الآن تقرأ
القاهرة (رواية)..الحلقة الثانية

لقراءة الحلقة الأولى : هنا

عندما ارتديت نظارة بعدسات كبيرة قالت لي أمي .. صرت صورة طبق الأصل من جدك عبد المولى.. إن كان هذا الرجل يحل في جسدي مع تقدم العمر .. فسأحاصره بأسئلتي لأعرف كيف أنجب بنات على هذا القدر من التباين .. من هذا الأب خرجت البنات الأربعة .. وتعود النبتة القديمة لتنمو في جسد أصغر الأحفاد.

يظهر جدي في الصور القديمة متجهما .. أو ربما تخفي النظارة ذات العدسات الكبيرة بريق عينيه .. حياته كانت تسير كالنهر الرائق .. بورجوازي صغير يمتلك مصنعا لفتائل المصابيح القديمة.. ويقضي أوقات فراغه في سماع الموسيقى أو تدخين الشيشة مع الأقارب في منزله.. عاش نصف حياته أعزب والنصف الثاني أرمل وبينهما سنوات قصيرة مع جدتي بهية التي اختطفها الموت في سن مبكر من بين أحبائها.

كانت أمي تتعلق بأبيها وهي في مطلع العمر .. ثم وجدت في الضابط الشاب الذي أطاح بالملك ملامح بطل آخر يحتل مكانة مماثلة للأب.. لكن عبد المولى كان ساخطا للغاية.. كيف يجرؤ هذا الشاب على إلغاء الأحزاب ومنع رجال السياسة من الكلام؟.

في رحلة عودة بالتاكسي من نزهة خلوية تطرق حديث الأب مع السائق إلى السياسة.. قال عبد المولى بصوت منفعل.. إنهم يختطفون الشبان من منازلهم .. أعرف واحدا أخذوه بدلا من أخيه .. هل تقوم دولتنا الجديدة على الخوف؟ ولاحظ أن السائق توقف فجأة عن الكلام فسكت خجلا .

ظلت أمي طوال الليل تنظر من خلف الشيش،تترقب شيئا يحدث .. ظنت أن السائق كان يسجل كلام أبيها ليبلغه للبوليس .

مرت الليلة ولم يأت زوار الفجر .. قالت أمي في الصباح ربما ظن السائق أن أبي هو الذي كان يستدرجه في الكلام ليبلغ عنه البوليس .. لهذا سكت خوفا منه.

سهرة أخرى لا تنساها أمي .. كانت في نادي للدبلوماسيين .. اصطحبها أحد أصدقاء العائلة وقال لها “سيحضر الرئيس شخصيا وسيجلس على هذه المائدة”.

جلست على مائدة قريبة من المكان المتوقع لمجلس الرئيس .. كانت فتاة سمراء يتيمة تتولى رعاية أخواتها الأصغر.. تربط شعرها كذيل حصان قصير غير مكترثة بأنوثتها ..تؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة وتحفظ خطابات الرئيس عن ظهر قلب .

قال الصديق بعد ساعة من الترقب “للأسف الرئيس اعتذر عن الحضور” .. ضمت الشال على أكتاف فستانها وظلت طوال السهرة تعلق عينيها على المقعد الخالي.

………………..

بعد عام تقريبا .. تلقيت مكالمة من زميلتنا (ندى) بالجريدة.. قالت أن مديرة التحرير شيرين الهواري تستدعيني للحضور لإمضاء عقد رسمي مع المؤسسة.

لم تكن شيرين وجها إعلاميا معروفا في هذا الوقت.. لكن الوسط المهني يعرف عنها الصرامة الشديدة .. كما أن علاقاتها القوية في الحزب الوطني تجعلها قريبة من بعض الكبار.. سمعت من بعض الزملاء أنها تسعى لتعيين محررين شبان لضخ دماء جديدة تُحي الجريدة التي صار متوسط الأعمار فيها فوق الأربعين.. كانت تراهن على الشباب لجلب الانفرادات التي تلفت الأنظار للجريدة .

دخلت صالة التحرير فوجدت الجميع متحلقين حول مائدة مفروش عليها بروفات عدد الغد.. وفي قلب الحشد تستطيع أن تميز شيرين بشعرها البني القصير وخط الدخان المنبعث من سيجارة تختنق بين أصابعها.

قالت: “اليوم تم الإعلان عن التشكيل الجديد للحكومة” وهي تشير لصفحة بها صورة بارزة لوزير التجارة “لا يكفي أن نتحدث عن قصة استقالته من مجموعته التجارية الضخمة من أجل الوزارة .. يجب أن نثير أسئلة حول تعارض المصالح .. ووزير الاستثمار أيضا، هذا وجه جديد يجب أن نقدمه للناس”.

قالت كريمة: “كنا نراه من قبل  في مؤتمرات الحزب الوطني”

وعقبت شيرين: “كان (تنك) ولا يتحدث إلا مع قلة من الصحفيين،ثم إن الرأي العام لا يعرفه”.

مرت شيرين ببصرها على كافة وجوه الحكومة الجديدة وقالت:”هذه حكومة قوية .. هذا شيء لم نعتاده من قبل”.

………………………………………………….

على مدخل عمارة جروبي بميدان طلعت حرب دائما ما يجلس رجلان بزي مدني تتوسم في وجوهيهما أنهما من رجال الداخلية .. وفي قلب زحام الميدان تطل عليك من دور علوي في العمارة لافتات تحمل شعارات معارضة للنظام .. حيث كان مقر حزب أيمن نور.

قالت شيرين بلهجتها التقريرية التي توحي دائما بأنها تذيع بيان هام”من الآن علينا الاهتمام بالسياسة.. حتى تغطيتنا للاقتصاد تكون من زاوية السياسة .. البلد في حالة غليان”.

سمحت لي مهنتي أن أعبر حواجز رجال الأمن من دون (س) و (ج) وأن أدخل معاقل المعارضة المحاصرة بسيارات الشرطة المصفحة.

كان اليوم هو موعد خروج أيمن نور من حبس احتياطي تواكب مع إعلانه نيته منافسة الرئيس في الانتخابات القادمة..اتفق كل من في الحزب على انتظاره عند باب الخروج وحمله على الأكتاف لمقر الحزب .. وما أن خرج الرجل حتى ابتلعته الحشود وسارت به في مظاهرة ضخمة لفتت كل الأنظار.. كنت مع الصحفيين نهرول للحاق بالمسيرة، وأمامنا رجل بصوت جهوري يهتف للمعارض السياسي الذي تحدى الرئيس وخرج سالما.

ثم رأيتك يادولسينا..لمحت وجهك النقي وسط الصحفيين وأنت تلهثين خلف المظاهرة .. تتعثرين في خطواتك المسرعة وأنتِ تسجلين هتافات المظاهرة بمدونتكِ الصغيرة .. لمحت نظرة المعاناة الممزوجة بالحماس .. كنتِ كبريق شهاب مر في سماء مظلمة .. ثم اختفيتي من جديد .

تخيلت أننا تعارفنا وسط الزحام، ثم سرنا سويا بعيدا عن المسيرة نتبادل الحديث حول أحوال البلد، ولكن في الواقع أنني عدت لمنزلي في سيارة أحد أعضاء الحزب، تبرع لي بتوصيلة،

كان ثلاثيني بدين وخفيف الظل،صرنا أصدقاء بعد ليلة قضيتها مع أعضاء الحزب على رصيف النيابة وقت التحقيق مع أيمن نور.

تحدث طوال الطريق عن انتخابات البرلمان التي سيدعم فيها مرشح الحزب بالدائرة التي يسكن فيها .. قلت إن هذه الدائرة يحتكرها مسئول ثقيل في الحزب الوطني، قال أنه طاعن في السن :”سأنتظره في بير السلم وأقول له (بخ) فيسقط مغشيا عليه”.

………………………….

لم أعد أحتمل اجتماع الجريدة الأسبوعي .. ها نحن ننتظر الانتهاء من بروفات عدد الغد حتى نبدأ نفس سيناريو تلاكيك الجيل القديم من المحررين.. سيقول محمد شبل أنه سينفذ تكليفات بسيطة لأن “عِرق النسا” يمنعه من الحركة بسلاسة، وسيقول سيد التلباني أنه اقترب من سن الستين ولم يعد معقولا أن يأخذ راتبا مساويا لرواتب الشباب.

الحصيلة أن العبء الأكبر للعمل سيوزع على الشباب الثلاثة في قسم التحقيقات أنا وندى وشيماء.

وفي اليوم التالي سأجد ندى تهز رأسها، ذات الشعر القصير، بخفة وهي مندمجة مع أغاني نانسي عجرم .. هذه كانت طريقتها لمواجهة هذا الكم الرهيب من التكليفات .. فهي بجانب عملها في الجريدة تعتمد عليها شيرين ضمن فريق إعداد برنامجها التلفزيوني الجديد .. وشيرين لا تعرف الرحمة .. لن أندهش إذا وجدتها تطل من باب مكتبها وتطلب من ندى تحديد موعد مع بائع لبن العصفور.

وشيماء، صاحبة الحجاب الإسبانش التي تتناثر الأوراق على مكتبها في فوضى رهيبة ولا ينتهي الصخب في المكان إلا برحيلها آخر النهار، كانت تعمل أيضا في كل من الجريدة والبرنامج ولكنها كانت تجيد عقد الصفقات.

ستلتقي شيماء بأي من زملاءنا الشبان في الجريدة وتسأله :” أين كنت؟”

“في مؤتمر عن الضرائب”

” عظيم .. أنا أعد تحقيق عن الضرائب، اعطني بعض ما قاله الخبراء في المؤتمر لأنشره كحديث خاص”

” والمقابل ؟ ”

“أنا ذاهبة لإجراء حوار مع رئيس هيئة الاستثمار، سأرسل لك بعض الأخبار لتعيد نشرها في سبوبة بعد الظهر .. قشطة؟”.

“اتفقنا”.

ولكن .. للحق .. محمد شبل جعل هذا الاجتماع غير تقليدي .. قال أن لديه وقائع موثقة تثبت أن ما تنشره شيماء أسبوعيا هو مواد صحفية منشورة من قبل.. لقد اكتشف الرجل اللعبة !

وقف شبل يستعرض الوقائع وكأنه وكيل نيابة يترافع في جناية .. وبدت شيماء .. لأول مرة .. منكسرة وقد تكشفت صفقاتها .. لم يكن الخداع من طبعها .. كانت فقط تتحايل لكي يصل دخلها الشهري لـ2000 جنيه .. فتستطيع أن تسدد قسط السيارة..

أنهى شبل مرافعته وطالب بتوقيع أقسى العقوبة .. نظرت كريمة لشيماء بغضب وتوعد .. ثم عادت لشبل وقالت : “وماذا تنتظر من محرر يتقاضى 500 جنيه في الشهر .. نحن نعيد إنتاج هذا اللون من الصحافة مع كل جيل” .

…………………………………………………..

رفعت عيني من المجلدات القديمة .. وقلت إن تلك الطواحين التي تطحن الحبوب في الصباح تدور رحاها على عظام الفلاحين في المساء .. فقال حكيم الفلاحين إن الطواحين رمز للسلام والاستقرار .

………………………………………….

دخلت بصعوبة لقاعة الحريات في نقابة الصحفيين .. قالت لي كريمة إن ندوة عن العمال المعتصمين أمام مجلس الوزراء ضد الخصخصة ستنعقد هناك ..رأيت كريمة تجلس في الصفوف الأولى ورؤساء النقابات يصافحونها باحترام شديد ثم يسردون لها حكايات الفصل التعسفي والمعاش المبكر ورجل الأعمال الذي اشترى الأصول العامة بثمن بخس وباعها كقطع الروبابيكيا .

 

بدأت الندوة وكانت الكلمة الرئيسية لكاتبة الرأي شهيرة واصف، تهامس الجميع حول مقالاتها النارية في الصحيفة الرسمية.. بصراحة لم أكن أتابعها .. سألت كريمة همسا :”وهل يوجد شيء ناري في جرنان الحكومة!” قالت:”كلمة المعارضة في جرنان الحكومة بألف كلمة”.

 

كانت شهيرة صاحبة جسد ضئيل وصوت هاديء .. قالت بمنتهى الرزانة :”نحن أمام عملية تصفية كاملة للقطاع العام بدون أي ضمان لحقوق العاملين فيه” فصفق لها الحضور بحماس .. بالنسبة لي كان كلامها مجرد إقرار لأمر واقع، وقد قفز لذهني مشهدا هزليا لرجل يحمل امرأته للطبيب وهي تصرخ من آلام الحمل فيقول له الطبيب بمنتهى البرود :”مبروك المدام حامل”.

طلب المداخلة عدد من الحاضرين ، أحدهم طبيب والآخر مترجم وثالث لم يفصح عن مهنته، كلهم من جيل السيدة الخمسينية الجالسة على المنصة .. أثنى كل  واحد على كلمة شهيرة وأضاف واستفاض .

قالت كريمة وهي تمضغ علكتها الخضراء وأعينها معلقة على المنصة :”يبدو أن هناك توجيه داخل الحزب بالهجوم على الحكومة بلارحمة ”

سألت :”أي حزب ؟ ”

قالت”الحزب الشيوعي السري”.

 

” كيف يكون سري وأنت تعرفينه ؟”.

 

قالت ” هذا مجرد تخمين .. يجب أن اتضامن معهم ” .. ثم قامت وأضافت واستفاضت هي الأخرى .

 

(Visited 338 times, 1 visits today)
عن الكاتب
محمد جاد
التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لإضافة تعليق