الآن تقرأ
حارة السودان.. الوطن “فاترينه” في العتبة

 

قرب ميدان الأوبرا في وسط العاصمة المصرية القاهرة، حارة صغيرة تحمل تاريخاً طويلا يمتد من الثمانينات حتى يومنا هذا. تاريخ هذه الحارة المصرية لم يصنعه المصريون بل اللاجئون السودانيون الذين وجدوا في القاهرة ملجأ لهم من سنوات طوال.

توافد السودانيون عبر سنوات إلى الحارة، فتغير اسمها من “حارة الصوفي” إلى “حارة السودان”. هكذا أيضا سيخبرك سكان المنطقة عندما تسأل عنها.

بمجرد أن تطأ قدماك مدخل الحارة الضيقة ستشعر أنك دخلت إحدى حواري السودان. الباعة والمحال والمقاهي والمنتجات جميعها سودانية أصيلة، حتى رواد الشارع هم من السودانيين الباحثين عن منتجات جلدية اتيه من الوطن، أو سجائر “البرنجي” السودانية.

من أين بدأت الحكاية؟

 

حارة السودان

أحد محلات العطارة بحارة السودان..تصوير: محمد سامي نجم: خاص قل

 

ما كان لحارة السودان ان تكون لولا مطعم الخرطوم. مطعم صغير يقدم الأكلات السودانية يتوافد إليه السودانيون من كل مكان هربا من زحام القاهرة وقسوتها.

أسس المطعم عم صالح اللاجئ السوداني وزوجته الحاجه جميلة عام 1986، كي يكون بداية لتجمع التجار واللاجئين والمهتمين والمحبين للسودان وبضائعه وأكلاته.

زاد عدد المطاعم الآن في الشارع إلى أربعة مطاعم، وأكثر من خمسة مقاهي كبيرة، يتجمع فيها السودانيون الجدد للبحث عن سكن أو فرصة عمل أو مأوى.

“البرنجي”

أحد تجارة العطارة السودانين..خاص:قل تصوير: محمد سامي نجم

أحد تجارة العطارة السودانين..خاص:قل تصوير: محمد سامي نجم

طلال السوداني أتي إلى مصر منذ عامين واستأجر مكانا صغيرا يضع فيه “فاترينه” صغيرة يبيع فيه المنتجات السودانية.

السجائر “البرنجي”، والحنة السوداني، والأعشاب العلاجية، وزيوت الشعر، و”شاي الغزالتين” الشهير في السودان، و”السفة” السوداني وهي مادة كتبغ السجائر لكنها توضع تحت اللسان، وهي من أهم المنتجات التي يبيعها طلال.

طلال خرج من شمال السودان هرباً من دكتاتورية الساسة والأوضاع الاقتصادية السيئة. كان يعمل مترجماً في العراق، وعندما عاد للسودان لم يجد مكانا له، فقرر مشاركة أشقائه الثلاثة واللجوء لشارع السودان في منطقة العتبة بالقاهرة.

حمل ولديه واقنع زوجته بضرورة الخروج إلى مكان اخر، كان الخروج إلى القاهرة وتحديدا حارة السودان التى احتضنته. يقول عنها طلال: “هنا سودان بلا سياسة وبلا نزاعات”.

يخشى طلال من ذكر اسمه كاملاً، ويخاف أن نلتقط له أي صورة، فقد قضى عامين من الاختباء في هذه الحارة، خوفا من أشياء لم يرد حتى الافصاح عنها.

على خطى طلال وآلاف السودانيين سار محمد حسن الذي أتى إلى مصر منذ ثلاثة أعوام، واستقر في حارة السودان، يبيع على “فرشة” صغيرة منتجات جلدية وملابس سودانية للمصريين والسودانيين.

يرى محمد حسن أن العمل في مصر هو توسيع للرزق، خاصة أن هناك سوقاً جيدة للمنتجات السودانية في مصر. يقول حسن: “بعد تدهور الأوضاع المعيشية والسياسية في السودان، لم يعد لدي سوى الخروج لبلاد أخرى كي استطيع العيش بشكل أفضل”.

أغلب زبائن محمد من السودانيين والقليل من المصريين الذين يعرفون جودة المنتجات السودانية.

كرباج سوداني

 

رجل سوداني  بجلباب أبيض وسديري مطرز وطاقية سودانية، قف أمام محل للعطارة، ويمسك بكرباج سوداني مشاكسا جارة المصري، ثم يضحكان سويا بصوت عالي. محمد عطية الذي يعيش في مصر منذ أكثر من 11 عاما، صاحب محل “عطارة السودان”، يقول:” هنا في حارة السودان كما يسميها زوارها، أشعر وكأني في بلدي، فهنا لم أشعر بغربة، وزبائن الشارع هم زبائن يقدرون قيمة المنتجات السودانية وخاصة تلك الاعشاب العلاجية والعطرية الاصلية”.

يرى محمد أن الشارع تحول من ملجأ للاجئين السودانيين إلى مركز تجاري سوداني، فقد عرف التجار السودانيون الطريق وصاروا يأتون لنا بالمنتجات السودنية ويعودون بمنتجات مصرية أو تلك المنتجات الصينية التي يكون نقلها من مصر إلى السودان أسرع وأقل تكلفة.

ويرى محمد إسحاق أحد رواد شارع السودان أن المجتمع السوداني مترابط وله عادات وتقاليد تقام في تجمعات كبيرة، لذا استطعنا صنع مجتمع سوداني تجاري في الشارع، وفرضنا ثقافتنا على المنطقة حتى تحول أسمها من “الصوفي” إلى “السودان”، وأصبح من يريد المنتجات السودانية الاصلية مثل الحنة التي لا يستغنى عنها المصريون، يلجأ لحارة السودان .

El-Warsha-16

 

بضائع الصين تربط مصر بالسودان

في الحارة يجلس على أحد المقاهي عبد الجبار حسن، وهو أحد التجار السودانيين المتنقلين بين البلدين، يقول حسن:” نتنقل بين مصر والسودان لنأتي بالبضائع السودانية إلى مصر، ونستريح لمدة أسبوعين، ثم نعود إلى السودان محملين بما في الأسواق المصرية من بضائع، ومنها بضائع صينية وأخرى مصرية”.

ويوضح حسن أن نسبة كبيرة من المنتجات الموجودة بالأسواق السودانية هي منتجات جاءت من مصر. ويضيف: “مصر أقرب لنا من الصين التي تنتج قدرا كبيرا من المنتجات التي يحتاجها السوق السوداني، لذا فإن الأسهل والأرخص هو جلب تلك المنتجات من السوق المصرية بسعر الجملة وبيعها في السودان، مما يوفر لنا كتجار الوقت والمال”.

يعاني السودانيون أيضا من الظروف الاقتصادية القاسية التى تمر بها مصر بعد خمس سنوات من ثورات الربيع العربي، وهو ما أثر بشكل كبير على الأسعار والتجار في شارع السودان. تقول الحاجه جميلة، صاحبة مطعم الخرطوم: ” نحن هنا منذ 1986 ونعد أول مطعم سوداني في مصر، وبالطبع مطاعمنا تأثرت بالأوضاع الاقتصادية في البلد خاصة ارتفاع الاسعار، مثلا الوجبة التي كنا نقدمها بـ 10جنيهات أصبح سعرها الآن لا يقل عن 25 جنيها، وهذا ينعكس بالطبع على إقبال الزبائن”.

نشر ضمن ملف اللاجئون في مصر ..الهروب إلى المتاهة ..ملف مشترك مع موقع مراسلون

شاهد أول إنتاج لقل تي في: مطعم البتول..سفارة السودان البديلة في مصر

 

 

عن الكاتب
سالي أسامة
صحفية ومعدة برامج
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق