الآن تقرأ
خبرني العندليب (15).. ثورة يناير و”مرحلة الضباب”

لقراءة الحلقات السابقة من خبرني العندليب اضغط  هنا

في قلب ما يحدث.. كانت بعض الهواجس تسيطر عليك أحيانا، قطاع لا بأس به من الأصدقاء بدأ يلتفت إلى أنك تكتب وتتحدث عن أشياء تحدث بالفعل بعد الإشارات التي تقدمها، علقت  الناشطة حنين  حسن حنفي قائلة، بعد لقاء تم بالصدفة، “عمر ظهر يبقي في حاجة هتحصل”، وعلق الصديق أحمد الهلالي على صفحتك بعد أحداث السفارة الإسرائيلية، قائلا: “كلامك طلع سليم إن في مؤامرة”.

كنت قبل  المليونية التي تفجرت على أثرها أحداث السفارة الإسرائيلية قد حذرت الزملاء، وطلبت من الجميع إخلاء الميدان وإنهاء المظاهرة الساعة السادسة، لأن هناك رائحة افتعال أزمة، وبنيت وجهة النظر هذه اعتمادا على  ما رصدته من ظهور دعوات تحريضية وتصعيدية غير مبررة في وقتها من وجهة نظري، والمؤسف أنه بعد السادسة تفجرت الأحداث فعلا وأخذت أضرب كفا بكف.

لم يكن لدي أي معلومة من أي مصدر  أن شيئا سيحدث، لكنه مجرد إحساس، وتعبيرا  عن الدهشة من حدوث ما توقعته كتبت على الصفحة قائلا  (طلاسم!)، فكتب الهلالي: “لا طلاسم ولا حاجة ، انت قلت من يومين ان في حاجة هتحصل واهي حصلت”! وعلقت الصديقة المطربة دنيا مسعود أيضا مازحة، بعد أن لاحظت أن محاكمات بعض  رموز النظام كنت أخبرهم بموعدها قبل حدوثها، “صفيّ بيسلم عليك وبيقولك نفسه يشوف مرتضي منصور كمان في السجن”.

الصديقة مها الترك أيضا لاحظت ذلك بقوة، وقالت بجدية (عمر  إنت أكيد على علاقة باللي بيحصل، مش بتكتب كلام وخلاص”، وسببت لك هذا التعليقات قلقا بشكل أو بآخر، كيف ينظر إليك الأصدقاء؟ لست أكثر من شخص يملك مجموعة علاقات واسعة ومتنوعة، وأحد هذه العلاقات كان شخصا استثنائيا تعمقت جذور الثقة بينكما وامتدت جسورها فمدك بمعلومات لا حصر لها وفقط .

في أحد الأيام، عقب أحداث  استاد بورسعيد، زارتنا في المنزل الصديقة العزيزة الناشطة والطبيبة بمركز النديم بسمة المر، لم ألتق بسمة خلال فترة ما بعد الثورة إلا مرة واحدة تقريبا، وكانت هذه هي المرة الثانية، كانت عائدة لتوها من إحدى مسيرات الألتراس التي أقاموها حدادا على الضحايا.

دار النقاش حول ما يحدث في البلاد عقب تنحي مبارك، وقلت لها إنني في الحقيقة غير قادر على تحديد موقف بشأن المسؤول عن الجرائم التي تحدث من آن لآخر، قالت بسمة إن صديقتنا منار كذلك أيضا، وحكت ما شاهدته منار  خلال يوم 29 يناير عقب جمعة الغضب، أثناء هجوم المتظاهرين لمحاولة اقتحام وزارة الداخلية، تحكي بسمة نقلا عن منار: “كان المتظاهرين قد زحفوا إلى الميدان ومبني الداخلية في لاظوغلي، أثناء احتشاد الجماهير قرب مبني  الوزارة، وقف شاب هاتفا ضد النظام، وعلى الفور اصطادته رصاصة قناص وسقط غارقا في دمه، أردفت بسمة، بعدها بدقائق تكرر نفس المشهد، شاب يقف بطوله يهتف ضد النظام، فاصطادته رصاصة قناص أيضا.

