الآن تقرأ
تركة “بنو إسرائيل” في مصر

يسطر القرآن قصة موسي مع بني إسرائيل التي تصل ذروتها الدرامية في انشقاق البحر، ليؤمن خروجا ملحميا لهم، ثم يطبق على فرعون وجنوده، يصعب تصديق أن القصة التي مرت بتلك اللحظة الفارقة ستكون نهايتها تيه بني إسرائيل في الصحراء، ووفاة النبي المعذب بجحود قومه على مرمي حجر من القدس، تكرر ذكر القصة حتى قال الفقهاء: “كاد القرآن أن يكون كله لموسى”، ربما لأنها ليست قصة نبي و قومه فقط، بل مجموعة أمراض نفسية قادرة على تقويض أي مجتمع، و ربما لم تغادر تلك الأمراض مصر بخروجهم بل ظلت وتجذرت!
نحن أحباء الله

تعتمد تلك النفسية على أن الله ينصرنا لأننا نحن وليس لأي سبب آخر، فلا يهم عملنا ومسعانا الدنيوي مادامت الدنيا مسرحية من شعوب ضالة تنتهي بمفاجأة أن يعض الجميع أناملهم ندما، فالجنة للمسلمين، لماذا؟ لأننا مسلمين!! وتلك نفس رؤية بني إسرائيل التي ستتطور لصيغة كل الشعوب تضطهدهم لأنهم الساميون، والدين هو قصة انتقام الإله لهم من الأغيار وتسخيرهم كخدم لفئة الله المختارة.

لا يقيم هذا الإيمان البسيط وزنا للعمل، فيكفي كدلائل لنصرة الله شير صور فيسبوكية عن تفاحة نقش عليها اسم الله صدفة أو شجرة ساجدة بتكوينها الخشبي أو مصحف مترب يقي السيارة شر الحوادث حتى تسدد أقساطها بسلام، لذا العمل رفاهية لمصر التي ذكرها الله في كتابه مرات شتى، فهي بأمان حتى لو سكنها الشياطين أنفسهم، رغم أنه نفس الكتاب الذي قال “ليس بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ”، فلا أفضلية إلا لعملنا في كون مدار بسنن كونية.
المظلومية و التعالي التاريخي

لا يحيا بنو إسرائيل بدون مظلومية تاريخية تبرر كل مساوئهم بدءا من فرعون وصولا لمحرقة هتلر، وكذلك نحن، هناك آخرون دوما يجتمعون في قبو سري ليخرجوا بخطط ناجحة لإفشالنا، فالمؤامرة تبرير ضمنيا لكل شيء، و هو ما يورثنا مركب نقص شديد تجاه الأمم الأغنى والأكثر تحضرا.

أعراض هذا المركب هو إدراك داخلي أننا أضعف و أقل منزلة، منسحقون بالذل أمام سطوة الأقوى، نعادله بجعجعة تاريخية بكوننا مسلمين وحسب، ومصريين وحسب، وهذا كافٍ جدا لنكون حَمَلا مقدسا يتآمر عليه جميع الذئاب.

وتلك النفسية التي تغلي بالمظلومية والشعور بالنقص أمام آخر أقوى ترى أن الحلول المنطقية في مساءلة الذات وتحمل المسؤولية ميوعة لن تغير من الحقيقة شيئا، وهي أننا أخيار وهم أشرار، سيتآمرون ضدنا دوما، لذا الحل في تخليق قائد لابد أن يكون ذكوري مفعم بالتستوستيرون (كتعويض لرجولة غائبة وانسحاق) يتولى منازعة الغرب وإخضاعه بزعامته الناصرية، وإن لم يكن فيكون حكيما ماكرا و طبيبا للفلاسفة، المهم أن يداوي مركب النقص ويقودنا لرخاء موازٍ بمعرفته.
السامري لكل العصور

انشق البحر لموسى، و رأوا بأعينهم مصرع فرعون الذي أذلهم دهرا كاملا، ومع ذلك لم يخرجوا من تلك اللحظة الفارقة أحرارا قادرين على تحمل مسؤولية مصيرهم، فما إن تأخر موسي عن موعد قدومه بألواح الشريعة عشرة أيام، حتى كانت النفوس خائفة بلا بوصلة، وكانت مهيئة للسامري، فأقنعهم بعبادة العجل.

