الآن تقرأ
عن الخوف وكتابته..حوار مع ستيفن كينج

في عيد الهلع أو الهالووين و على صفحات الكتب و المكتبات التي أتابعها بطبيعة الحال، تصدرت قوائم الكتب المثيرة للخوف أعمال ستيفن كينج أمثال الشيء “it” والتوهّج “the shining” و غيرها من أعماله،وقامت جريدة الباريس ريفيو على موقعها بإعادة نشر هذا الحوار الممتع معه.
المُحاور: ما الذي يُخيفنا في اعتقادك؟
كينج: لا أعتقد أن هناك شيء لا أخافه، على مستوى ما، لكن إن كنت تقصد ما يُخيفنا – كبشر؟ إنها الفوضى، الآخر الغريب. نحن نخاف التغيير، نخاف توقف الأشياء التي اعتدنها؛ “التَّعطُل”، و هذا ما يثير اهتمامي، أقصد هناك كثيرون ممن أحب كتاباتهم، يكتبون عن الحياة العادية بشكل مُباشر (منهم الشاعر الأمريكي فيليب بوث) لكني لا أستطيع فعل ذلك.
كتبتُ في مرة قصة قصيرة تُدعى الضباب “the mist” إنها عن ذلك الضباب الذي أحاط بمدينة بأكملها. القصة تتبع عددا من الناس احتجزوا في سوبر ماركت. كان هناك سيدة في نهاية صف المُحاسبة check out، تحمل صندوقا يحوي عش الغراب. حينما خرجت عن الصف لترى الضباب في النافذة، أخذ المدير صندوق عش الغراب منها، فصاحت به “أعطني صندوقي”. نحن نخاف تَّعطُل خِططنا. نخاف أن يسرق أحدٌ ما عش غرابنا في صف الخروج.

المُحاور: هل تقول إذن أن الخوف موضوع أساسي في كتاباتك؟
كينج: أقول أن ما أفعله هو إحداث كَسر في المرآة. إذا مررتُ على الكتب بدءا من كاري Carrie، ما تراه هو متابعة لحياة الطبقة الوسطى الأمريكية العادية كما هي في الفترة التي كُتب فيها العمل. في كل حياة تصل لنقطة يجب أن تتعامل فيها مع شيء غير مفهوم بالنسبة لك ، هل الطبيب يخبرك فعلا أن لديك مرضا خبيثا عبر الهاتف أم إنها مزحة تليفونية سخيفة.
فحين تتحدث عن أشباح أو مصاصي دماء او مجرمي حرب نازيين يقيمون في نهاية الشارع، نحن نتحدث عن الشيء نفسه و هو تدخل الغير مألوف على الحياة العادية و كيف نتعامل معه. ماذا يخبرنا ذلك عن شخصياتنا و كيف نتفاعل مع الآخرين و المجتمع الذي نحيا فيه ، هو ما يهمني حقا أكثر من الوحوش ذاتها او مصاصي الدماء و الغيلان و الأشباح.
المُحاور: في “عن الكتابة” عرّفت الأدب الرائج “البوب” هكذا: الأدب الذي يرى فيه القراء جوانب من خبراتهم و سلوكهم و علاقاتهم و أحاديثهم و الأماكن التي يرتادونها. في أعمالك ، هل تقصد إراديا تصوير لحظات معينة في الحياة؟
كينج: لا ، لكني لا أتفادها. مثلا كتاب “الهاتف الخليوي” . جاءتني فكرته كالآتي: كنت خارجا من فندق بنيويورك و رأيت تلك السيدة تتحدث في تليفونها المحمول . و فكرت في نفسي ، ماذا لو جائتها رسالة عبر الهاتف لا تستطيع مقاومتها، و كان عليها أن تقتل أناسا حتى يقتلها أحدهم؟ كل التداعيات بدأت تصطدم برأسي كالكرات المعدنية الصغيرة.
إذا تلقى الجميع نفس الرسالة ، إذن كل من لديهم هاتف محمول سيصيبهم الجنون. الناس الطبيعيون سيرون هذا ، و اول شيء سيتبادر إلى اذهانهم أن يخابروا اقاربهم و اصدقائهم على هواتفهم المحمولة. و بالتالي ينتشر الوباء كمرضٍ سام.
لاحقا حين كنت أتمشى في نفس الشارع رأيت شخصا يبدو عليه الجنون يصرخ محدثا نفسه. كنت أريد أن أعبر الشارع لأبتعد عنه ، غير أنه لم يكن مخبولا ، كان يرتجي سترة عمل مهندمة ، ثم رأيت احدى السماعات في أذنه و انه كان يتحدث في هاتفه الخلوي. فقلت لنفسي أريد حقا كتابة تلك القصة.
كانت قناعة فورية ، ثم قرأت كثيرا عن صناعة الهاتف الخلوي و بدأت أتفقد أبراج الإرسال الخاصة به. لذلك هو كتاب دارج جدا. لكنه نابع من اهتمامي بالطريقة التي نحادث بها بعضنا البعض هذه الأيام.
المحاور: هل تعتقد ان كتاب “الهاتف الخليوي” سيصبح بعد عشرة أعوام قديما ، بسبب تعلقه بأُطر زمانية معينة؟
كينج: ربما ، أنا متأكد أن كتب أخرى مثل “بادئ الحريق” تبدو أثرية الآن. لكن ذلك لا يضايقني ، يتمنى المرء ان قصصه و شخوصه تظل متميزة ، لكن حتى الكتب الآثرية لها قيمة معينة.
المحاور: أيٌ من كتبك تظنه سيبقى طويلا؟
كينج: هذا كله هراء ، لا تعرف حقا ماذا سيحدث بعد خمسين عاما. من سيكون موجودا بالمعنى الأدبي و من لن يكون موجودا. إذا كان علىّ التخمين أيا من كتبي سيقدم عليها الناس في غضون مائة عام من الآن، إذا أقدموا على أيها على أية حال، فسأبدأ بكتاب “الصمود” the stand ، و التوهج. ايضا Salem’s lot او جماعة سالم، لأن الناس يحبون قصص مصاصي الدماء و تلك قصة مصاصي دماء كلاسيكية. لا تحمل أجراس مُبطنة او انذارات ، انها ليست مُعقدة فيها ، إنها فقط مُخيفة . لذلك أعتقد الناس سيستمرون في الإقبال على هذا النوع لوقتٍ بعد.
المحاور: حين تنظر لكتبك هل تُصنفها بطريقةٍ ما؟
كينج: لدي نوعان من الكتب. أفكر في اعمال مثل “الصمود” و “اليأس” Desperation و سلسلة “البرج المظلم” The Dark tower على انها كتب تذهب للخارج . ثم هناك كتبا مثل مقبرة الحيوانات الأليفة Pet Sematary و ميزيري Misery و التوهج و دولوريس كلايبورن Dolores Claibourne تذهب للداخل. بعض القراء سيحبون هؤلاء “الخارجيون” أو “الداخليون” ، لكن لن يعجبهم الأثنين معا.
المحاور: لكن حتى في الكتب الخارقة للطبيعة ، الرعب له بعد نفسي ، أليس كذلك؟ إن الأمر ليس ببساطة الوحش الذي يقفز من ركن مظلم ، لذلك أليس من الممكن تصنيفهم جميعا أنهم “داخليون”؟
كينج: تصنيفي كذلك متعلق ببناء الشخصية و عدد الشخصيات بالعمل. “الداخليون” عادة يدورون حول شخص واحد ، و من ثم يتعمقون أكثر و أكثر داخل شخصية واحدة. “قصة ليزي” Lisey’s story ” على سبيل المثال رواية “داخلية” ، فهي رواية طويلة و يوجد بها شخصيات قليلة، إنما رواية “الهاتف الخليوي” بها العديد من الشخصيات و تدور حول الصداقة فهي من نوعية روايات الطريق. لُعبة جيرالد Gerald’s game هي أكثر رواية “داخلية” في كل الكتب “الداخلية”. فهي عن شخص واحد فقط “جيسي” التي قُيّدت عارية في سريرها. كل شيء صغير تتعاظم أهميته..كوب الماء ، محاولتها للوصول للرف الموجود أعلى السرير لتتحرر من قيودها.
ميزري أيضا تدور حول شخصين فقط ، لكن لعبة جيرالد أفضل في هذا المضمار: شخصية واحدة في غرفة نوم واحدة. فكرت أنني يوما ما سأكتب كتاب آخر اسمه “غرفة نوم” دون شخصيات على الإطلاق!
المحاور: مارك سينجر كتب في النيويوركر انك فقدت جزءا من جمهورك مع “كوجو” Cujo و “مقبرة الحيوانات الألفية” و “لُعبة جيرالد” لأن هذه القصص مؤلمة أكثر من اللازم بالنسبة للقُراء. هل تعتقد ان الأمر هكذا فعلا؟
كينج: اعتقد اني فقدت بعضا من القراء في نقاط متعددة . هذا طبيعي مع تقادم الزمن. الناس تمضي قدما و تجد أشياء أخرى. مع أنني أعتقد أني تغيرت أيضا ككاتب عبر السنين، و من ناحية أخرى أعتقد أني لا أوفر نفس المستوى من الهروب الذي توفره “جماعة سالم” أو “التوهج” أو “الصمود”. هناك أشخاص سيكونون سعداء جدا إذا كانت حياتي انتهت في العام 1978 ، اشخاص يأتون إليّ قائلين إنك لم تكتب كتابا في روعة “الصمود” . عادةً أخبرهم كم هذا محبط بالنسبة لي أن اسمع ان افضل أعمالي ورائي بثمانٍ و عشرين سنة. ديلان على الأرجح يسمع نفس الشيء عن “Blonde on blonde” . لكنك تحاول أن تتطور ككاتب و لا تفعل الشيء ذاته مرة بعد مرة، فلا معنى لذلك على الإطلاق.
كما اني استطيع أن اتحمل فقد بعض المُعجبين ، هذا يبدو غرورا ، لكني لا أعنيه بهذا المحمل، أستطيع أن أفقد نصف قاعدتي الجماهيرية و يتبقى لديّ ما يكفيني لأحيا حياة ميسورة. فقد أصبحت لدي الحرية لأفعل ما أريد و هذا رائع. قد أكون فقدت بعض القراء لكني قد أكون كسبت آخرين أيضا.
المحاور: هل كانت رواية التوهج مُستوحاة من تجربة شخصية ؟ هل ذهبت حقا لهذا الفندق؟
كينج: نعم فندق ستانلي في إيستس بارك ، كولورادو. زوجتي و أنا ذهبنا هناك في أكتوبر. كانت أخر عطلة نهاية اسبوع في ذلك الموسم. لذلك كان الفندق شبه خالٍ. سألوني إذا كنت استطيع ان ادفع نقدا ، لأنهم كانوا يأخذون ايصالات كروت الإئتمان إلى دنفر. فرأيت عبر الطريق الإشارة الأولى التي تنبه أن الطرق ستغلق بعد الأول من نوفمبر. فقلت في نفسي “هنا تبدأ الحكاية”.
المحاور: ما رأيك في معالجة كوبريك للكتاب؟
كينج: باردة جدا. لا يوجد حس بأي اسثمار عاطفي في تلك العائلة على الإطلاق من جانبه. شعرت هذا بالذات في أداء شيلي دوفال لشخصية ويندي، ما اعنيه كم هذا مهين للنساء، فهي مجرد آلة لإصدار الصراخ. لا يوجد حس بتَورُطها في ما يجري لتلك العائلة. يبدو ان كوبريك لم يدرك كذلك ان جاك نيكلسون يلعب ذات تيمة سائق الموتوسيكل المجنون كما في افلامه : Hells Angels on Wheels, The Wild Ride, The Rebel Rousers, Easy Rider . هذا الرجل مجنون ، فأين التراجيديا في رجل يذهب لمقابلة عمل و هو بالفعل مجنون. لا لقد كرهت ما فعله كوبريك.
المحاور: هل عملت معه على الفيلم؟
كينج: لا السيناريو الذي كتبته كان اساس للمعالجة التلفزيونية لاحقا. لكني أشك أن كوبريك قرأه على الإطلاق قبل أن يصنع الفيلم. فهو كان يعرف ما يريد صنعه بهذه القصة، و قد عيّن ديّان جونسون لكتابة مسودة السيناريو بناءا على ما يريد إبرازه بالقصة ، ثم أعاد كتابته بنفسه. كنت مُحبطا حقا.
إن العمل حقا مُبهر حين تنظر إليه، مشاهد رائعة و لقطات كاميرا ثابتة مدهشة. لقد اعتدت أن أشبّه الأمر بكاديلاك لا محرك لها. لا تستطيع أن تفعل شيء بها سوى الإعجاب بشكلها و بنائها. فقد انتزعت وظيفتها الأولى و هي أن تخبرنا قصة ما. الفرق الأساسي الذي يخبرك الأمر برمته : النهاية. فقرب نهاية القصة يُخبر جاك تورنس ابنه ان يحبه ثم يُفجّر نفسه مع الفندق. هذه حبكة مؤثرة جدا. لكن في فيلم كوبريك يتجمد حتى الموت.

لمتابعة الحوار كاملا ، اللينك الأصلي: هنا

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق