الآن تقرأ
لماذا يكتب مقاتلو “داعش” الشِعر؟

 

المصدر: هنا 

(ترجمة بتصرف)

في الحادي عشر من أكتوبر للعام 2014 ووفقا لحسابات على موقع “تويتر” تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، تم الإعلان عن زواج سيدة تدعى “أحلام النصر” في محكمة مدينة “الرقةبسوريا من الجهادي – نمساوي المولد والمُقرب من قيادة الحركة – “أبو أسامة الغريب“.
من النادر أن تقابل موقعا على شبكات التواصل الإجتماعي تابعا لتنظيم “داعش” وهو يعلن عن زواج أحد، لكن “النصر” و”غريب” مختلفان، فهما ثنائي صاحب سلطة داخل التنظيم.
الغريب” داعية مُخضرم كان يعمل بالأساس لصالح تنظيم القاعدة،والآن أصبح مع تنظيم “داعش“، أما عروسه فهي إحدى مشاهير الأدب أصحاب المكانة المزدهرة؛ فهي المعروفة باسم “شاعرة الدولة الإسلامية”، بعد أن نُشر أول ديوان لها إلكترونيا الصيف الماضي تحت اسم “أُوار الحق” (أوار تعني لهب).

وانتشر الديوان بسرعة بين شبكات الميليشيا الإلكترونية، وتستطيع بسهولة أن تحصل على الأناشيد التي تغنّى بها المجاهدون من أعمالها دون موسيقى – وهو ما يتفق مع منع داعش للآلات الموسيقية – عبر موقع “يوتيوب“.
يحوي الديوان 107 قصائد باللغة العربية تمثل مرثية للمجاهدين وبكاء على الأسرى وقصائد للنصر وقصائد قصيرة سبق نشرها على موقع “تويتر“، كتبت “النصر” معظم القصائد بطريقة “الإيطاء” أي “تكرار اللفظ”، وأخرى بالوزن العربي الكلاسيكي.

لا نعرف سوى القليل عن “أحلام“، لكن يبدو أنها دمشقية الأصل وفي بداية العشرينات من عمرها، كما كتبت والدتها – التي كانت تعمل بالقانون في السابق- كتبت أن ابنتها “ولدت وفي فمها قاموس”؛ فقد بدأت تكتب الشعر وهي بعمر المراهقة، وكان في أغلبه دعما للفلسطينيين.

وعندما اندلعت الأحداث في سوريا في ربيع العام 2011 ضد بشار الأسد، اختارت “أحلام” صف المتظاهرين، وتحكي الكثير من القصائد عن شهادتها لقمع النظام في بداية الاحتجاجات والتي ربما تأججت أكثر من جرّاء ما رأته .. تقول “أحلام“:
رصاصهم يحطم أدمغتنا كالزلزال
حتى العظام القوية تتصدع ثم تنكسر
ثقبوا حلوقنا وبعثروا أطرافنا .. فكان مثل درس تشريح
أغلقوا الشوارع والدماء تسيل، كهطول المطر من السحاب

 

فرت “أحلام” إلى بلد خليجي لكنها عادت إلى سوريا العام الماضي وعند وصولها إلى الرقة – عاصمة داعش– بداية الخريف، أصبحت شاعرة الدولة والداعية الرسمية لها؛ فقد كتبت مدحا في “أبو بكر البغدادي” – الخليفة الداعشي- وفي فبراير كتبت موضوعا من ثلاثين صفحة دافعت فيه عن قرار القيادة بحرق الطيار الأردني “معاذ الكساسبة” حيا.

في حديثها عن هجرتها، وصفت “أحلام” الخلافة بأنها “الجنة الإسلامية”؛ فهي الدولة التي لا تقابل فيها حاكما فاسدا، والتي يسلك مواطنوها القواعد بحسب معايير تقية ورعة، تقول “أحلام“: “في دولة الخلافة أرى النساء يرتدين الحجاب، الكل يعامل بعضه البعض بمبدأ الفضيلة، ويغلق الناس محالهم في أوقات الصلاة”، كما كتبت عن انتصارات التنظيم في الموصل وغرب العراق، ووصفت الأطفال في دولة الخلافة قائلة: “يلعب الأطفال بالعصي، فهي كالسلاح الذي يمكنهم استخدامه لقتال المهرطقين والكافرين“. كما احتفلت “أحلام” بانتصارات داعش باعتبارها “فجر جديد”للعراق قائلة:
سل الموصل مدينة الإسلام عن الأسود
كيف جلب صراعهم القوي التحرير
أرض المجد نسيت ذلها وهزيمتها وارتدت ثياب العزة

لدى القاعدة والحركات الإسلامية الأخرى إنتاج ضخم من الشعر، أغلبه يتم تداوله عبر الإنترنت من خلال حسابات سرية، لكن – وبسبب عمليات المراقبة والاختراق- تختفي بسرعة تلك الأعمال. وفي جولة على مواقع الميليشيا الإلكترونية يمكنك أن تجد منتديات نقاش في الشعر ومقاطع عن الأحداث الجارية ومسابقات مبارزة بين الشعراء وفيه يحاول كل شاعر أن يغلب آخر بالمآثر البارعة، إضافة إلى أعمال قابلة للتحميل مصحوبة بأدوات علمية. (احتوى ديوان لهب الحق على حواشي تشرح بناء الجملة الصعبة والقافية غير الاعتيادية).
لكن المحللين دائما يتجاهلون مثل تلك النصوص، وكأن الشعر مجرد إنتاج حيوي للجهاديين لا يهدف إلى تشتيت البعض، وهذا خطأ؛ إذ إنه من الصعب أن تفهم الجهادي – وتوسلاته لضم مجاهدين جدد- دون أن تفحص ثقافته.

وتلك الثقافة يتم التعبير عنها بمختلف الطرق منها الأناشيد والفيديوهات الوثائقية لكن الشعر دائما في المقدمة، وبعكس اللقطات التي تُظهر قطعاً للرؤوس أو حرقا للبعض- والتي تم إعدادها بالأساس من أجل الخارج- يبقى الشعر نافذة تطل على التنظيم، فهو القلب الذي يعبر من خلاله الميليشيات عن حياة الجهاد الخيالية.

الشعر ديوان العرب

وكما تقول المأثورة “الشعر ديوان العرب” فهو أرشفة لتاريخ وخبرات وخلاصة أدبهم؛ فسلطة القصيدة ليس لها منافس في الثقافة العربية، وقد تم كتابة القصائد المبكرة من خلال البدو قبل ظهور القرآن، حيث كانت القصائد تٌكتب بطريقة “الإيطاء” أو بالطريقة الكلاسيكية حتى تكون أسهل عند استدعائها من الذاكرة، وكانت القصيدة هي لغة المتحدثين باسم القبائل ولغة الاحتفال وفضيلة العشيرة، يلعن بها البدوي الأعداء ويستدعي بها الحب المفقود ويرثي الموتى وبصفة خاصة من قُتلوا في المعارك.
وقد خصص القرآن للشعراء المتجولين قبل الإسلام سورة تحمل اسمهم، وفي حديث عن الشعراء الذين يتبعهم الناس: “وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ). لكن الشعراء لم يتوقفوا عن الكتابة بسهولة، كما تحول عدد من القبائل التي تكتب الشعر إلى الإسلام وأصبحوا من صحابة النبي، مدحوه في حياته ورثوه بعد وفاته بالشعر.

 

وتركزت الثقافة العربية في حقبتها الكلاسيكية – وبشكل خشن – حول قصور الخلافة في دمشق وبغداد وقرطبة، وعلى الرُغم من أن معظم الشعراء يعيشون الآن بعيدا عن المروج الخضراء التي تخص شعراء القبائل، وتم استبدال النصوص المكتوبة بتراكيب شفهية.

لكن يبقى أن السمة الرئيسية لذلك الفن ماتزال موجودة، كما أن الشعر التقليدي الأصلي لم يتغير، وبقيت الأنواع الأصلية – قصائد المدح والملامة ورثاء الموتى- مُصانة، ونمت أيضا أساليب جديدة من المواد القديمة، وكما كان سائدا في الأجواء المدنية داخل القصور، بقي غناء الخمر – والذي كان العنصر الرئيسي في الشعر القديم تيارا كامل التطور.

يكتب الشعراء المعاصرون باللغة العربية ويترجمون عددا كبيرا من القصائد، كما يفضل الكثيرون منهم الشعر الحر وقصيدة النثر، وعلى الرُغم من فقدان النماذج القديمة لسلطتها، مايزال هناك تعبير شعري مستمر لافت للنظر.

وبالنسبة للناطقين والمتعلمين باللغة العربية، تصبح لغة الحقبة الكلاسيكية ممتعة وسهلة لكن يفضل بائعو الكتب في القاهرة ودمشق تخزين طبعات من شعر العصور الوسطى ويتم تخصيص قصائد حقبة ما قبل الإسلام لطلاب المدارس الثانوية.
شاعر المليون

وعلاوة على ذلك، يبقى الشعر القديم حيا وبخير على المستوى الشعبي، فهناك برامج تليفزيونية ناجحة في الشرق الأوسط تهتم بالشعر منها “شاعر المليون“؛ ففي كل موسم منه يتقدم موهوبون من أنحاء الوطن العربي لتقديم شعرهم الخاص أمام عدد كبير من الجمهور في أبوظبي، وقد يتسلم الفائز بالمسابقة ما يفوق المليون دولار، وخلال العام الماضي كان يشاهد البرنامج نحو 70  مليون شخص حول العالم وقد تثير بعض القصائد الجدل في شكلها ومضمونها.
كما يستدعي الشعراء أفكارا حول جمال المحبوب والوطن، ويمجدون في كرم القادة أو يتحدثون عن بعض الأمراض الاجتماعية، وبحسب قواعد البرنامج لابد أن يكون الشعر مُقفى، وقد ساهم البرنامج في تعريف الجمهور بعدد من الشعراء ومشاهير الأدب.

ففي العام 2010 أصبحت الشاعرة السعودية “حصة هلال” أيقونة مفضلة لدى الجمهور بعد نظمها قصيدة انتقدت فيها السلطة الدينية السعودية، وخلال الربيع العربي، برز نجم الشاعر المصري ” هشام الجخ” الذي تغنّى بقصائد تدعيم للمتظاهرين بميدان التحرير، أصبح بعدها نجما في وسائل الإعلام وأصبحت قصائده تتردد في الميدان.

لكن أفكار الشعر الجهادي تختلف؛ فهي أكثر تعطشا للدماء، ففيها ذم وبلا هوادة للشيعة واليهود وقوى الغرب والعناصر المتصارعة بالإضافة إلى تهديد بالدمار والتخريب، ويمكنك أن تصادف فيديوهات لجماعات المجاهدين وهم يلقون الشعر ويتغنون بالأناشيد كما تصادف فيديوهات لهم وهم يفجرون دبابات الأعداء، والشعر يُعرف بأنه فن اجتماعي أكثر منه مهنة متخصصة، ويحب ممارسوه أن يظهروا بعروضهم مهارتهم.
لكن الأمر المثير للفضول هو أن يجد أكثر الرجال المطلوبين للعدالة في العالم وقتا لنظم الشعر الكلاسيكي أو المقفى، وهو أسهل في الكتابة باللغة العربية عن الإنجليزية، مع أنه قد يحتاج إلى مزيد من التدريب في أحيان كثيرة وهي أحد العلامات الواضحة على تفاني المجاهدين لنظم الشعر؛ لأن الشعر مليء بالتلميحات والتعابير النادرة.

كما أن القصيدة تحتاج إلى  تركيب خاص  والتي تكون فيها الأحرف متناسقة وكذلك العبارات؛ ففي واحدة من قصائد “أحلام” والتي تعلن فيها عن التزامها بمبادئ داعش تم وضعها على اختصار كلمة التنظيم “داعش” ( كلمة “داعش” قد تمثل علامة مهينة وتبني أحلام لها يمثل تحديا). كما أن فرحة المجاهدين تتجلى بتحول انتصاراتهم إلى قصائد.

وهناك مخاوف قوية تكتنف الجهاديين، فقد اختار هؤلاء أن يعزلوا أنفسهم عن المجتمع وعن عائلاتهم ومحيطهم الديني، وهو بالطبع خيار صعب ونتائجة وخيمة، لكنهم يجذرون أنفسهم داخل التقاليد الإسلامية العربية بلعب دور ثقافي يهدئ من تلك المخاوف من الشعور بعدم الانتماء.

 

بن لادن والشعر

في مايو من العام 2011 وأثناء الهجوم على أبوتباد في باكستان حيث قُتل “أسامة بن لادن” تم العثور على رسالة كُتبت بتاريخ 6 أغسطس من العام 2010 وفيها يطلب “بن لادن” من أحد مساعديه بترشيح أحد الأشخاص “لقيادة عملية داخل أمريكا”، والجملة التي تلتها طلب “بن لادن” عما إذا كان هناك أخ يعرف شيئا عن عملية نظم القوافي واختتم بطلب كتاب في علم العَروض.
يعتبر “بن لادن” أيقونة كل المجاهدين، وهو يفخر بنفسه كونه لديه معرفة بالفن؛ فقد كان اسم أول معسكراته في أفغانستان “المأسدة” (مكان تكثر فيه الأسود) وهو اسم مقتبس من قصيدة ل “كعب بن مالك” أحد صحابة الرسول، كما أن الجزء الأهم في شخصية “بن لادن” هو التمكن من البلاغة الكلاسيكية.

في العام 1996 –  وعقب عودته إلى “أفغانستان” – كتب “بن لادن” أحد أهم قصائده الرمزية، تكونت من 44 بيتا على جزءين، تم تسجيل النصف الأول منها بصوت ابنه الأصغر “حمزة” والجزء الثاني كان ردا من الوالد.
يستخدم الكثير من الشعراء الجهاديين صوت الأطفال لأنه يمنحهم شعورا بالبراءة والثقة، وقد بدأ “حمزة” القصيدة بسؤال والده عن سبب صعوبة حياتهم وعدم تمكنهم من المكوث في مكان واحد، وقد تم استلهام جو الكلام من النوع الذي كان يسود حقبة ما قبل الإسلام والتي تسمى بـ”البكاء على الأطلال – الرحيل” وفيها يتحدث الشاعر عن رحلته ويشكو من العزلة والخطر، تقول القصيدة:
أبي، لقد قطعت سفرا طويلا بين الصحارى والمدن
أبي، لقد كانت رحلة طويلة بين الوديان والجبال
طويلة.. حتى أني نسيت قبيلتي، وأبناء عمومتي وحتى نسيت البشر

ويستمر “حمزة” في تذكر والده وعائلته، يتذكر نفيهم من السعودية ومكوثهم في السودان ثم طردهم منها وصولا في النهاية إلى “أفغانستان” (حيث أشجع الشجعان) وحتى هناك لم تجد الميليشيا أي سلام فقد قامت أمريكا (بإرسال سيل من الصواريخ مثل المطر) وينهي “حمزة” مقطعه بطلب حكمة أبوية.

استخدم “بن لادن” نفس القوافي فمنح القصيدة جوا من الألفة والحميمية؛ وفيه نصح “بن لادن” ابنه بعدم توقع حياة سهلة قائلا:
عذرا يا بني، فأنا لا أرى سوى الشقاء والطرق الحادة، سنوات من الهجرة والترحال”.


كما يذكّر “بن لادن” ابنه أنهم يعيشون في عالم يعاني فيه الأبرياء، وبصفة خاصة المسلمين، يتم تجاهلهم ” ويذبحون فيه كالخراف“، عالم لا يهتم فيه المسلمون – أنفسهم-  بمذلاتهم، فهم “أناس يعيشون في سبات عميق“.
أما الجزء الأصعب في القصيدة فهو الذي يتحدث عن عجز العرب فيقول فيه: “الصهاينة يقتلون إخواننا والعرب يعقدون مؤتمر، لماذا لا يرسلون قوات لحماية هؤلاء الصغار من الأذى؟”.

أدرك “بن لادن” شكوى “حمزة” ولكنه أيضا شرح له أن شقاء العيش والنفي أمور ضرورية، وذلك ليس بسبب أن الظلم أصبح في كل مكان ولكن – والأكثر أهمية- أن المحنة هي ابتلاء يتم فيه اختيار العبد.

الاعتقاد السائد لدى معطم الحركات الجهادية هو أنهم يشكلون نواة المسلمين الحقيقيين، وهم الذين يتم تعريفهم باسم “الغرباء“، وهو اسم دورية  ل “داعش” وعنوان نشيد معروف عند المجاهدين، وهو تعبير مقتبس من حديث نبوي يعتبر حيويا جدا بالنسبة للمجاهدين يقول: ” بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء“.

فقد بدأ الإسلام غريبا بمحمد وتابعيه الذين تم اضطهادهم من قبل سكان مكة وهي فترة شاقة قادت إلى الهجرة إلى المدينة، وبالنسبة للمجاهدين فإن نفيهم لأراض أجنبية هو دليل على أنهم غرباء كحقبة النبوة، وفي الحقيقة يعتبر المجاهدون أنفسهم في المنفى حتى ولو عاشوا داخل دول مسلمة؛ إذ إن نبذهم من قِبل المجتمع يخدم فكرة شعورهم بأنهم على حق.

يحوّل بناء قصائد “بن لادن” العمل إلى دراما وراثية؛ ففيه يقدم “بن لادن” واجبا سياسيا متوارثا وسلوكا أخلاقيا، فالمجاهدون قد يكونون محاصرين من قِبل الأعداء – قد تكون دول عربية- ومتنافسين إسلاميين وقوى غربية بعيدة، وهنا يسأل “حمزة“: “إلى أين يمكن أن نفر يا أبي، ومتى يمكننا أن نكون في مكان واحد؟”.