لو لم تملك الشعوب هوية محددة تعتمد على حريتها في الاختيار ومسؤوليتها في تحديد مصيرها ومناعة عقلانية تفند كل الروايات الضالة ستجد نفسها تسقط كما سقط قوم موسي في سيناريو ضال كذلك.

وفي مصر يمتلئ التاريخ بألف لحظة مزلزلة انشق بها البحر، وألف لحظة تبعتها اغتوينا فيها بسيناريو ساذج جديد، ففي دقائق أنهت الطائرات الإسرائيلية عصرا كاملا من التعبوية وفرضية إمكانية بناء وطن استبدادي قائم على رأي واحد يرى أي نفحة ديمقراطية شرخا يهدد التماسك الوطني.

ومع ذلك كان الشرخ تخاذلا من المنظومة العسكرية وليس نتاج شغب داخلي، ولم يكف ذلك لندرك ضرورة ألا يوجهنا قائد لصحراء ويتركنا خائفين أمام أساطير تتهاوى وواقع جديد، فجاء قائد جديد غير الوجهة 180 درجة وتركنا كوطن ملتبس بجيل ستيناتي لا يدرك فيما ضحى وراهن مادامت النهاية صلح منفرد مع عدو حاربناه لأجيال، وجيل سبعيناتي لم يقطف ثمار الانفتاح ولم يكفل له اقتصاد وطن بلا حرب أي رخاء أو مستوى معيشي أفضل، فانسحقت هوية جيل مقاتل وآمال مواطن شاب.

تلاها ثلاثون عاما من الجمود في عصر عولمي الجمود فيه كارثة، لم نتوقف أمام ألف لحظة مزلزلة انشق فيها ثوب مسلماتنا كما انشق البحر، ولم نفند أي فرضية غير واقعية كسيناريوهات السامري، فازدادت هويتنا ارتباكا ومسخا، ومادمنا اقتدينا ببني إسرائيل في أمراضها فلا بد أن ننساق معهم إلى “التيه”.

كل ما سبق هو أعراض هوية مرتبكة دوما، هي رد فعل محاطة بالتهديد، توالى عليها الاستعمار ثم نخب وطنية من الحاكم الفرد الذي قاد وطنه لسيناريوهات فاشلة مؤطرة بالقمع، لا يغير الأوطان أناسا تشكلت هويتهم كخندق دفاعي ضد آخر غربي يتطور أسرع ويشكل العصر، ونحن تطورنا شكليا لكننا في حقيقتنا لم نغادر قرون العصر العثماني، عندما انغلقت كل الاجتهادات الفكرية، وصرنا نناطح كل ما حولنا بمظلوميتنا التاريخية وتعالينا، لكوننا نحن وفي الحقيقة هويتنا مفعمة بالخوف والشكوك، و طرق الخلاص لا نتفق عليها، فالبعض جعل حكم الفرد حتمية لمجتمعات محاطة بمؤامرات والديمقراطية ستضعفها، والبعض جعل الوطن ككل جزء من خطة مثالية لدولة إسلامية طوباوية، و البعض وجد هويته مرتبكة فمزقها في انتظار جواز سفر للخارج أو باعتناق إلحاد انفعالي متبرئا من دين لا يتجدد ووطن لا يتحرك.

تتبدى هويتنا الممزقة وأمراضنا في أبسط الأشياء بداهة، حتي في عجزنا عن التعاطف مع تفجيرات إرهابية لأبرياء، فاجتر البعض مظلوميته والبعض تفسيراته التآمرية والبعض تماهيه مع الخارج واحتقاره لنفسه لانتماؤه لـ”دين ووطن الإرهابيين”.

شكل الألمان في القرن الماضي هويتهم كرد فعل لتهديد أوروبا لهم، وعبر عن مخاوفهم و مظلوميتهم التاريخية وتعاليهم العرقي قائد مجنون كهتلر، واستحوذت عليهم ذات أمراض بني إسرائيل.

كان فرعون خلف موسى و البحر أمامه، فكانت الخيارات واضحة، أما نحن، فندور في تيه فكري كمن يبحث عن قط أسود بحجرة مظلمة، ووجدان جمعي مثقل بالمخاوف والأمراض لا يستطيع أن يجيب مطمئنا عن سؤال: من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف نصل؟

عن الكاتب
حسام الدين السيد
شاب عشريناتي يتأمل بفعل الكتابة مجتمع متغير
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق