفيتش ” الصاحي يبدو مضحكا بين  السكارى لأنه في صحبة السكاري يكون هؤلاء الأكثرية و هم يحددون ما هو طبيعي “.

مواجهة الواقع الملتبس مؤلمة لكنها أفضل بالتأكيد من أن تكون يوما أحد أبناء خريطة ضالة أو مصفوفة كاذبة

عن الكاتب
حسام الدين السيد
شاب عشريناتي يتأمل بفعل الكتابة مجتمع متغير
التعليقات

أضف ردك