أكملت بسمة: عارف يا عمر المشهد اتكرر كام مرة؟
أجبتها بهدوء  : 12 مرة
نظرت بسمة بدهشة قائلة: مظبوط  !!!!

اكملت لها القول: فهمتي بقى أنا تعبان ليه؟ أنا شايل وساكت، ومن ده كتير على فكرة، قلت لها إنني في أسبوع واحد  جلست مع بعض من شاركوا في مسيرة ماسبيرو  الكارثية، وسمعت منهم روايتهم التي ضمت معلومات مؤثرة في مسار القضية، وحكوا لي فقط بدافع الثقة، ونفس الأسبوع جمعني بالصدفة بمجموعة من ضباط الجيش أحدهم  على علاقة مباشرة بأحداث ماسبيرو، وسمعت روايتهم أيضا، قاطعتني بسمة قائلة: “إحمد ربنا انك ما ضَربتش فعلا يا عمر”.

كان الهاجس الأخطر هو أن تكون دون أن تدري تتعرض لعملية غسيل مخ، كان يؤرقك أن معظم أصدقائك من كافة الاتجاهات يرون شيئا، وأنت بمفردك ترى شيئا آخر، من غير المعقول أن جميعهم في أحداث مثل ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء يتبنون وجهة نظر ما، وتتبنى بمفردك وجهة نظر مغايرة.

عزاؤك الوحيد أنك تملك معلومات لا يعرفونها، ربما لو تعرضوا لخبرتك مع الحدث لتبنوا نفس آرائك ووجهة نظرك، ولكن ما الذي يدريك أن كل المعلومات التي تصلك صحيحة ودقيقة؟ الغالب أنها صحيحة، ولكن ربما ليس كلها.

ما طمأنك نسبيا إلى أنك لا تتعرض لغسيل مخ أو ما شابه هو أن قراءاتك للأحداث كان هناك من يتفق معها ويدعمها، لكنهم جميعا كانوا من خارج الدوائر السياسية التقليدية أو شباب الثورة (المعروفين).

قضيت عمرك إلا قليلا  في حي حدائق القبة  وشارع مصر والسودان وسراي القبة، حي القبة وشارع مصر والسودان تحديدا الذي كنت تسكن به هو  (قلب الدولة العميقة النابض)، نصف أصدقاء الطفولة يعمل آباؤهم في الأجهزة المختلفة، وبالتالي يعمل أبناؤهم الآن في هذه الأجهزة وفقا للتقاليد المصرية العتيدة، المناصب القيادية في الداخلية وغيرها كان جيراننا يحتلونها.

وزير الداخلية منصور العيسوي نفسه اعتدت مشاهدته قبل أن أتعلم القراءة والكتابة، وغيره الكثيرون، وكان بعض هؤلاء الأصدقاء القدامى يمدونك بمعلومات تدعم قراءتك لما يحدث في بعض الأحيان.

ما طمأنك أيضا أنك لست بمفردك في الآراء التي تتبناها  هو متابعتك لكتابات بعض الكتاب الصحفيين الكبار، الذين يتبنون آراء قريبة من رأيك في هذه الأحداث، وأيضا تواصلك مع بعض الثوار الآخرين المقيمين في “المنصة”، ومن فضلك لا تتسرع وتقول إن هؤلاء ليسوا ثوارا، هم ثوار فعلا من ثوار يناير، وتواصلت معهم والتقيت بعضهم، لكنهم لم يمتلكوا الأدوات الإعلامية التي تمكنهم من الحضور مثل حضور رموز الحركة الشبابية، الذين استمروا في التحرير.

كان من عرفتهم منهم  من خارج إطار المسيسين المعروفين، شاركوا في الثورة واعتبروا أن دورهم انتهى بتولي القوات المسلحة مقاليد الأمور، لم يجدوا لأنفسهم مكانا في التحرير بعد أن علا صوته ضد الجيش فانسحبوا إلى المنصة، أتحدث عمن أعرفهم من هؤلاء  ولا شأن لي بانضمام شخصيات مؤيدة للنظام القديم، مثل الموزع الموسيقي عمرو مصطفي أو أحمد سبايدر أوغيرهما.

عن الكاتب
عمر قناوي
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق