الآن تقرأ
مهرجان القاهرة السينمائي: في “مدام كوراج” .. العنف يساوي الرومانسية

في بساطة شديدة يفتح لك المخرج مرزاق علوش الباب على الحياة الجزائرية، كما يراها بعينيه  حاليا، تبدأ دراما فيلم “مدام كوراج” بمشهد لشاب في العشرينات من العمر، يهرول سريعا في حارات الجزائر ليلا وخلفه ثلاثة رجال محاولين الإمساك به، ولكنه ينجو بحياته، لتجد أنفاسك تتصاعد كمشاهد في ترقب لما ستراه في سيناريو بهية علوش.

مخرج الفيلم

عمر ..

شاب في مقتبل العمر، ملامحه تحمل بركان غضب يسكن بداخله، يرتدي ملابس تبدو عادية لا تليق بـ “العشة” التي يسكن فيها  بأحد عشوائيات ضاحية مستغانم في العاصمة الجزائر، مع والدته الغاضبة منه طوال الوقت، وأخته “صابرينا”، التي تتجلى ملامح شخصيتها مع سير الدراما، وعلي الرغم من ذلك فهو سارق ومتخصص في سرقة السيدات بسرعة، في وضح النهار، يعينه على تلك الجرأة حبوبه المخدرة “الأرتين” التي تسمى شعبيا بـ “مدام كوراج – أي السيدة الشجاعة” فتنعشه وتجعله لا يري سوى هدفه، طريقه هو الوطن، وصديقه دراجته البخارية التي تعينه على الصعاب.

عمر بطل فيلم مدام كوراج

إلا أن هذه المرة يسرق شابة صغيرة في سن المراهقة مثله، بينما تسير وسط صديقاتها، فيخطف سلسلتها التي يتدلى منها “كف مريم”، أعطتها لها والدتها وهي بين الحياة والموت، ليبقي معها شئ يحمل عطرها، ويحرسها الكف من كل شر،  الأمر الذي يجسد طريقة التفكير لدى طبقة إجتماعية بعينها في الجزائر..

بعد أن حصل على غنيمته ذهب ليجلس بأحد المقاهي فيفاجئ بها وعندما رأته صديقتها جرت خلفه لتحاول إمساكه ولكنه ضللها، انتظر حتي اصبحت “سلمى” وحدها، ركب معها الأتوبيس دون أن تدري، سار خلفها بعد أن نزلت منه، حتى اصبحا وحدهما في الطريق، شعرت به، فاقترب أكثر، وهنا نظرت له بعينيها الواسعتين اللاتي لم ينساهما أبدا، فتح يديها ووضع السلسلة، ثم تركها، ترحل وسار ورائها في بطء حتي عرف عنوان المنزل، و هنا بدت سلمي هي من سرق قلبه دون أن تشعر.

الأم ..

تجسد معاناة امراة توفى زوجها، تاركا لها ابن وفتاة، في ظروف فارقة اصبحوا يعيشون معه في “عشة” بمنطقة عشوائية، ظروف اقتصادية قاسية تحاوطهم من كل إتجاه، تتجلي في فرحتها بقدوم “اللحمة” إلى تلك العشة وكأنه العيد، فتزغرط كثيرا حالمة بـ “الجمبري والكابوريا”، يتجلى في كل مشاهد الأم صوت الشيوخ والدعاه الجزائرين والمصريين المفسرين لشئون دُنيانا، موضحين أمور لا يعبأ بها أحد في تلك العشة ولا المنطقة العشوائية، ويظهر تناقض شخصية الأم في تمسكها بصوت الدين الصادر من الراديو طوال الوقت غاسلا خطاياها اليومية، وقبولها عن رضا بأن تصبح “صابرينا” فتاة ليل، وفي المقابل تغضب على “عُمر” وينشرح قلبها فقط عندما يجلب المال الكثير.

عمر بطل فيلم مدام كوراج

صابرينا ..

تلك الفتاة الغامضة التي تخرج في الصباح وتعود ليلا في سيارة فخمة يملكها “مختار” القواد، يجلسا معا فيعطيها “لاب توب” لجلب 50 زبون، ولكنها تفشل فتأتي بـ 5 فقط، فيقوم بالإعتداء عليها في اليوم الثاني، وعندما تقاوم يضربها بعنف فينزف وجهها دماء كثيرة، وهنا يقرر “عُمر” الإنتقام وبشدة.

أمور كثيرة توضح ما تعاني منه تلك الفئة الإجتماعية بالجزائر تتجسد في ُعمر الذي لم يعد صغيرا، جرئ حد الوقاحة أحيانا، علي علم بكل الطُرق التي توفر له الوسيلة لينفث عن غضبه، وليرد شرفه الذي سالت دماءه اشتري من سماسرة القتل في الجزائر “سيف”، يخبئه في ملابسه، يشرب حبوبه ويروي عطشه بما يجعله مُنتشيا، ويذهب إلي “وكر” مختار ويضربه وسط رجاله ثم يهرب إنتقاما لما فعله مع أخته، “عُمر” يأخذ حقه من الحياة عنوة، تحت شعار كن قويا تعش.

سلمي - مدام كوراج

سلمى ..

وعلى الرغم من كل هذا العنف الذي يحيط بـ “عمر” تأتي الرومانسية لتزن الحياة، من خلال تلك الفتاة التي تنتمي لأسرة متوسطة، والدها رجل كبير السن لم تعد صحته كالسابق، ويعمل شقيقها الوحيد ظابط شرطة، يداوم “عُمر” على الذهاب تحت شرفة منزلها، آملاً في نظرة منها عندما تطل من الشرفة صدفة، فيراها وينظر إلى عينيها ثم يرحل، يخطف لحظات الحب كغيره من المراهقين والشباب في دول تتشابه مع ظروف الجزائر، فهو فتى قادر على تهيئة كافة الظروف لصالحه في لحظة، يسرق لكي يبيع الذهب ويشتري بالمال هاتف يُمكنه من التقاط صور لها خلسة  وهي مع زميلاتها أمام المدرسة، فتؤنس وحدته حتى يراها.

مدام كوراج

Madame_Courage

لحظة فارقة ..

يرتجف قلب بطل الفيلم كثيرا كلما رأي سلمي، لم يمل صمتها، وبطء استجابتها لمشاعره، ولكن في أحد المرات، طلت من شرفتها فنظرت له في لهفة، وأجابته في صمت، أنها اعتادت على رؤياه واصبح عدم وجوده أمرا غريبا، فيبتسم في طفولة بالغة، تدمع عيناه وكأنها بحر هادئ، يبدأ في المرح ويجري على دراجته البخارية منتشيا، ويخترق بقلبه الطريق “ها هي تبادله المحبة أخيرا”.

MadameCourage04

يكتفي فقط بالنظر إليها، ولكن بدأ ينادي عليها قائلا “هاااااااي” حتى اشتكت لشقيقها الذي ضربه بعنف، ولم يرد عمر الضربة كعادته مع الآخرين، الأمر الذي بدا غريبا من قبل هذا الشاب المراهق. وتطور الأمر حينما ذهب بـ “شمروخ” ليلا لافتا إنتباه سلمى، التي تخرج بالفعل وتنظر له، ولكن لم تبق تلك اللحظات الرومانسية كثيرا، حيث قام شقيقها بالقبض عليه وإحتجازه وقام باستجوابه بعنف، ليعود إلي بيته نازفا من أنفه، يملئه الغضب.

20354-Madame_Courage_6_-_credit_NEON_PRODUCTIONS1-e1441643194762

إنتقام ونهاية غير متوقعة..

هنا قرر “عُمر الإنتقام” على طريقته عبر السيف الذي جرح به القواد سابقا، ولكن الظرف تبدل بشكل كبير، وكانت النهاية غير متوقعة ولكنها إنسانية كاشفة لما نحمله من تناقضات ورومانسية، وظروف تقهرنا، كما فعلت مع بطل الفيلم

 

عن الكاتب
ناهد سمير
صحفية منذ أكثر من 10 سنوات، عملت في العديد من الصحف الورقية أبرزها (الدستور الأصلي - الدستور اليومي - المصري اليوم) وعدة مواقع مثل (موقع جريدة الوطن - البوابة نيوز- موقع دوت مصر)، إضافة إلي العمل في إعداد برامج الراديو لمدة عام في راديو أرابيسك، وكانت هناك مهن أخري مثل: - مسؤول دعاية وإعلان في مكتبة عمر بوك ستور - مسؤول دعاية وإعلان في دار اكتب و دار صفصافة - تنظيم أحداث ثقافية لمدة عامين (ورش عمل وأنشطة أخري) - إدارة أعمال بعض الكتاب و أحد فرق الأندرجراوند وهي فرقة "عشرة غربي".
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق