الآن تقرأ
حينما لاحظت أن روايتي صارت لها عينا أمي

ها أنا أتممت عشرة أشهر من العمل على روايتي، التي تصيبني بنوبات غضب واكتئاب لا تفلح سوى فتاتي في القضاء عليها، بأن تهدهدني كطفل. أستيقظ وقد قررت أن أعيد مونتاج المشاهد، تستوقفني عبارة أشعر كم هي ساذجة وكم مؤلفها سطحي، بيد أني لا أملك الجرأة على حذفها.
كل شيء تشابه، صارت كزوجة، لم تعد ترى مفاتنها مثل المرة الأولى، الكلمات القبيحة أو المفلحة، التشبيهات، كم مرة تنهدت، كم بكت هذه الشخصية ولماذا؟ هل أنا مقنع؟!

لأني مريض بالوسواس، ولأني أعرف كم هو مثمر للمبدعين أعاني أنا ومن حولي من تقلباتي المزاجية، بيد أني ما أن أطفئ النور وتعمل الموسيقى وأعود للعمل عليها، حتى تختفي كل التنبيهات وتجلس تلك الوساوس بفستانها العاري على فخذي تنهش أذني فلا أملك سوى التأوه.
التنقيح ثم التنقيح ثم التنقيح، هكذا علمني أستاذي عباس خضر، النص الجيد لا يولد وإنما ينشأ أمام عينيك يحبو ويقفز حتى تصير له أجنحة. لكن متى عليّ التوقف، وهل من مخبول ليجرؤ ويقول ها قد صنعت نصاً جيداً؟!

استحضر “جابو” حينما يقول إن الأمر يشبه الطباخة المحترفة التي تعرف متى عليها التوقف حتى لا تفسد ما أعدته، لكن أصوات أخرى تعلو في رأسي لفيرجينيا وولف، التي خافت أن تأكلها كتبها، وهانز تسيمر الذي يشجع أولاده على سماع موسيقى لا تخصه على الإطلاق… أحب أن أستحضر هذه المواقف ليقيني أني حينما سأوقع لك كتابي وأنت تبتسم بخبث عجوز متدينة، سأكون حريصا ألا تفلت أصابعي وتتجاوز تلك الصفحة الفارغة.

ها أنا على وشك أن أخبركم بأخطر ما في الأمر. ولا تتعجبوا من نبرتي التراجيدية وتقولوا أيها اللئيم لماذا تضخم الموضوع كما المراهقات. اسمعوني يا سفلة. لقد صارت الرواية تشبه أمي تماماً. نعم. في العشرة أشهر التي أتفاخر كأبله بهم ارتطمت بعلاقة كئيبة مع فتاة غير سوية ثم هربت لأجلس بمفردي ممسكا أثناء نومي بشيك من وزارة الثقافة تبلغ قيمته 470 جنيها، من أصل خمسمائة حذفت منهم نفقات لا علم لي بها.

عملت بمفردي لأشهر وأصابتني نوبة اكتئاب بسبب وسواس هو الأقوى من نوعه حتى الآن، ولم يساعدني على التعافي سوى طلة فتاة لها أصابع نحيفة ووجه كنت أراقبه بالجامعة دون أن أقترب. وكيف الاقتراب وهناك قنبلة موقوتة بمنزلي ربما تقتلني أنا شخصيا.

تشبثت بها، وهي الأخرى تقتلني وتحيني كل يوم. تساعدني وترفق بخبلي. تؤمن بي وهذا كل ما في الأمر. لكن انظروا هذا الشريط وكيف يتمايل الخط الرفيع في الوسط صعوداً وهبوطاً. بينما هي على مائدتي لا تحرك ساكناً. أرأيتم؟ ألم أخبركم أنها صارت مثل أمي؟ بل ألعن، إنها تراقبني وتهمس في جنبات غرفتي ليلاً “أنا أعرف عنك كل شيء أيها المتعجرف”، “أنا أجيد الأمر عنك”، “أنت مسخر للأفكار التي تصطدم كالنيازك برأسك”، “أنت عبد لشيطانك الذي لا يمل نسف الرواسخ”.

إليكم اعترافي الهام؛ حينما سيُنشر هذا الكتاب وأدخل مكتبة باكر يوم أحد فأتناوله من فوق الأرفف، لن أكترث البتة لما تعانيه شخصيات هذه الدار المهترئة. نعم أنا من كتبتهم لكني عاهرة تلد بلا حساب وليس لهدف سوى متعة الجنس في ذاته. سألقي بنظرة على الصفحات وإن كان هناك ما سيثير بداخلي أي شعور بالشفقة أو الفرح فسيكون حتماً لأجل حياتي أنا. سأهمس في سري احرقوها حتى أستريح. بيد أن السبب هذه المرة لن يكون سخافة الكلمات..بل قسوة ذاكرتها.

عن الكاتب
مارك أمجد
مارك أمجد مؤلف وصحفي مصري مواليد الإسكندرية ١٩٩٤ يدرس بكلية الإعلام-جامعة القاهرة. حصل على عدة جوائز أدبية آخرها المركز الثالث على مستوى الجمهورية بمسابقة وزارة الثقافة عن قصته "شي غابي". من أعماله " أنت تكرهني لأننا واحد" الحائزة على منحة مؤسسة KFW الألمانية، و"أحلى من الشوكولاتة" و"كأن الإله عصفور".
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق