الآن تقرأ
الخروج من فيصل.. على خطى نولان

الثانية الواحدة في شارع فيصل صباحاً، تتساوى في الزمن مع جيل كامل وكأن هنا ثقبا أسود في مكان ما في أحد جغرافية هذا المكان المُرعب، صدقني، الإنسان لا يخرج بتلك البساطة من فيصل، وفي مقولة أخرى، من لم يخرج من فيصل، في الصباح الباكر جداً فلن يخرج.

نوعان من البشر في مصر لديهم القدرة على إدراك أهمية الزمن والتوقيتات المناسبة، وما تفعله دقيقة متقدمة أو متأخرة في تغييرات الأحداث والتاريخ، الشخص الأول هو من أحب فيلم Interstellar للمخرج كريستوفر نولان، والثاني هو من يعيش في شارع فيصل.

كل من شاهد فيلم Interstellar يعلم جيداً عما أتحدث، وكيف يمكن لدقيقة واحدة أن تصنع فجوة زمنية بينك وبين من تحب، كيف يمكن لسنتيمتر واحد في مسارك أن يغير أحداث حياتك كلها، أما النقطة الثانية فتحتاج لشرح لمن هم لا يعلمون شيئاً عن شارع فيصل وخاصة أثناء فترة الدراسة.

الأمر كالتالي، إذا أردت أن أكون في عملي الساعة 7 صباحاً فيجب أن أستيقظ من النوم في الساعة الخامسة لأطفئ المنبه مرتين لا أكثر، ثم أرتدي ملابسي بسرعة شاب لا يهتم بمظهره، وأكون في شارع فيصل في السادسة صباحاً أو السادسة و17 دقيقة بالكثير، فأجد شارع فصيل، هادئ وفارغ من السيارات وجميع وسائل المواصلات الأخرى، ونسمة الصباح الأولى تشق صدري بحنو.

وبعد ثوان قليلة يتهافت عليّ الفيض الأول من ميكروباصات الفولكس فاجن التي تحملني إلى أول فيصل، فأترك أول واحد منهم يمر دون أن أستوقفه من باب الانتقام، ثم أركب القادم الثاني، بجوار سائق الميكروباص “برنسيسة”، حتى أصل إلي أول فيصل، وأستقل سيارة أجرة لمقر عملي، هذا إن اتبعت الخُطة الزمنية التي تصل بي إلي شارع فيصل الرئيسي في تمام الساعة السادسة و17 دقيقة.

في المرة الأولى التي اكتشفت فيها هذه الخدعة كنت بالفعل أذهب إلى عملي في ذاك الوقت باكراً عن ذلك، ولكن في يوم تأخرت، خمس دقائق، وأكررها وأنا مسؤولة عن كلامي خمس دقائق فقط، وكأن المشهد تغير، وكأنه شارع غير الشارع، من كل هؤلاء، ومن أين أتوا؟ وبأي معدل زمني وكمي قياسي استطاعوا أن يحتلوا كل هذه المساحة أمام رصيف الشارع وفي الميكروباصات وسيارات الأجرة والأتوبيسات؟

من أين يأتي كل سكان فيصل؟! وكأن شخصاً ما، كل يوم، وفي تمام الساعة السادسة و17 و30 ثانية، يفتح بوابة ثقب أسود دودي، يركض خلاله قوم من عالم آخر لا ينتمون إلى العالم الذي أنتمي إليه، يحشروني في محشرهم “الترافيكي” المليء بالذبذات السلبية والروائح القاتلة، هاتكين عرض هذا الشارع الذي كان بكرا، نظيفا، هادئا في الثواني القليلة الماضية، ولن يمكنك الخروج منه إذا وجدت مكانا في مواصلة من الأساس قبل ساعة ونصف، لازلت مسؤولة عن كلامي.

عن الكاتب
أميرة حسن الدسوقي
أميرة حسن ابراهيم الدسوقي خريجة كلية الاداب قسم اعلام وعلوم اتصال دفعة 2006،تعمل صحفية وباحثة ومعدة أفلام وثائقية، عملت في العديد من الجرائد المصرية و العربية منها الدستور والمصري اليوم والحياة اللندنية، لها مجموعة قصصية في المكتبات بعنوان "بس يا يوسف" وقد حصلت تلك المجموعة على جائزة ساويرس.