كما تضيف حقيقة أن ثقافة الجهاد أصبحت إلكترونية أكثر منها ثقافة مجسدة مادية، معاناة أخرى إلى معاناتهم لمحاولة الحفاظ على التقاليد.
ونتيجة لأن المجاهدين يعيشون في بيئة إجتماعية مشتتة فقد أضحوا مهووسين بفكرة تسجيل نجاحاتهم، فأصبحت البنية الرئيسية لمواقعهم – مثل موقع ” أبو محمد المقدسي – منبر التوحيد والجهاد”، مستودع الآراء الدينية والبيانات السياسية والشعر-  أصبحت متطورة بشكل ملحوظ. ولا شك أن المراثي  تحتل المركز الأول في كتابات المجاهدين، منه رثاء المقاتلين (حتى الانتحاريين) والذي يعتبر بمثابة تذكير للمجاهدين بكل الأحداث؛ إذ إن الشهادة بالنسبة للمجاهد هي لبنة تاريخه، حتى أن “بن لادن” نفسه قدم رثاء لمن قاموا بعملية 11 سبتمبر قائلا:
محتضنو الموت، جنود المجد وجدوا راحتهم، استحوذوا على الأبراج بيد غاضبة واجتاحوا كالسيل الجارف”

 

رفض الحدود:

تركز سياسات المجاهدين على رفض فكرة الدولة وكذلك خريطة الشرق الأوسط  التي أسستها بريطانيا وفرنسا بنهاية الحرب العالمية، فواحد من أهم فيديوهات “داعش” يظهر جهاديا يقوم بتحطيم الحدود بين العراق وسوريا التي تأسست بعد اتفاقية “سايكس بيكو” في العام 1916، وفيديو آخر يظهر حرق جوازات السفر وبطاقات الهوية.

المجاهدون المقدسون وجدوا وطنهم في الدول الفاشلة مثل “أفغانستان” أو – كما هو الوضع الآن- في شرق سوريا، فهم يرفضون الحدود التي وضعتها قوى أجنبية والتي أدت إلى معاناة المسلمين، وهناك قصيدة ل “أحلام النصر” ترسم فيها تلك الخريطة بطريقة تقارن فيها سياسة المجاهدين بالرؤى الدولية:
أرضي هي أرض الحق، وأبناء الإسلام إخوتي
فأنا لا أحب عرب الجنوب أكثر من عرب الشمال
أخي في الهند، أنت أخي، وفي الأهواز وفي الأقصى، في الجزيرة العربية وفي الشيشان
فإذا بكت فلسطين، وإذا صرخت أفغانستان ،
إذا ظُلمت كوسوفو أو آسام أو باتاني
فلا فرق بينهم، وتلك تعاليم الإسلام
كلنا جسد واحد ، وتلك عقيدتنا السعيدة
نحن مختلفون لغة ولونا
لكننا نتشارك نفس العرق

 

هنا تبدي “أحلام” تعاطفها مع المسلمين في البلاد البعيدة، فالأهواز اسم لمقاطعة عربية في جنوب إيران حيث يتعرض المسلم السني للاضطهاد ، و”باتاني” هي مقاطعة ذات أغلبية مسلمة في “تايلاند“، وفي واحدة من قصائد ديوانها ترثي مجاهدي الشيشان، وتلك لحظات من النشوى التي تجدها في قصائد المجاهدين، فقد يسعد الشعراء بعبور خيالاتهم للحدود وهو الأمر المتعذر في الواقع.

 

عالم خيالي

والخلافة الإسلامية الداعشية – والتي لم تحظ حتى الآن بأي اعتراف من أي دولة – هي مجرد عالم خيالي وهمي، لا يحوي حدودا، يمكن أن يحدث فيه أي شيء وبصفة خاصة استعادة الأمجاد الماضية.

ففي مارس من العام 2014 أعلن حاكم “البحرين” عن مهلة لمدة أسبوعين تُمنح لمن يريد العودة إلى وطنه ممن انضموا إلى المقاتلين في سوريا، وإذا انقضت المهلة دون عودته سيتم تجريده من الجنسية، فما كان من “تركي البنعلي” – وهو مواطن بحريني انضم إلى داعش وهو أحد منظريها البارزين، وقد تم تجريده من الجنسية البحرينية – ما كان منه إلا أن أعلن عن “استنكاره وتخليه عن الجنسية”، وقد عبر عن ذلك في قصيدة قصيرة تحدث فيها عن الممالك والفكرة السخيفة للدول. يقول:
“أخبرهم أننا وضعنا جنسيتهم تحت أحذيتنا.. تماما مثل مراسيمهم الملكية”
هل تعتقد حقاً أننا سنعود.. عندما نكون هنا في سوريا، أرض المعارك الملحمية ورباط الحرب”

 

يقصد “تركي” بـ”رباط الحرب” أي الحاميات العسكرية على الحدود بين الدولة الإسلامية القادمة من العصور الوسطى ودول الجوار مثل الكاثوليك الإسبان أو الأرثوذوكس البيزنطيين.
وعلى الرُغم من أنه لم يعد هناك “رباط” إلا أن استخدام المصطلح يعكس تفاخر بكل ما هو قديم – مثل استخدام أساليب الإيطاء أو الكلاسيكيات- فثقافة الجهادي تقوم وبشكل أساسي على فرضية كل ما هو قديم. كما تظهر الفيديوهات الدعائية المجاهدين وهم يمتطون الخيل ويلوّحون بسيوفهم في الهواء ممسكين بلافتات مكتوب عليها ما كان يكتبه المسلمون الأوائل عقب انتصاراتهم.

 

محمد الزهيري
ومن أبرز الأسماء التي لمعت في مجال شعر المجاهدين “محمد الزهيري” وهو مهندس أردني يظهر على شبكة الإنترنت باسم مستعار هو “شاعر القاعدة“، وقد تحدث عن الأجواء الحربية في قصيدة أهداها إلى “أبو مصعب الزرقاوي” أول مسئول عن التنظيم في العراق، وجه كلامه في القصيدة لامرأة لم يتم ذكر اسمها. يقول:

أيقظينا على أنشودة السيوف ، وقولي وداعا حين تنطلق المواكب
صهيل الخيول يملأ الصحراء، يثير أروحنا ويحفزها إلى الأمام
فخر الفرسان يحرك الحناجر، حين يجلد الذل الخصوم

 

وثقافة الجهادي هي ثقافة رومانسية؛ فهي تعد بالمغامرة وتؤكد على أن أيقونات أبطال العصور الوسطى والفروسية ماتزال موجودة، وبتخليهم عن جنسيتهم، يبحث المجاهدون عن ابتكار هوية خاصة بهم؛ فهم في شوق لإقناع أنفسهم بأن تلك الهوية ليست جديدة بل هي قديمة ومعروفة.

فالمحارب الجهادي يقدم نفسه على أنه المسلم الوحيد الحقيقي وبينما يمكن أن يكون في مبارزة مع طواحين الهواء فقط، يتضح أن الرومانسية ماتزال موجودة؛ فالمجاهد الداعشي لا يتخيل بأنه يهاجر إلى حدود متربة مفككة بين دولتين ولكنه يهاجر إلى أرض الخلافة والتي تبلغ تاريخ ألف عام.

وكل مَن يحاول قراءة قصائد المجاهدين يدرك أنها تحوي بداخلها قدرا عظيما من اللاهوتية؛ فالعقيدة الدينية هي أساس تلك الثقافة والكثير من علماء الدين المجاهدين يكتبون الشعر في اعتقاد منهم بأنهم بذلك يحاولون إحياء التراث الشعري الحقيقي وبه يكشفون عن إيمانهم.

والجهادي رجل الدين يعلم نفسه بنفسه فهو يقرأ كل مايجده على شبكة الإنترنت من نصوص موثقة وقد يرفض قبول تفسيرات بعض رجال الدين السائدة والمتهمين بإخفاء الحقيقة لخوفهم من الطغاة السياسيين.

والجهادي يعد بأن يقوم بتجريف قرون من التعاليم التقليدية التي سادت العصور الوسطى وبأن يضع مريديه على الدرب السليم لدينهم، وتمثل عناصر هذا الطرح ما يشبه الإصلاح البروتستانتي، والتي تشمل: جعل سلطة رجال الدين ديمقراطية، ومحو الأمية الجماعية، واستخدام المنهج، وفي ظل تلك الظروف يمكن لأي شخص أن يضع أطروحته الفكرية داخل المسجد.

ووسط تلك المبادئ، يحاول رجال الميليشيا استعادة الدفة من رجال الدين، وهو مبدأ جهادي في حد ذاته، فالصراعات المسلحة تم التعرف عليها من خلال التقاليد الإسلامية لكنها نادرا ما وُضعت في المقام الذي تعبر من خلاله عن شخصية المسلم، وبحلول القرن العشرين لم يعتبرها الكثير من الفقهاء أكثر من مجرد أثر قديم، وهو أمر يعد بمثابة الخيانة بالنسبة للمجاهد يقود إلى انحدار العالم الإسلامي، فهم يؤمنون بأن استخدام الجهاد يعد وسيلة مهمة للوصول إلى هوية المسلم، وهو التزام عقدي وضرورة سياسية، والكثير من تلك التعبيرات القهرية التي تحمل تلك الرؤية هي بالأساس شكل شعري.

وتعد قصيدة “مختارات المجد” والتي نشرت في العام 2004 لـ “عيسى سعد العوشن” وهي مجموعة من قصائد لمجاهدين حاولوا جلب المزيد من الشباب إلى المملكة السعودية ومهاجمة أهداف غربية ومواقع للنفط، إلا أن النظام السعودي استطاع إخماد تلك المحاولة (فر معظم أعضاء التنظيم إلى اليمن وانضموا إلى القاعدة) وقد ظهر “العوشن” على رأس قائمة المطلوبين داخل السعودية وتم قتله خلال عملية تبادل إطلاق نار بالرياض.
وقد استهل “العوشن” قصيدته بعد وضع اسمه على قائمة المطلوبين قائلا:
عاتبني بعض أصدقائي وإخوتي ، آملين في عدم خوضي ذلك الطريق، طريق الجهاد وقتال الكافرين، طريق مليء بالصعاب”
والعتاب هو أحد سمات الشعر القديم، فقبل الإسلام وحين كان الشاعر يقدم نفسه كحبيب ومقاتل وكريم ومتهور كان المعاتب هو صوت الأنا العليا التي تذكّر الشاعر بواجباته نحو قبيلته، أو كما يقول “أندراس هموري” : تكمن وظيفته في منع البطل من صنع لفتة بطولية”.

وفي شعر “العوشن” يعتبر اللائم مسلما تقيا، لكنه غير مقتنع بالجهاد ويرى فيه خطر على المجتمعات، لكنه يؤكد أنه كتب تلك البداية “لتوضيح الطريق الذي اخترته والسبب في السعي إليه“، تقول القصيدة لتي كُتبت كاعتذار للجهاد:
دعني أحكي للعالم ، “اسمع” .. فأنا أقول الحقيقة ولا أتلعثم
عصر الخضوع للكافرين قد انتهى،
وفي هذا الوقت الكاذب، دعني أقول الحقيقة:
أنا لا أرغب في مال أو حياة سهلة
بل أطمع في غفران ربي ونعمته
لأن الله هو من أخشى، وليس عصابات المجرمين
سألتني عن منهجي الذي سعيت إليه بحماس وسرعة
سألتني: “هل هذا هو الدرب الصحيح؟”
“هل هذا درب رسول الله؟”

 

ودائما يصور الشاعر الجاهدي لائميه في صورة تعكس تمجيدهم للوضع الراهن؛ فهم يتحدثون لغة رجال الدين الخاملين ولهجة السلطة ذات الطابع الأبوي، ففي قصيدة أخرى يحاول استشهادي أن يتحدث إلى والدته من خلف القبور ويحثها على عدم البكاء على فراقه قائلا:
أماه، لقد تركت دمي ورائي وسلكت دربا إلى الجنة
وقد يؤدي اللائم داخل القصيدة عدة أغراض؛ فهو يسمح للشاعر باستعراض معارفه واستعادة الأجواء القديمة، وقد يمثل خلفية تقهر وحدة الشاعر وبطولاته وبسؤاله عن جدوى الجهاد، يسمح اللائم للمجاهد بسرد فضائله.

والجهر بالعقيدة هو أساس عمل الجهادي، فعندما يكون العالم ضدك وتكون أنت ورفاقك في حالة ضعف لا تسمح لكم بقول الحق، يظهر الولاء لأمير القاعدة أو للخليفة الداعشي – وهو اختبار شجاعة، فالرسائل مليئة بالجهر والإعلان عن العقيدة، يقول “العوشن” بعد مهاجمته للغزو الأمريكي للعراق في العام 2003:
أُعلنها.. لن يكون هناك راحة حتى تقهر سيوفنا الأعداء
سلاحي يرافقني  بعزم المجاهدين، وسأسعى إلى نهجي بقلب شغوف
فإما نصر وإما الشهادة

يعتبر الشعر بالنسبة للجهادي نوعا من البيانات الرسمية، وتكمن مهمة الشاعر في فتح جبهة دفاع عن عقيدته ضد المشككين داخل موطنه أو في الخارج، وعليه أن يقول الحقيقة التي حاول أسلافه إخفاءها.

وهناك قصيدة أخرى في “مختارات المجد” تبدأ بتحذير حاد، تقول: “صمت، فالكلمة للأبطال، وكلام الأبطال مآثر” ، ودائما يصور الجهادي نفسه كمحارب الكلمة وسط مشككين في أقواله فيؤكد أنه شهيد في بداية التكوين.

أحلام في جولة مشاهير:
بعد وصولها إلى “الرقة” حصلت “أحلام النصر” على ما يشبه جولة المشاهير، وكتبت بعدها عما رأته، كتبت تجربتها إلى أخواتها ونشرتها عبر الدوريات الإعلامية للتنظيم، تحدثت “أحلام” عن جولاتها داخل أسواق المدينة، حيث وصفت أشكال الخضراوات الناضجة في المحال والرجال الذين يشجعون بعضهم البعض من أجل التأسّي بخلق الرسول والتوقف عن التدخين.

كما سمح التنظيم لها بالطهي للمجاهدين وهو أمر شعرت معه بغبطة كبيرة، حتى أنها تحدثت عن تلك الواقعة قائلة: “يجب أن يكون كل شيء نظيفا ورائعا، هكذا كنت أردد على نفسي، فهذا الطعام سيأكله المجاهدون، وتلك الأطباق سيستخدمها المجاهدون”. كما تحدثت عن ذهابها إلى متجر الأسلحة وهناك تعلمت تفكيك وتجميع الأسلحة الروسية والأمريكية الصنع، فكتبت تقول: “كل ذلك يحدث يا أخوات،  في سوريا وأمام عيني”.

تصورت “أحلام” الخلافة وكأنها اليوتوبيا، ليس فقط لأنها المكان الذي فيه يفعل المسلم مايجب عليه أن يفعله ولكن لأنها مكان البدايات الجديدة، وبالنسبة لكثير من المتابعين تبدو “الرقة” – تحت الحكم الداعشي – مجتمعا شموليا مستبدا، ولكن بالنسبة لـ”أحلام” وغيرها من أعضاء التنظيم هو عبارة عن مكان ريادي، كل مافيه قابل للتغيير والتفاوض، تغيير لا يتعلق فقط بالحدود السياسية ولكن أيضا بالهويات الشخصية.

دور “أحلام” غير اعتيادي على أي امرأة، لكن “داعش” صنع تغيرا حين وضع امرأة في الصفوف الأولى لحربه الدعائية، كما أسس شرطة نسائية أخلاقية تحت اسم “لواء الخنساء”، والذي يسعى إلى التأكد من الالتزام السليم بالشروط التي وضعها التنظيم داخل المدينة.

وعلى الرُغم من أن حسابات نساء “داعش” على شبكات التواصل الاجتماعي تصور المرأة وكأنها صالحة فقط للاستعباد الجنسي، تبقى الحقيقة التي تؤكد أنه لا يوجد تنظيم إسلامي مسلح استطاع أن يجذب السيدات كما فعل “داعش“.

فقد كتبت إحدى نساء التنظيم بمجلة “دابق” – وهي مجلة التنظيم الناطقة باللغة الإنجليزية – كتبت تشجع النساء إلى الهجرة إلى “أرض الدولة الإسلامية” حتى إن لم يكن معها مَحرم (الزوج أو الأب أو الأخ)، وهي صدمة تخرق بها الشريعة الإسلامية، لكنها تستخدمها كحيلة لجذب المزيد من النساء وتشجيعهن على الهرب.

لكن الأمر قد يتعلق أيضاً بعملية استمرار هجوم الجهاديين على فكرة السلطة الأبوية، وتأكيدهم على قوة الفرد، بما فيها قوة الأنثى المؤمنة، وقدرتها على التخلي عن عائلتها التي لا تمثل المسلم الحقيقي.

كما تعمل الحداثة الراديكالية داخل المجتمع الداعشي على تكوين تطابق غريب بالخضوع للثقافة القديمة – والتي تتلخص في الهوس بالورع واستخراج الحقائق الإسلامية الدفينة. ويمثل “لواء الخنساء” هذا النموذج، فقد كانت “الخنساء” شاعرة في حقبة ماقبل الإسلام ثم تحولت إلى الإسلام وأصبحت صحابية وأضحى رثاؤها لأخويها الذكور حجر الزاوية الذي ارتكز عليه شعر المراثي.

كما أن استلهام الاسم يعكس تجذرا عميقا في الماضي؛ فحتى الآن لا توجد ألوية مثل التي كانت في التاريخ الإسلامي، وليس هناك ما يعادلها في أي مكان في العالم العربي.

بالتأكيد، لا يرى الجهاديون أي تناقض في حياتهم، فهم يعرضون خلافتهم الإسلامية وكأنها عملية إحياء وبعث لكل ما مضى؛ ففي تدويناتها اليومية عن “الرقة” تصف “أحلام النصر” عاصمة “داعش” وكأنها المكان الذي يحوي بداخله معجزات يومية، فهي المدينة التي يقصدها المؤمن حتى يُولد من جديد، ميلاد ضارب بجذوره في كل ما هو قديم، في الإيمان الحقيقي، ففي دولة الخلافة – وكما تكتب “أحلام“: “هناك الكثير والكثير من الأشياء التي لم نرها سوى في كتب التاريخ”.

عن الكاتب
مريم كمال
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق